رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يكاد يخلو يوم من أيام شهر يناير الذي انصرم بالأمس من مظاهرة في الوطن العربي، ولدت شرارتها بإيقاد "بوعزيزي" النار في نفسه لتحرِق المستبدين وينتفض الشعب، ويسقط النظام، وتولد الحرية والعدالة، وتنبعث رائحة الياسمين. هذه النار انتشرت في الهشيم لتهدد كل نظام ظالم. فشهدت أغلب دول العالم مظاهرات ومسيرات وتجمعات، بعضها مطالبة بالتغيير والإصلاح، وبعضها محتجة على رفع أسعار السلع الأساسية، أو رداءة البنى التحتية، أو الفساد، وبعضها مؤيدة ومباركة لرغبة الشعب التونسي وانتصاره ومتمنية أن يعتبر النظام لديها، ويفهم الطغاةُ الشعوبَ قبل أن يفوت الأوان، وبعضها مؤيد لانتفاضة الشباب المصري. ويمكننا أن نكتفي هنا بضرب أمثلة لمظاهرات شهدها فقط الأسبوع الأخير من شهر يناير: ففي 25 يناير اندفعت مظاهرات الغضب في مصر وهي مستمرة إلى اليوم، وفي 27 يناير تجددت مظاهرات اليمن مطالبة برحيل صالح ونظامه ورفض التوريث، وفي 28 يناير شهدت الأردن مظاهرات في مدن متفرقة احتجاجاً على غلاء المعيشة، كما شهدت جدة مظاهرة في ذات اليوم، وفي 29 يناير تظاهر آلاف الجزائريين مطالبين بتغير جذري، وفي 30 يناير عرفت السودان مظاهرات طلابية منددة بالحكومة ومطالبة باستقالتها.
وقد دفعتني هذه الأحداث إلى مراجعة القانون القطري رقم (18) لسنة 2004 بشأن الاجتماعات العامة والمسيرات، والذي يفترض ألا تخرج أحكامه وقواعده عن كفالة الدستور لحق التجمع، حيث نصت المادة (44) من الدستور الدائم لدولة قطر على أن "حق المواطنين في التجمع مكفول وفقاً لأحكام القانون".
وقد عرّف القانون القطري المسيرة بأنها "كل موكب يسير أو تجمع يقام، في الطرق والميادين العامة، ويشارك أو يتوقع أن يشارك فيه أكثر من عشرين شخصاً، سواء كان صامتاً أو مصحوباً بهتاف أو صياح". وقد اشترط القانون لتسيير المسيرة أو تنظيمها أو الدعوة إليها أو الإعلان عنها أو إذاعة أنباء بشأنها أن يتم ذلك بعد الحصول على ترخيص من مدير عام الأمن العام، بناء على طلب كتابي يقدم إليه موقعاً من عدد لا يقل عن ثلاثة ممن لهم علاقة بالمسيرة، موضحاً الزمان والمكان وخط السير. على أن يقدم هذا الطلب قبل الموعد المحدد للمسيرة بسبعة أيام على الأقل، ويعتبر الطلب مرفوضاً إذا لم يرد عليه قبل الموعد المحدد بثلاثة أيام.
ووضع القانون بعض القواعد المتعلقة بالمسيرة إذ لا يجوز أن تبدأ قبل الثامنة صباحاً، ولا يجوز أن تستمر بعد غروب الشمس إلا بإذن من وزير الداخلية أو ممن ينوب عنه. كما لا يجوز أن يحمل أي شخص يشارك في المسيرة سلاحاً حتى وإن كان مرخصاً، ويجب ألا يسيء التجمع إلى سمعة الدولة أو الدول الأخرى. كما يجوز للشرطة أن تعدل من خط سير المسيرة أو مكان التجمع إذا تبين لها أن من شأنه الإخلال بالأمن والنظام العام أو تعطيل حركة المرور. ثم يسرد القانون سلسلة من المواد التي تعاقب بالحبس والغرامة تحل بمن يخالف القواعد والشروط المنظمة لهذا الحق.
ولنا على هذه القواعد والشروط التي وردت في القانون بعض الملاحظات،
أولاً: أن المشرع عندما ينظم التجمع يجب ألا يغيب عن مفهومه أنه حق للمواطنين قبل كل شيء، وأن الدستور كفله، وأن التنظيم لا يعني بأي حال من الأحوال تفريغ الحق من معناه، ويجب أن يقتصر دور القانون على تحقيق التوازن بين أمرين: إتاحة ممارسة هذا الحق للمواطنين من جانب، وتحقيق مصلحة المجتمع لا النظام من جانب آخر، ومصلحة المجتمع تتمثل، في عدم الاعتداء على الممتلكات الخاصة أو العامة أو ثوابت المجتمع أو حقوق الآخرين أو إثارة الشغب أو العنف أو الفوضى. إذن طالما ستسير المظاهرة في إطارها السلمي دون أن تتجاوز غرضها، فلا يحق للحكومة أن ترفض إقامتها أو تمنع استمرارها.
