رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في عالم تتراص فيه النصوص على حساب المعنى، يبرز القرآن الكريم ككتاب محفوظ في صدور أتباعه، وهو يحمل رؤية متكاملة للإنسان وللحياة وللعالمين! من هنا، يأتي كتاب «كيف نتعامل مع القرآن؟» للداعية الأزهري والمفكر الإسلامي «محمد الغزالي»، ليعيد طرح سؤال جوهري: ما طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربط المسلم بكتاب الله؟ وعلى الرغم من قِدم صدوره، فهو لا يزال يحظى بأهمية خاصة في سعيه نحو تجديد علاقة المسلم بالقرآن، والإبقاء على جذوة الإيمان حاضرة في عقله ووجدانه، إضافة إلى حضوره اللفظي ترتيلاً، والثقافي في الذاكرة الجمعية الدينية. ينطلق الغزالي من ملاحظة مؤلمة مفادها حضور القرآن في حياة المسلمين حضوراً شكلياً في الأعم، إذ يغيب أثره العميق في التفكير والسلوك والحضارة، فعلى الرغم من إدامة تلاوته وحفظه وعقد المسابقات والاحتفالات على مقامه، إلا أن تأثيره في بناء العقل المسلم ونمو المجتمع يبدو أضعف مما ينبغي، ومن هنا يطرح فكرته الأساسية التي تحدد المشكلة، لا في القرآن الكريم، بل في طريقة التعامل معه! ففي حديثه عن بقاء النص وغياب المعنى، يشرح الغزالي أن هجر القرآن لا يقتصر على ترك قراءته، بل قد يتخذ صوراً متعددة، فقد يُقرأ دون تدبر، أو يُفهم فهماً مجتزئاً عن سياقه الكلي، أو يُحصر في دائرة الشعائر دون أن يمتد إلى ميادين الفكر والعمل، وبهذا يتحول القرآن من قوة فاعلة تحرّك الحياة إلى نص مقدّس معزول عن حركة الواقع. عليه، يرى أن هذا الانفصال أدى إلى نتائج خطيرة في تاريخ المسلمين، كضعف الوعي الحضاري، وتراجع الاجتهاد الفكري، وظهور قراءات ضيقة لا تستوعب عمق الرسالة القرآنية الهادية الشاملة، وهو في دعوته للعودة إلى القرآن كمشروع نهضوي ومعرفي وحضاري، لا يدعو للاكتفاء بالتلاوة أو التعبّد أو الوعظ، بل باعتباره مصدراً لرؤية فكرية متجددة تشمل الإنسان والمجتمع والتاريخ والكون. ولهذا فإن القراءة الحقيقية للقرآن يجب أن تجمع بين التلاوة والفهم والتدبر، وأن تربط النص بواقع الإنسان وأسئلته المعاصرة، فمع تزامن قراءة القرآن بهذه الروح، يتحول في قوته إلى طاقة خلاقة تبلور العقل المسلم، وتدفعه إلى التفكير في قضايا الإنسان الكبرى. ومن الأفكار المركزية التي يتناولها الغزالي في خضم حديثه عن القرآن والعقل، دعوته إلى التفكير. فالقرآن في نظره لا يعارض العقل بل يوقظه، والخطاب القرآني يزخر بالدعوة إلى التفكّر، والتدبّر، والنظر في الكون، والتأمل في سنن التاريخ وحركة المجتمعات. ومن ثم فإن العلاقة بين القرآن والعقل ليست علاقة خصومة بل علاقة تكامل، مستدلاً بنشأة الحضارة الإسلامية التي ازدهرت في بيئة فكرية متأثرة بروح القرآن، حفّزت بدورها حركة العلم والبحث والمعرفة، غير أن مع تراجع هذا الوعي وابتعاد المسلمين عن القراءة المتدبرة، ضعف حضور العقل النقدي في أروقتها، وتقلصت مساحة الإبداع الفكري. وعن قوانين التاريخ، يولي الغزالي اهتماماً خاصاً بما يسميه السنن القرآنية، أي القوانين