رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. فاتن الدوسري

مساحة إعلانية

مقالات

381

د. فاتن الدوسري

مناورات العدالة الصينية حول تايوان

13 يناير 2026 , 12:00ص

في نهاية ديسمبر الماضي أجرى الجيش الصيني مناورات عسكرية حول تايوان هي الأضخم منذ 2022 انطلقت تحت مسمى (مهمة العدالة 2025)، وكانت بمثابة محاكاة حرب دفاع وردع شاملة اشتركت فيها جميع أفرع الجيش الصيني للتدريب أو الاستعداد على خطط لتطويق تايوان بصورة شاملة، والتصدي لكافة محاولات الدعم العسكري الخارجي للجيش التايواني على كافة الجبهات خاصة البحرية.

 وبحسب تعليقات مسؤولي الصين، تأتي المناورة كرسالة تحذير قوية للحكومة الانفصالية في تايوان، والقوى الخارجية الداعمة لها وللانفصال بالإشارة ضمنيا إلى واشنطن، مؤكدين على أن تايوان جزء لا يتجزأ من السيادة الصينية، وخط أحمر للصين لا يمكن المساس به.

 على الرغم من أن مناورات مهمة العدالة قد جاءت كرد فعل على صفقة تسليح واشنطن لتايوان التي ناهزت ال 11 مليار دولار وهي الأكبر في صفقات التسليح الأمريكية لتايوان، والأكثر تطوراً من حيث القدرة التكنولوجية والتدميرية والردعية؛ بيد أن تلك الصفقة لم تكن إلا ذريعة من بكين لترسيخ سياسة الأمر الواقع التي بدأت فيها بصورة حاسمة منذ عام 2022. وترمي سياسة الأمر الواقع في المقام الأول، إلى ترسيخ قناعة تايوان وتحديدا الحركة الانفصالية بأن ضم تايوان أمر محسوم لا مفر منه فقط مسألة وقت. وبالتالي، فجميع ما تقومون به من محاولات سواء تكثيف شراء السلاح، وخطط لاستنزاف الصين، وحشد جبهة الانفصال الداخلية، محاولات عبثية لن تغيير من الواقع شيئاً، ومن ثم أيضا، يتبدى من ذلك عمل الصين على تحقيق السيناريو الأول وهو ضم الجزيرة دون طلقة رصاص واحدة، أو استسلام تايوان طوعاً لبكين.

 وفى المقام الثاني، ترسيخ قناعة القوى الخارجية الداعمة وتحديدا واشنطن بان الصين على أهبة الاستعداد لخوض معركة-ربما نووية- إذا تدخلت عسكريا للدفاع عن تايوان حال إعلان الصين ساعة الحسم، خلاصة الأمر، ان ضم الصين لتايوان بات محسوما لاسيما في ظل تقليص فجوة ميزان القوى الشاملة خاصة العسكرية مع واشنطن، وهي القضية الوحيدة تقريبا التي تضع لها الصين سيناريو فعليا لمعركة عسكرية. 

التحول الاستراتيجي لواشنطن 

 تحت وطأة العقيدة الشعبوية شبه الانعزالية لترامب، جاءت استراتيجية الأمن الوطني لعام 2025، بالتحول الاستراتيجي الثالث لأولوية المصالح الاستراتيجية الأمريكية نحو نصف الكرة الغربي، معلنة تخلي واشنطن عن آسيا. وعلى إثر ذلك، حملت الاستراتيجية الكثير من المفاجآت غير المتوقعة إطلاقاً، في مقدمتها، تخليها عن مفردات صراع المنافسة الاستراتيجية العالمية، ووصم الصين لأول مرة منذ 2008، بالمنافس الاقتصادي-فقط-الذي يجب موازنته، وليس قوى المراجعة الساعية إلى تقويض الهيمنة الأمريكية والنظام الدولي النيوليبرالي، كما دابت جميع الاستراتجيات السابقة على وصف الصين هكذا بما في ذلك استراتيجية 2017 لترامب. وبخصوص تايوان، حملت الاستراتيجية أيضا قدرا من التناقض، إذ في فقرات أكدت على ضرورة التفوق العسكري الأمريكي هناك للحفاظ على سياسة الوضع القائم (دولة واحدة ذات نظامين)، وفي فقرات أخرى شددت على ضرورة مشاركة الحلفاء للدفاع عن تايوان، وحث الأخيرة على الاعتماد على نفسها عبر تكثيف التسليح.

 ومن البديهي أن تقرأ الصين هذا التحول على أنه تخل أمريكي شبه تام عن منطق صراع الهيمنة على المسرح الآسيوي، وتحوله إلى الانكفاء الإقليمي في نصف الكرة الغربي وتحديدا أمريكا الجنوبية، في إطار ما يسمى الهيمنة الإقليمية عملا لمبدأ مونرو الذي يقضي بالحفاظ على الهيمنة او الاستثنائية الأمريكية عبر الهيمنة الساحقة الإقليمية، وليس عبر تبديد أصول الهيمنة عالمياً، وهو ما يتوافق مع العقيدة الشعبوية شبه الانعزالية لترامب. 

 وبالتالي أيضا، وفقا لقراءة الصين يعد ذلك تخليا أمريكيا شبه تام عن تايوان الحاسمة في استدامة الهيمنة الأمريكية عالميا، ومن ثم، فقد تعمدت الصين-بحسب تقديرنا- إطلاق مناورات العدالة وبتلك الضخامة لتجس نبض واشنطن في إطار هذا التحول، لأن مبيعات صفقة التسليح وإن كانت محفزة للمناورات بلا شك، إلا ان الصين واعية تماما أن مهما بلغت تايوان من تسليح واستعداد، فلن يغير ذلك من توازن القوى في شيء، فالمناورات دائما تكون رسالة لإحباط معنويات القوى الانفصالية الداخلية، أملا في تحقيق سيناريو الضم السلمي.

 أخيراً، قد ترتأي الصين أن أمامها الآن فرصة تاريخية لضم تايوان سلمياً في ظل التحول الاستراتيجي الأخير لواشنطن، مقابل عدم السماح مطلقاً بالاقتراب من نصف الكرة الغربي.

مساحة إعلانية