ثانياً: بما أن التجمع حق كفله الدستور، فلا أرى مناسباً أن يكون بناء على ترخيص أو طلب إذن لإقامته، وإنما ينبغي أن يقتصر الأمر على "إخطار" أو "إبلاغ" الجهة المختصة بموعد اقامته ومكانه وخط سيره. ويمكن حصول المنظمين للمسيرة على إيصال من الجهة المعنية للتدليل أو الإثبات بأنهم قاموا بإخطارها.
ثالثاً: ان الفترة الزمنية التي اشترطها القانون القطري لطلب الترخيص للمسيرة وهي سبعة أيام على الأقل قبل الموعد المحدد لإقامتها فيها تطويل قد يفوت على المواطنين الهدف من ممارسة حقهم، لا سيما وأن ممارسة هذا الحق هو وليد الظروف أو الأحداث المسببة له، لذا أرى تقليص فترة إبلاغ السلطة أو إخطارها، ليكون من الجائز القيام بالإخطار في فترة لا تقل عن أربع وعشرين ساعة عن موعد إقامة التجمع أو المسيرة، وهي فترة كافية لتهيئ السلطة نفسها حمايةً وتنظيماً وليس إخماداً وكبتاً.
رابعاً: إن افتراض المشرع عدم رد الجهة المعنية على طلب الترخيص قبل ثلاثة أيام من موعد إقامة المسيرة رفضاً ضمنياً، لا ينسجم مع كون التجمع والمسيرة حقا، إذ ينبغي تعديل هذه المادة لكي تعني "العكس"، بمعنى إذا لم ترد الجهة المختصة فإن ذلك يعني عدم ممانعتها لإقامة المظاهرة.
خامساً: في حالة ممانعة أو رفض الجهة المختصة إقامة المسيرة أو التجمع أن يكون هذا الرفض مسبباً، ولأسباب واضحة وحقيقية، ويمكن للمنظمين التظلم بشأنه ثم التقاضي.
سادساً: أن المشرع وضع عقوبات مختلفة لمن يخالف القواعد والشروط المنظمة لحق التجمع، ومنها على سبيل المثال: عقوبات لمن يبدأ بالمسيرة قبل الساعة الثامنة صباحاً أو يبقى بها بعد غروب الشمس، أو من يعلن عن مسيرة غير مرخصة بأية وسيلة من وسائل النشر (تدخل ضمنها الوسائل الإلكترونية مواقع، منتديات، فيس بوك، إيميلات، مسجات، إلخ...)، أو يشترك فيها، ونرى بأن من الإجحاف معاقبة المواطن على ممارسة حقه، لاسيما إذا سلمنا بأن هذا الحق لا يحتاج إلى ترخيص لممارسته، بل مجرد إخطار تفرضه مصلحة المجتمع في تنظيم المظاهرة وعدم خروجها عن أهدافها السلمية.
هذا، والله من وراء القصد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1278
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1086
| 07 يناير 2026
في عالم يتغيّر بإيقاع غير مسبوق، ما زال نظامنا التعليمي يتعامل مع الزمن كأنه ثابت، وكأن عدد السنوات هو الضامن الوحيد للنضج والمعرفة. نحن نحسن عدّ السنوات، لكننا لا نراجع كفاءتها. نُطيل المراحل، لا لأن المعرفة تحتاج هذا الطول، بل لأن النظام لم يُسأل منذ زمن: هل ما زال توقيتنا مناسبًا لعصر يتسارع في كل شيء؟ الطفل اليوم يمتلك قدرة حقيقية على التعلّم والفهم والربط واكتساب المهارات الأساسية. ومع ذلك، نؤجّل بداية التعليم الجاد باسم الحذر، ثم نضيف سنوات لاحقة باسم التنظيم، ثم نقف أمام سوق العمل متسائلين: لماذا تتسع الفجوة بين التعليم والوظيفة؟ ولماذا يحتاج الخريج إلى تدريب إضافي قبل أن يصبح منتجًا؟ نتحدّث كثيرًا عن الفجوة بين التعليم وسوق العمل لكن قليلين فقط يطرحون السؤال الجوهري: ماذا لو لم تكن هذه الفجوة في نهاية المسار… بل في طوله؟ هل فعلا نحتاج جميع سنوات المراحل الدراسية بعدد سنواتها المقررة من أجيال مضت ؟ التعليم ليس عدد سنوات، بل كفاءة زمن. ليس المهم كم نُدرّس، بل متى وكيف ولماذا. حين نُطيل الطريق دون مراجعة أثره، لا ننتج معرفة أعمق بالضرورة، بل نؤجّل الإنتاج، ونؤخر الاستقلال المهني، ونضيف عبئًا زمنيًا على رأس المال البشري. ماذا لو أن جزءًا كبيرًا مما نحاول تعويضه عبر التدريب بعد التخرّج يمكن اختصاره أصلًا من سنوات دراسية مهدرة، لا تضيف كفاءة حقيقية، ولا تُعجّل النضج المهني، بل تؤجّل دخول الشباب إلى دورة الإنتاج. وهنا تظهر المفارقة الأهم: حين يلتحق الخريج مهنيًا في سن أصغر، لا يعني ذلك نقصًا في النضج، بل بداية مبكرة لتكوينه الحقيقي. النضج المعرفي والمهاري يتسارع في بيئة العمل. كلما دخل الشاب إلى السوق أبكر وهو يمتلك أساسًا علميًا ومهاريًا منضبطًا، بدأت قدرته على تحمّل أعباء العمل، واتخاذ القرار، وإدارة الوقت، والعمل تحت الضغط في التكوّن مبكرًا. التجربة المهنية لا تنتظر اكتمال العمر، بل تصنع النضج نفسه. وهكذا، فإن خريجًا يبدأ مساره في سن أصغر لا يصبح فقط منتجًا أسرع، بل يصل إلى مستويات أعلى من الكفاءة في وقت أقصر، لأن سنوات الخبرة تتراكم مبكرًا، وتتحول المهارات النظرية إلى ممارسة عملية في مرحلة عمرية أكثر مرونة وقدرة على التعلّم والتكيّف في الاقتصاد الحديث، الزمن ليس عنصرًا محايدًا. كل سنة إضافية خارج سوق العمل هي تكلفة غير منظورة على الفرد والأسرة والدولة. وكل سنة تأخير في التخرّج هي سنة تأخير في الإسهام والابتكار والإحلال الوظيفي وتراكم الخبرة الوطنية. ومع ذلك، ما زلنا نتعامل مع سنوات التعليم كأنها مُسلّمات لا تُمسّ ولا تُراجع؟ حين نبدأ التعليم مبكرًا، ونضغط المراحل دون المساس بالجودة، ونحوّل جزءًا من المحتوى النظري إلى مهارات عملية متدرجة، فإننا لا نختصر الوقت فحسب، بل نغيّر طبيعة العلاقة بين التعليم والإنتاج. الطالب لا يصل إلى الجامعة بعد سنوات طويلة من التلقين، بل بعد مسار أكثر تركيزًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قابلية للتحويل إلى مهارة سوقية. هذا ليس تقليصًا للتعليم، بل إعادة هندسة له حيث تتراكم المهارات في وقت أبكر، ويبدأ الاندماج المهني في مرحلة أقرب، وتُختصر تلك السنوات الرمادية التي لاتضيف كثيرا إلى الجاهزية المهنية. تسريع عجلة الإنتاجية لا يتحقق فقط عبر التكنولوجيا أو الاستثمارات، بل عبر إدارة الزمن البشري بذكاء. حين يدخل الشاب إلى سوق العمل أبكر وهو يمتلك أساسًا معرفيًا ومهاريًا متينًا، تبدأ دورة الإنتاج أسرع، ويبدأ التعلّم الحقيقي في الميدان مبكرًا، وتتحول سنوات الخبرة من عبء مؤجّل إلى رصيد متراكم. أما الإحلال في رأس المال البشري وهو أحد أكبر تحديات الاقتصادات الحديثة فلا يمكن تسريعه إذا ظلّت بوابة الدخول إلى السوق طويلة وممتدة. كل سنة إضافية في المسار التعليمي هي تأخير في ضخّ الدماء الجديدة إلى القطاعات، وتأخير في نقل الخبرة بين الأجيال، وتأخير في تمكين الكفاءات الوطنية من تولّي أدوارها. لسنا بحاجة إلى خريجين أكبر سنًا، بل إلى خريجين أكثر جاهزية. ولا نحتاج مسارًا أطول، بل مسارًا أذكى. كما لا نحتاج إلى ترميم الفجوة بعد أن تتشكّل، بل إلى منع تشكّلها من الأصل عبر إعادة النظر في زمن التعليم نفسه. حين لا يكون الوقت في صالح التعليم، يصبح الانتظار قرارًا لا ضرورة. ويغدو السؤال الحقيقي ليس: كم نُدرّس؟ بل: هل ما زال توقيتنا يخدم الإنسان والاقتصاد والمستقبل؟ التاريخ لا يتذكّر من حافظ على المدة، بل من امتلك الجرأة على مراجعتها.
1002
| 07 يناير 2026