رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مها الغيث

mismaha1@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

219

مها الغيث

دونالد ترامب كحالة سريرية

01 يوليو 2026 , 11:07م

ما بال الرئيس الأمريكي وقد أصبح حالة يبحثها الطب النفسي؟

يأتي هذا الكتاب كأكثر الكتب السياسية والنفسية إثارة للجدل في الولايات المتحدة خلال السنوات الأولى من رئاسة دونالد ترامب، والذي أشرفت على تحريره الطبيبة النفسية (باندي لي)، وشاركها تأليفه عدد من الأطباء النفسيين والباحثين في مجالات السلوك والصحة العقلية، وقد صدر الكتاب ضمن سياق سياسي محتدم حين سعى المشاركون فيه لمناقشة ما عاينوه من آثار محتملة -تبدو بعضها خطرة- لبعض السمات السلوكية والنفسية للرئيس المنتخب على المجتمع الأمريكي والمؤسسات الديمقراطية!

يحمل الكتاب عنواناً صريحاً لهذا (The Dangerous Case of Donald Trump: 27 Psychiatrists and Mental Health Experts Assess a President - الحالة الخطيرة لدونالد ترامب: 27 طبيباً نفسياً وخبيراً في الصحة النفسية يقيّمون رئيساً)، والذي قد تبرز خصوصيته في الجمع بين السياسة وعلم النفس ضمن مساحة شديدة الحرج، فالمؤلفون لا يناقشون برنامجاً انتخابياً ولا قرارات حكومية، إنما يتناولون العلاقة التي تشبك شخصية القائد بطبيعة السلطة التي يمارسها.. الجرأة التي أثارت نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الأكاديمية والطبية والإعلامية، لا سيما حول الحدود الأخلاقية والمهنية في التعليق على الشخصيات العامة من منظور نفسي صرف.

يضم الكتاب مجموعة من المقالات والدراسات القصيرة التي طرحها مؤلفوه المختصون، والتي تتناول بالدرجة الأولى سلوك الرئيس وخطابه العام وأسلوب تواصله مع الجمهور، كما تناقش مفاهيم نفسية، مثل: الشخصية والنرجسية والتأثير الجماهيري والقيادة السياسية والعدوى العاطفية داخل المجتمعات. يعرض المؤلفون آراءهم بشأن المخاطر التي قد تبرز عندما تتقاطع بعض السمات النفسية مع مواقع النفوذ السياسي، استناداً إلى خبراتهم المهنية وملاحظاتهم المباشرة لسلوك الرئيس العلني. بيد أن أبرز نقاط قوة الكتاب تكمن في بحثه حدود العلاقة بين الصحة النفسية والسلطة السياسية، حيث إن القضية الأساسية التي شغلت المؤلفين لم تقتصر على فرد بعينه، بل امتدت للكيفية التي يمكن أن تؤثر بها السمات النفسية للقادة في المجتمعات التي يقودونها.. ما يجعل أهمية الكتاب تتجاوز ظرفه السياسي الخاص!

يخلص معظم المشاركين في الكتاب إلى أن المشكلة الأساسية في شخصية الرئيس تكمن في نمط سلوكي ونفسي متكرر مثير للقلق، أبرز أعراضه: الاندفاع، تقلب المزاج الانفعالي، الحاجة الماسة إلى الإعجاب، الحساسية البالغة تجاه النقد، الميل إلى الانتقام من الخصوم، الثقة المفرطة بالأحكام الشخصية، ضعف القدرة على الاعتراف بالخطأ أو مراجعة المواقف السابقة، النزعة إلى تضخيم الذات، النزعة العنصرية تجاه السود والنساء، احتقار الخبرات المخالفة لرأيه، الاعتماد على الانطباعات اللحظية أكثر من التحليل الدقيق!.

رغم ذلك، فالكتاب يثير إشكاليات معقدة! ففي حين اعتبره بعض النقاد محاولة مشروعة لتحذير الرأي العام من أخطار محتملة، عدّه آخرون انزلاقاً نحو تسييس الممارسة النفسية أو تجاوزاً للمعايير المهنية في الطب النفسي. عليه، يصبح الكتاب جزءاً من نقاش أوسع حول مسؤولية الخبراء وحدود تدخلهم في المجال السياسي.

أما مؤلفته، فهي أستاذة سريرية حصلت على درجتي الطب والدراسات اللاهوتية من جامعة ييل، وتدرّبت في مستشفى بلفيو، ثم شغلت منصب الطبيبة المقيمة في مستشفى ماساتشوستس العام، وكانت زميلة بحثية في كلية الطب بجامعة هارفارد، إضافة إلى زمالتها في المعهد الوطني للصحة النفسي، وقد عملت في عدد من السجون شديدة الحراسة، وأصدرت أكثر من مائة دراسة مُحكمة أشهرها الكتاب المرجعي (العنف)، وحرّرت العديد من الدراسات الأكاديمية.

ففي مقدمة كتابها التي جاءت بعنوان (Our duty to warn واجبنا في التحذير)، تقول ابتداءً: "ربما كانت أغرب تجربة مررت بها خلال مسيرتي كطبيبة نفسية هي اكتشافي أن الأشخاص الوحيدين غير المسموح لهم بالتحدث عن قضية ما، هم أولئك الذين يعرفون عنها أكثر من غيرهم. وهكذا يُقمع الحق! لكن ماذا لو كان ذلك الحق -فوق ذلك- ينطوي على أخطار بهذا الحجم، بحيث يمكن أن يكون مفتاح بقاء البشرية مستقبلاً؟". ثم تختم مقدمتها قائلة: "إن الاضطراب النفسي لا يميز بين الأحزاب السياسية! وبوصفنا مهنيين مكرَّسين لتعزيز الصحة النفسية -بما فيها الصحة النفسية العامة- يجب أن يكون واجبنا واضحاً: أن نوجّه المرضى والجمهور نحو طريق الصحة، حتى يمكن أن تَجري نقاشات حقيقية حول الاختيارات السياسية، من دون عوائق القهر أو الدفاعات العاطفية. إن تبنّي «واجب التحذير»، كما تقودنا إليه تدريباتنا المهنية وأخلاقياتنا في أوقات الخطر، لا يعني فقط إطلاق الإنذار، بل أيضاً مواصلة التثقيف والانخراط في حوار مع بقية البشر.. وهو ما يطمح إليه هذا الكتاب".

في الختام، إنه عمل استثنائي بحق، لا سيما والسياسة فيه تتقاطع مع علم النفس والأخلاق المهنية، وفي حين قد يختلف البعض حول استنتاجاته ومواقفه العلمية، إلا أن جوهره يكمن في تجاوز الخطوط الحمراء حول السلطة والشخصية والمسؤولية العامة. إجمالاً، لا يبدو أنه كتاب يكتفي بمناقشة رئيس أمريكي واحد مثير للجدل، بل ربما يدعو إلى التطرق بجدية نحو العلاقة الشائكة التي تعقد بين فرد يتولى الحكم، وأمة بأكملها تتأثر بالضرورة بسلوكه وخطابه وقراراته.

مساحة إعلانية