التي تحكم حركة الحياة والتاريخ كما يكشفها القرآن، وهو إذ لا يكتفي بسرد القصص أو توجيه المواعظ، يبين أن للأمم مسارات تحكمها سنن، مثل العدل والظلم، والقوة والضعف، والعمل والكسل، وإن إدراك هذه السنن يمنح الإنسان قدرة على قراءة التاريخ قراءة واعية، ويمنع الوقوع في التفسيرات السطحية للأحداث، فالنصر والهزيمة ليسا مصادفات عشوائية كما يشير القرآن، إنما نتائج مرتبطة بقيم المجتمعات وأفعالها. أما عن شمول الرؤية القرآنية، فيؤكد الغزالي أن القرآن يقدم رؤية شاملة للوجود، بحيث لا يعالج جانباً واحداً من حياة الإنسان، بل يجمع بين العالمين المادي والمعنوي، فهو حين يدعوه لعبادة الله وحده، يحثّه في الوقت نفسه على الضرب في الأرض، واكتشاف قوانين الطبيعة، وبناء المجتمع على أساس العدل. ومن هنا، يُفقد اختزال القرآن في دائرة الوعظ الأخلاقي أو الأحكام الفقهية وحدها، طبيعته الكلية، التي يخاطب من خلالها الإنسان ككائن يعيش في عالم مركّب، يحتاج إلى الهداية الروحية كحاجته إلى الوعي العقلي والاجتماعي.يصل الغزالي في نهاية تحليله إلى نتيجة هامة مفادها أن التدبر الحقيقي للقرآن هو ضرورة حضارية، فالأمم التي تفقد مرجعيتها الفكرية تضيع في تقليد الآخرين أو تتقلب في صراعات داخلية لا تنتهي، في حين أن ترسيخ مقام القرآن كمصدر للفهم والتوجيه، يمنح المجتمع بوصلة أخلاقية وفكرية تساعده على تجاوز الأزمات. على هذا، لا يصبح القرآن كتاباً تاريخياً، إنما خطاباً مستداماً يفتح للإنسان آفاق للتفكير والعمل، ويذكّره بأن الإيمان به مسؤولية في إصلاحه. في نهاية المطاف، يستمر القرآن الكريم عصيّاً على الزمن، فلا يهرم سوى التعامل البشري معه، ومن هنا تتجلى قيمة هذا الكتاب الذي لا يضيف تفسيراً جديداً بقدر ما يحفّز الهمة نحو تجديد مكانة القرآن الكريم في تشكيل العقل والضمير والحياة، فعندما تستعيد الأمة علاقتها الحية بكتاب الله، فإن الإيمان لا يتجدد في القلوب وحسب كذكرى محفوظة من التراث، بل كنور متجدد يستضيء به الفكر ويهدي الخطى في كل زمان ومكان. الكتاب: كيف نتعامل مع القرآن؟ المؤلف: محمد الغزالي الطبعة: (1) 2003 عدد الصفحات: 226 التصنيف :الدين الإسلامي موضوع الكتاب :القرآن بين التلاوة والحضارة
210
| 13 مارس 2026
بين الوحي والسياسة، تتجلى قراءة فاحصة في عقلية النبي القيادية! حيث ينطلق كتاب (في ضيافة النبي) من فرضية مركزية يفرضها الواقع المعاصر، مفادها إعادة قراءة السيرة النبوية كمشروع حضاري تشكّل في سياق تاريخي بالغ التعقيد، وذلك خلافاً للقراءة الوعظية التي دأبت على اختزالها في سردية أحداث متتابعة. فلم تكن الرسالة بمعزل عن خريطة العالم آنذاك، بل حلّت في زمن تتصارع فيه الإمبراطوريتان الرومانية والفارسية، وتتقاطع طرق التجارة، وتتشابك التحالفات الدينية والسياسية. من هنا، يسعى المؤلف إلى مقاربة رؤية النبي ﷺ للعالم وطبيعة قراراته القيادية المترتبة عليها، وذلك على ضوء قراءة استراتيجية فاحصة للتاريخ، تحلل الأبعاد القيادية والسياسية والجيوسياسية، مع الحفاظ على البعد الإيماني. وعنه، فهو (وضاح خنفر) مفكّر وإعلامي فلسطيني، عُرف بدوره القيادي في شبكة الجزيرة الإعلامية خلال سنوات مفصلية من تحوّل الإعلام العربي، ثم اتجه إلى البحث الفكري والعمل المؤسسي في قضايا النهضة والتطور الحضاري. في الفصل الأول (الانقلاب الاستراتيجي: كيف صنع الإسلام أوروبا؟)