رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

اقتصاد

1069

القره داغي: على المنتجات المالية تحقيق المصالح والمنافع ومنع الأضرار

24 نوفمبر 2015 , 05:55م
alsharq
الدوحة - بوابة الشرق

بدعوة من شركة شورى للإستشارات الشرعية بالكويت تحدث الأستاذ الدكتور علي محيي الدين القره داغي الأمين العام للإتحاد العالمي لعلماء المسلمين ونائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث عن قضية هامة في الفقه الإسلامي والاقتصاد المرتبط به، وفي مؤتمر شورى الفقهي السادس تناول فضيلته قاعدة سدّ الذرائع وتطبيقات العمل بها في المعاملات المالية والمصرفية المعاصرة وقدمها للعملاء والباحثين كدراسة فقهية تأصيلية تطبيقية.. قال فضيلته:

استقرت الآراء، واستقرئت نصوص الشريعة، على أنها نزلت لإصلاح الإنسان ومصالحه في الدنيا والآخرة، ولتحقيق العدالة، والرحمة، والسعادة، والخير له، فقال تعالى: (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً).

الفتوى وسيلة لتحقيق الصلاح وفتح آفاق المصالح وسداً لذرائع الفساد

لذلك يجب أن تكون الفتاوى والقرارات، والمنتجات المالية (وغيرها) محققة للمصالح والمنافع والطيبات (بجميع أنواعها) ودارئة للمفاسد، ومانعة من الأضرار والخبائث (بجميع أنواعها)، فقال تعالى في وصف رسول الرحمة، صلى الله عليه وسلم: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ). ومن هنا يأتي الحديث عن سدّ الذرائع أو فتحها، وفي نظري أن كون الفتوى وسيلة لتحقيق الصلاح وفتح آفاق المصالح، وسداً لذرائع الفساد، ووسيلة لدرء المضار والخبائث محل اتفاق في الجملة، وأن الخلاف هو في التفاصيل والجزئيات، أو في كون سدّ الذريعة دليلاً مستقلاً.

تعريف سدّ الذرائع:

يراد بـ(سدّ) - في اللغة - المنع، وبالذرائع: الوسائل المادية والمعنوية التي يتوصل بها إلى شيء ما، وبالتالي فهي في اللغة شاملة لجميع أنواع الوسائل والأسباب المؤدية إلى خير، أو شرّ، حق أو باطل، حلال أو حرام، إحياء أو إماتة. وفي الاصطلاح:

الذرائع في اصطلاح جمهور علماء الأصول والفقه لا يختلف كثيراً عن معناها اللغوي، سوى أنها مقيدة بالوسائل التي يسلكها المكلف باختياره للوصول إلى تحقيق مصلحة، أو مفسدة.

وبناء على ذلك فإن الذرائع إذا كانت مؤدية إلى مصلحة تكون واجبة، أو مستحبة، أو مباحة (حسب القوة) وأما إذا كانت مؤدية إلى فساد، ومضرة وخبث فتكون محرمة، أو مكروهة (حسب القوة).

ولكن العلماء السابقين أولوا عنايتهم القصوى بسد الذرائع (أي المؤدية إلى المفاسد) وذلك لأن الذي يحتاج إلى التفصيل هو المحرم، وقد قال تعالى: (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ)، أما غيره فيبقى على أصل الإباحة.

الأدلة:

دلت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة على أن سدّ الذرائع المؤدية إلى المفاسد والمضرات والخبائث، وفتح الذرائع المؤدية إلى المصالح والمنافع والخيرات مطلوبان شرعاً.

فمن الكتاب قوله تعالى: (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ)، فقد ذكر المفسرون أن المسلمين كانوا يسبون أصنام الكفار فيسبّ الكفار الله تعالى عدواً بغير علم، فنهاهم عنه، فالآية تدل بوضوح على أن الوسيلة المشروعة إذا أدت إلى نتيجة غير مشروعة تكون منهياً عنها.