، يطرح المؤلف أطروحة استراتيجية جريئة لا تجعل من الإسلام مجرد قوة دينية صاعدة على هامش التاريخ الأوروبي، بل عاملاً حاسماً في إعادة تشكيله، حيث ينطلق من لحظة التحول الكبرى في القرن السابع الميلادي، عندما كان النظام الدولي القديم، متمثلاً في الصراع الروماني-الفارسي، يرزح تحت وطأة الاستنزاف، وإذا بالفتح الإسلامي يقلب موازين القوى، ويسحب مركز الثقل من الإمبراطوريات التقليدية إلى فضاء حضاري جديد! عليه، يظهر هذا التحول استراتيجياً عميق الأثر، أعاد رسم الخريطة السياسية والاقتصادية، ووضع الأوروبيين في مواجهة قوة غير متوقعة، وفرض عليهم إعادة تعريف موقعهم وهويتهم وسط العالم المتغير. أما في الفصل الثاني (ماذا يقول لنا رسول الله ﷺ في هذا الزمن؟)، فينتقل المؤلف من التحليل التاريخي إلى هذا السؤال المتعلق بزمن الاضطراب العالمي الراهن، ويستدعي السيرة ليتناولها كضرورة منهجية في فهم التحول الحضاري، وهو يشبّه الواقع بلحظة الانتقال الكبرى في القرن السابع الميلادي، حيث ولادة مشروع إسلامي قادر على تحويل الانكسار إلى نهوض. تقدّم الرسالة النبوية نموذجاً لفهم الواقع، والتكامل بين العمل والإيمان، وتجاوز الأزمات عبر الثقة بالمستقبل، وبينما لا يبدو النبي كقائد مرحلة تاريخية وحسب بل مؤسس لقواعد التعامل مع التحولات الكبرى، يبدو الواقع وهو يُعاد تشكيله عبر منظومة قيمية متماسكة قوامها الإنسان الصالح. وفي الفصل الثالث (عندما يكون التفاؤل منهج عمل)، يعالج المؤلف مفهوم التفاؤل في السيرة النبوية الذي يبدو منهجياً لا سيما وقت الأزمات، حيث العمل الجاد بجانب الخطاب التحفيزي. فمن خلال لحظات تاريخية أشارت ظروفها إلى حتمية الهزيمة أو الحصار أو الانكسار، ينبثق التفاؤل النبوي كرؤية استراتيجية تستشرف المستقبل دون أن تنكر الواقع، فليس التفاؤل إنكاراً للمعطيات بل تصوّر أعمق لها وثقة لا تتزعزع بسنن التاريخ، ومن ثم الإصرار على الأخذ بالأسباب رغم صعوبة الموقف! عليه، يتجلى التفاؤل النبوي كطاقة حضارية تحرّك الإرادة الجماعية، وتمنع الانهيار النفسي، وتحوّل التحديات إلى مسار للصعود، حتى يغدو الأمل عنصراً فاعلاً في صناعة التاريخ. ثم يصوّر المؤلف في الفصل الرابع (كيف رأى النبي العالم في زمنه؟)، نظرته التي لم تنحصر في حدود جزيرة العرب، بل كونية تُدرك توازنات القوى وتضارب المعتقدات، وتحدد موقع الرسالة ضمن مشهد عالمي تتصارع فيه القوى، وتتغير فيه المصالح، ومن ثم التعامل معها بحكمة، فقد راسل الملوك وأسس التحالفات وأدار الصراعات بمنطق استراتيجي يتجاوز اللحظة إلى ما بعدها. لقد كانت هذه النظرة العالمية جزءاً لا يتجزأ من طبيعة الرسالة التي أرسلت للناس كافة، ما رسّخ المشروع الإسلامي منذ بدايته ككيان غير منغلق على ذاته، بل فاعل في العالم يعيد تشكيله. وفي الفصل الأخير (النبي القائد والنبي الإنسان) يتناول المؤلف ثنائية القيادة والإنسانية في شخصية النبي، مؤكداً على تكامل النموذج النبوي وفق مرجعية أخلاقية واحدة. لم تكن القيادة وظيفة طارئة على شخصه ﷺ، إنما كانت بمثابة امتداد طبيعي لخُلق متجذر، فقد كان سلوكه في البيت وفي ساحة القرار وفي أوقات الشدة والرخاء، منسجماً ضمن منظومة قيمية ثابتة. ثم يتناول المؤلف مبدأ الشورى كركيزة لا كمجرد إجراء حسب الظرف الطارئ، فرغم تأييد الوحي، مارسها النبي ﷺ ليكوّن جيلا قادرا على التفكير وتحمل المسؤولية، ويحوّل التحديات إلى دروس عملية في الثبات والعدل والرحمة، وهو بذلك يكون قد قدّم نموذجاً قيادياً يجمع بين الرحمة الإنسانية والقوة الأخلاقية والفاعلية السياسية، دون انفصام بينها. خلاصة القول: يسعى الكتاب نحو قراءة السيرة من زاوية استراتيجية حضارية، تفهم السياق الإقليمي الذي وُلدت فيه الرسالة، وتحلل موقعها الجغرافي والسياسي، وتبرز المنهج القيادي للنبي ﷺ كنموذج متكامل يجمع بين الأخلاق والسياسة، والوحي والشورى، والإنسان والقائد. إذاً، ليست السيرة النبوية مجرد تاريخ يحظى بقدسية، إنما تجربة قيادية قابلة للدراسة والتطبيق، الأمر الذي يضع الأمة أمام تحدٍ متجدد في استلهام هذا النموذج، لزمن تتجدد فيه صراعات القوى، وتتعقد فيه أنماط القيادة. العنوان: في ضيافة النبي المؤلف: وضاح خنفر الكتاب باللغة الأصلية المترجم دار النشر جسور للترجمة والنشر الطبعة: (1) 2021 عدد الصفحات: 157 التصنيف: الإسلام/ السيرة النبوية موضوع الكتاب: من مكة إلى العالم
168
| 04 مارس 2026
هنا يلمس الطبّ القلب قبل الجسد، فيرسم سبيلا روحانيا مختلفا لعلاج النفس والجسد معاً. يطرح هذا الكتاب رؤية نقدية معاصرة لمفهوم الرعاية الصحية في العالم العربي، انطلاقاً من ملاحظة جوهرية، مفادها أن الأنظمة الاستشفائية الحديثة -رغم تطورها المادي ووفرة الإمكانيات- ما زالت تُقصي الجانب الإنساني والبعد الروحي في التعامل مع المريض، الأمر الذي تداعى إلى أزمة قيمية عميقة في المجال الطبي تبدو فيها الممارسة العلاجية قد فقدت الكثير من جوهرها الأخلاقي والوجداني. عليه، يؤكد المؤلف أن الطب الحديث في المجتمعات العربية قد تبنّى النموذج الغربي في النظر إلى الإنسان بوصفه مجرد كيان جسدي، متجاهلاً تكوينه النفسي، رغم أن البحوث العلمية أثبتت الأثر الإيجابي للدعم الروحاني في تحفيز جهاز المناعة وتقوية مقاومة الجسد للمرض، فضلاً عن دوره الوقائي في مقاومة الاضطرابات النفسية، إضافة إلى الحد من ظاهرة الاحتراق المهني لدى الطواقم الطبية. ويرى أن هذا القصور لا يعود إلى غياب الموارد والقدرات والطاقات، بل إلى غياب رؤية فلسفية متكاملة تُعيد الاعتبار لمركزية القيم الإنسانية في الممارسة العلاجية. ففي عرضه لاجتهادات علم النفس التحليلي، ينقل عن مؤسسه (د. كارل يونج) قوله وهو يقرّ بقاعدة إنسانية مشتركة: «إن للإنسان واجباً دينياً طبيعياً، وعدم تأدية