يقول الزمخشري: (فإن قلت: سبّ الآلة حق وطاعة، فكيف صحّ النهي عنه، وإنما يصح النهي عن المعاصي؟ قلت: رب طاعة علم أنها تكون مفسدة فتخرج عن أن تكون طاعة فيجب النهي عنها، لأنها معصية، لا لأنها طاعة، كالنهي عن المنكر هو من أجل الطاعات، فإذا علم أنه يؤدي إلى زيادة الشر انقلب معصية ووجب النهي عن ذلك كما يجب النهي عن المنكر).

وقال الخفاجي: (إن الطاعة إذا أدت إلى معصية راجحة وكانت سبباً لها وجب تركها، بخلاف الطاعة في موضع فيه معصية لا يمكن دفعها).

ومن السنة النبوية الشريفة ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما بسندهم أن عمر بن الخطاب طلب من النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يقتل رأس النفاق عبد الله بن أبي سلول، فقال صلى الله عليه وسلم: (دَعْهُ لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه).

ومنها ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما بسندهم، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه! قالوا: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسبّ الرجل أبا الرجل، فيسبّ أباه، ويسبّ أمه فيسبّ أمه).

ومنها الحديث الخاص بعدم إعادة البناء للكعبة.

ومنها الأحاديث الخاصة بمنع الجمع بين سلف وبيع، وغيرها.

آراء الأصوليين في سدّ الذرائع:

يظهر مما يقوله بعض علماء الأصول قديماً وحديثاً، أن الخلاف جوهري بين الأصوليين والفقهاء في حجيّة (سدّ الذرائع) ولكن عند تحرير محل النزاع يظهر لنا ما يأتي: أن هناك أمثلة كثيرة لسدّ الذرائع وردت في الكتاب والسنة مثل النهي عن سبّ الأصنام، وعدم إعادة بناء الكعبة، وعدم قتل المنافقين، وغيرها بالإضافة إلى المقدمات الممنوعة لأجل أنها وسائل تؤدي إلى المحرمات فهذه كثيرة جداً.

فكل هذه الأمثلة هي محل الاتفاق بين الفقهاء، وإنما الخلاف في أن سدّ الذرائع هل يعدّ دليلاً وأصلاً وحجة فيما إذا لم يوجد دليل آخر من الكتاب والسنة والإجماع والقياس؟ فذهب المالكية والحنابلة إلى أنه دليل وأصل، في حين ذهب الحنفية والشافعية إلى نفي ذلك.

والتحقيق أن جميع الفقهاء - ما عدا الظاهرية الذين وقفوا عند ظاهر النصوص - قالوا بسدّ الذرائع من حيث الجملة، وإنما الفرق بينهم من حيث الكثرة والغلبة، ومن حيث كونه دليلاً وأصلاً عاماً، يقول القرافي: (وأما الذرائع فقد أجمع العلماء على أنها ثلاثة أقسام: أحدها معتبر إجماعاً كحفر الآبار في طريق المسلمين، وثانيها ملغي إجماعاً، كزراعة العنب، فإنها لا تمنع خشية الخمر، وثالثها مختلف فيه كبيوع الآجال، اعتبرنا نحن الذريعة فيها، وخالفنا غيرنا، فحاصل القضية: أننا قلنا بسدّ الذرائع أكثر من غيرنا، لا أنها خاصة بنا)، ولذلك قال الشيخ أبو زهرة: (إن العلماء جميعاً يأخذون بأصل الذرائع وإن لم يسموه بذلك الاسم).

وذكر ابن القيم توجيهاً لطيفاً فقال: (وباب سدّ الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه أمر، ونهي، والأمر نوعان: أحدهما مقصود لنفسه، والثاني وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة فصار سدّ الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين). ويقول أيضاً: (ولما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصود قصد الوسائل، فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه، فإنه يحرمها ويمنع منها تحقيقا لتحريمه وتثبيتا له ومنعاً أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم وإغراء للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك، فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثم أباح له الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه لعد متناقضا ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال؟. ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها، والذريعة: ما كان وسيلة وطريقاً إلى الشيء).