هذا الواجب قد يترك في الإنسان شعوراً بالتفاهة وصغر الذات». هكذا يبدو «الشفاء بالمعنى» لدى المؤلف الذي ضمّن كتابه (الطب الروحاني وعلم النفس الديني) رؤية شاملة للطب والنفس والدين. وعنه، فهو (د. حشلافي حميد) طبيب وأستاذ جامعي في كلية الطب بجامعة وهران في الجمهورية الجزائرية، وهو إضافة إلى تخصصه المهني، كاتب وروائي، وله العديد من الإصدارات العلمية والفكرية تصب في نفس المجال. من ناحية أخرى، يذهب المؤلف إلى أن جذور المشكلة فكرية ومعرفية، تتمثل أساساً في تبعية مناهج العلوم الطبية والنفسية الجامعية للمدارس الغربية، دون تمحيص ثقافي أو مواءمة مع الخصوصية الدينية للمجتمعات الإسلامية! فالعلم في رأيه، حين يتم استيراده دون نقد أو تكييف، يفقد خاصية الحياد ويتحول إلى أداة لاغتراب الإنسان عن ذاته وعن روحه. لذا، فهو يدعو إلى تأسيس مقاربة «طب روحاني» تستند إلى المنظور الإسلامي، لا كبديل عن الطب الحديث، بل كاستكمال في ربط الجسد والنفس والروح، وإعادة الوحدة الوجودية للإنسان. عليه، تتجلى رسالة الكتاب في الدعوة إلى مصالحة العلم بالإيمان، والمعرفة الطبية بالحكمة الدينية، وذلك من خلال دمج البعد الروحي في التعليم الطبي وفي الممارسة السريرية على السواء، كما يشدد على ضرورة إعادة الاعتبار للقرآن الكريم والسنة النبوية كمصدرين أخلاقيين ومعرفيين لتقويم المنظومة العلاجية، وترسيخ القيم الرحيمة في التعامل مع المريض والكوادر الطبية. فمن خلال قراءة سريعة في فلسفة الطب الروحاني كما جاء به الكتاب، يظهر المؤلف -وقد اجتمع بالروح في غرفة العلاج- يتناول بعد المقدمة، النظريات الغربية المتعلقة بالدعم الديني في العلاجات الطبية والنفسية، فيتطرق من خلالها إلى مدرسة التحليل النفسي ومفارقة الإلحاد الفكري الذي كان يعتريها، ونشأة علم النفس في شقيه الديني والروحاني. ثم يتحدث عن أهمية الدعم الروحاني في العلاجات الطبية، فيحدد أولاً دعائم الإسلام فيه انطلاقاً من كونه شريعة حياة، وضرورة رسوخ الاعتقاد الديني والانتماء الروحاني للمريض كفطرة، إضافة إلى تأكيد مغزى الوجود والإيمان بالكتب السماوية ورسلها، فضلاً عن احتياجه الروحاني للصلاة والصدقة وإدامة الذكر وقراءة القرآن، مع دلالات ومعانٍ أخرى تربط بين المسلم والمرض. يقوده هذا للتطرق إلى صيرورة الموت من خلال مفاهيم إسلامية عدة، مثل (الموت حق، سكرات الموت، البكاء على الميت وتغسيله وتكفينه ودفنه وصلاة الجنازة عليه)، وفي حين ينتهي بالحديث عن الحياة بعد الموت بعد هذه الرحلة الدنيوية، ينتقل للحديث عن فلسفة الموت لا سيما وهو يربط بين واقع العالم المادي والمفاهيم الإسلامية حول الروح. يعدد أشكال الموت، كـ (موت الفجأة، والموت عند النوم، وموت الطفل)، لكنه يُسهب في الحديث عن الانتحار كشكل آخر من أشكاله، فيحدد أسبابه التي قد تكون ضمن مرض الاكتئاب النفسي، أو لدى المسنين كما في فقدان معنى الحياة، أو عند من فقد عقله، أو لظروف بعض الأعمال المهنية الصعبة. وبينما يختم المؤلف كتابه بالحديث عن دور المرشد الديني في المؤسسة الاستشفائية، يعرض مجموعة من الآداب الإسلامية في عيادة المريض، كالاستئذان احتراماً للخصوصية، اللقاء بالابتسامة وبشاشة الوجه، التحية بالسلام والمصافحة باليدين، حسن المجالسة وطيب الكلام، الدعاء كسند معنوي، التهادي والتحاب. في جوهره، يشكّل الكتاب دعوة لاستعادة البعد الإنساني في الممارسة العلاجية، وإحياء الطب البشري الشامل الذي يرى في المريض كائناً ذا كرامة، لا مجرد حالة سريرية، وهو يسعى إلى إعادة بناء الوعي المهني في ضوء رؤية تُوحّد بين الطب والعقيدة، العلم والنفس، الجسد والروح، لتتحول الممارسة الطبية من فعل ميكانيكي إلى رسالة أخلاقية وروحية تليق بإنسانية الإنسان. بعبارة أخرى: إنها دعوة للتصالح بين العلم والإيمان، حتى لا يفقد الطب شيئاً من إنسانيته.
171
| 26 فبراير 2026
ليست السيرة الذاتية مجرد رواية شفهية يُحدّث بها فرد ما ويضمّنها تجاربه في الحياة، إنما هي تعبير عن هوية المجتمع الذي شهد تفاعلات تلك الحياة المروية، بمكوناته الثقافية والحضارية. هكذا يبدأ المؤلف مقدمته في كتاب (مكونات الهوية الوطنية الفلسطينية في السيرة الذاتية) التي جادل فيها ابتداءً عن أصل أدب السيرة المتضارب شرقاً وغرباً! فبينما يعدّ كتاب (الأيام) لعميد الأدب العربي طه حسين بمثابة «النص التأسيسي لأدب السيرة الذاتية في العالم العربي»، يشير إلى بعض الأعمال الغربية التي يميل معها بعض الباحثين إلى اعتبار «أدب السيرة الذاتية أدب غربي». بيد أن الأدب العربي سبق بقرون نظيره الغربي الذي برز متأخراً في القرن الثامن عشر، حيث شهد القرن التاسع الميلادي/ الثالث الهجري، استهلال ما يُعرف بالسير الغيرية (الكتابة عن الغير) مثل كتاب (الطبقات الكبرى)، والذي توالى بعده عبر العصور من السير والتراجم، بلغت من الكثرة في التراث العربي درجة لم تبلغها أية أمة أخرى! والمؤلف (ناهض زقوت)، الكاتب والباحث في الشؤون السياسية والأدبية الفلسطينية، وإذ هو يميل إلى الاعتقاد بالجذور العربية لأدب السيرة، يتطرق إلى دورها في إبراز الهوية الوطنية ككل، فيستعرض عددا من الأعمال العربية، حتى يخص الأدب الفلسطيني وما يميزه بنصيب الأسد، وقد توّجه بسيرة (غربة الراعي) لمؤلفه (د. إحسان عباس)، الناقد والمحقق والمترجم الفلسطيني الذي يُعد من أبرز روّاد العرب الذين ساهموا في إثراء الدراسات العربية خلال القرن العشرين. وقبل الخوض في مكونات (غربة الراعي)، يتطرق المؤلف إلى ثراء الهوية الفلسطينية، التي وإن لم تنفِ التعددية في موروثها الثقافي، تؤكد وحدتها من حيث التميز والخصوصية، مستشهداً بتصريح الشاعر الفلسطيني محمود درويش الذي قال: «كل الشعوب تزوجت أمي.. وأمي لم تكن إلا أمي»، ثم يقول معقباً: «فالأم هنا هي الأرض الفلسطينية، والشعوب هم كل الغزاة الذين احتلوا أرض فلسطين! استطاعت الأم أن تستوعب أو تستقطب منهم كل الأشكال الحضارية والثقافية، وهم رحلوا وبقيت الأم محافظة على كينونتها وهويتها، دون أن تعلق بثقافة الآخرين، بل أكدت على تميزها وفرادتها من خلال مبدع هويتها.. الشعب الفلسطيني الذي يعود