أنواع الذرائع وموقف العلماء منها:

والذرائع هي الأسباب والوسائل التي تؤدي إلى مصلحة أو مفسدة.

وهي - سواء كانت قولاً أو فعلاً أو نحوهما - تقسم إلى ثلاثة أنواع:

النوع الأول: أن تكون الذريعة موضوعة للإفضاء إلى الفساد أصلاً، مثل شرب الخمر التي تؤدي إلى مفسدة السكر والإضرار بالعقل ونحوه، والقذف المفضي إلى مفسدة الافتراء والاعتداء على العرض، والزنا المؤدي إلى اختلاط الأنساب، وفساد الفراش، فهذه يجب سدّها بالإجماع، وإن فتحها حرام.

النوع الثاني: أن تكون الذريعة مفضية إلى صلاح، وموضوعة له باليقين، أو الظن الغالب مثل العلم الموصل إلى معرفة الحلال والحرام، وأركان الإسلام والإيمان، وإطعام المضطر، والمحتاج، واستعمال وسائل البقاء والنمو والتنمية والتعمير، والتطوير على مستوى الأفراد، والمجتمع والأمة.

فهذه الذرائع يكون فتحها واجباً، أو مندوباً، أو مباحاً حسب درجة ما تفضي إليه من حيث القوة والضعف، يقول القرافي: (اعلم أن الذريعة كما يجب سدها، يجب فتحها، ويكره، ويندب ويباح..).

النوع الثالث: أن تكون الذريعة موضوعة – من حيث الظاهر – للإفضاء إلى أمر جائز ومستحب، ولكنها تتخذ وسيلة إلى الحرام إما بقصد، مثل أن يعقد نكاحاً قاصداً به التحليل، أو بيعاً (العينة) قاصداً به الربا، أو بغير قصد كمن يصلي بين يدي القبر لله تعالى.

الفتوى محل اتفاق في الجملة.. والخلاف في التفاصيل والجزئيات

وهذا النوع يتفرع منه قسمان:

القسم الأول: أن يكون الإفضاء إلى المفسدة هو الغالب الراجح مثل بيع العنب لمن يتخذه خمراً، وبيع السلاح في وقت الفتنة، أو لمن عرف حسب الظن الغالب أنه يستعمله في الحرام، مثل القتل، أو الاغتصاب، أو السرقة، أو نكاح التحليل ونحوها، فهذا محل خلاف بين الفقهاء فذهب الأكثرية إلى الحرمة بناء على هذه المفسدة الظاهرة، أو بناء على النيات والقصود.

وذهب آخرون إلى الاعتماد على الظاهر مثل ظاهر العقد الذي توافرت فيه أركانه وشروطه وقالوا: علينا بالظاهر والله يتولى السرائر.

وهذه المسألة مرتبطة أيضاً بمدى تأثير النيات والقصود، وقد أطال ابن القيم النفس في هذا القسم ورجح القول بحرمة كل ما يؤدي إلى الحرام، وذكر لذلك أمثلة كثيرة.

القسم الثاني: أن يكون الإفضاء إلى المفسدة غير راجح، بحيث يكون الإفضاء إليها ضعيفاً مرجوحاً، ففي هذه الحالة ينظر إلى بقية الأدلة والمبادئ، والقواعد، فإذا لم نجد فيها ما يقوّي القول بالحرمة أو الكراهة يبقى الأمر على الإباحة العامة، وقد يصححها القول بالكراهة إذا ساندتها بعض الأمور.

وأما إذا كان الإفضاء مؤدياً إلى المصلحة الراجحة، فهذا داخل في النوع الثاني الذي ذكرناه، فالمفتي يجب عليه أن يحيط علماً وحرصاً وتطبيقاً وفقهاً بمسائل الذرائع حسبما ذكرنا، حيث تعتورها الأحكام الشرعية التكليفية، والوضعية.

مساحة إعلانية