بجذوره الحضارية والثقافية إلى ما قبل الألف الثالث قبل الميلاد، وما زال قادراً على التواصل طالما بقي في الوجود إنسان فلسطيني». يحدد المؤلف في سيرة (غربة الراعي) مكونات تسعة شكّلت في رأيه إطاراً عريضاً للهوية الفلسطينية! أولاً: تظهر (ملامح المكان) أول ما تظهر على الأرض، ثم من عليها من سكّان ومساكن، لاسيما في مبادرة القرويين تشييد المدارس بدل انتظار الحكومة. ثانياً: تمثّل (العادات والتقاليد) مصدراً للاعتزاز، لاسيما سؤال «أنت من دار مين؟» الذي تُلحق إجابته بالقدر والمكانة وأصالة الجذور التاريخية، وقد تتغلغل بها بعض العصبيات الاجتماعية. ثالثاً: تزخر (الأكلات الشعبية) بنكهة خاصة في المطبخ الفلسطيني، فإلى جانب «المفتول والمنسف والمسخن والمقلوبة»، هنالك أطباق تصنع مع موسم حصاد القمح «أكوام من البرغل والشعيرية يصب عليه اللبن الرائب». رابعاً: تصطبغ (المواسم والأعياد) في كل قرية فلسطينية بطابع يميزها، فهنالك مواسم شعبية كموسم النبي صالح، وأعياد دينية كعيد الفطر، ومناسبات دينية كالمولد النبوي، وهي الاحتفالات التي كان يتقاطر فيها القرويون نحو الساحات يرقصون الدبكة، غير أن الأحزان ما لبثت أن طغت على أفراحهم شيئاً فشيئاً. خامساً: تنتشر (الأساطير والخرافات) بين الفلاحين بشكل أكبر، لاسيما مع قلة الوعي الذي قد يعود لانقطاع القرى عن وسائل الحياة الحديثة، ما جعلهم يخلقون عالمهم الخاص، وتحديداً مع القمر الذي ارتبط لديهم بالأسطورة والقدسية. سادساً: تشكّل (التسلية والألعاب الشعبية) لوناً آخر تناقلته الأجيال، حيث التحلّق حول «كانون» النار شتاءً والتسامر في حميمية، وحكايات الجدات الأسطورية عن الغيلان والأبطال، و»المقعد» الذي يترأسه «المختار» في الحي ويتجمّع لديه الكل يستمعون إلى «الحكواتي» أو يلعبون «السيجة والدريس». سابعاً: تمتد (الثقافة والموسيقى) في فلسطين كأرض ذات حضارة عربية متجّذرة ومنفتحة على ثقافات الآخرين، فمن الغناء الشعبي والآلات الموسيقية المصاحبة، إلى مقاهي الأدب وفنون السينما والمسرح، وغيرها من حركات ثقافية تتمثل في المجلات الوافدة والكتب المستعملة التي تباع عادة في الطرقات. ثامناً: وعن (ملامح من الحياة التعليمية)، لم يتمكن الإنجليز من ادعاء تنظيم التعليم في فلسطين، فقد فوجئوا زمن الانتداب بـ «شعب له مدارسه وعلمه وثقافته وماضيه المجيد»، وقد كان هناك نظام التعليم في القرية، والتعليم المدرسي في المدينة، إضافة إلى التعليم الجامعي ونظام الابتعاث. تاسعاً: تعكس (ملامح من التاريخ الفلسطيني) مرحلة ما قبل النكبة، لاسيما التي حفظتها الذاكرة وتناقلتها الألسن دون مدوّنات، وهي التي تؤكد على تواجد الجالية اليهودية في الثلاثينيات، والكنيسين داخل أسوار حيفا وحارة اليهود، وما دار فيها من أحداث مهمة كثورة الإضراب وتنظيم الكفاح وتحركات الجنود الإنجليز وسنوات الحرب العالمية الثانية. ختاماً أقول: لا تترسخ السيرة باعتبارها وحسب اعترافاً شخصياً، بل كوثيقة وعي لشعب، حافظ على هويته في مواجهة النسيان الذاتي والاقتلاع الحضاري.
123
| 19 فبراير 2026
..... نواصل الحديث حول كتاب « Three Worlds: Memoir of an Arab-Jew» لمؤلفه/ Avi Shlaim يتطرق المؤرخ إلى نظرة الازدراء التي وُجهت له كـ (مزراحيم) أو -عبرياً- كيهودي شرقي ينحدر من أصول عراقية، لا سيما في المدرسة بين أقرانه ومع معلمة يهودية من أصل ألماني ناصبته العداء، ما ولّد لديه شيئا من عقدة النقص، وجعل منه طالباً خجولًا يفتقر للثقة وللتحصيل الدراسي المطلوب، إضافة إلى عوائق اللغة العبرية والإنجليزية اللتين لم يتقنهما سريعاً في البداية، الأمر الذي دفع والدته -وهي تحمل الجنسية البريطانية- إلى استخدام المحسوبية -كما كانت تفعل بذكاء في العراق- وبما توفّر لدى العائلة من مال، إرساله إلى بريطانيا للدراسة حيث يعيش أخوها، وكان حينها قد بلغ سن الخامسة عشرة! وبعد أن يُسهب المؤرخ في الحديث عن شؤون دراسته وسكنه وتنقلاته ونفقاته وظروف حياته اليومية التي لم تكن بالهينة، يسترجع من ذاكرته عودته للالتحاق بالجيش «الإسرائيلي» واستيفاء الخدمة الإلزامية لمدة عامين، وقد بلغ الثامنة عشرة من عمره، وذلك قبل بدء دراسته الجامعية في كامبريدج، وهو الجيش الذي وجده كـ (بوتقة انصهار) استوعب جميع اليهود القادمين من أرجاء العالم، وذلك على النقيض مما خبره في المجتمع «الإسرائيلي» عندما كان صغيراً. وعلى الرغم من أن تجربة الخدمة العسكرية تلك قد ولّدت لديه شعورا وطنيا عارما تجاه «إسرائيل»، فقد شكلت حرب الأيام الستة -التي أراد المشاركة فيها طواعية- وضاعفت ثلاثاً من مساحة الأراضي الخاضعة تحت سيطرتها، متمثلة في الجولان وسيناء والضفة الغربية، نقطة تحوّل تاريخية عززت لديه رؤية «إسرائيل» كقوة استعمارية ضد العرب، فضلاً عن مزاعم أحقيتها التاريخية في أرض فلسطين! والمؤرخ وقد تم تصنيفه ضمن (المؤرخين الجدد) الذين برزوا في أواخر الثمانينيات، وتبنوا رؤية مغايرة للتاريخ اليهودي والحركة الصهيونية وأعادوا قراءة سرديتهما، وأثاروا من حولهم العداء، يفنّد الادعاءات التي تصف اليهود كقوة مستضعفة في ميزان القوى أمام الجحافل العربية زمن النكبة، وادعاءات هجرة الفلسطينيين الطوعية لأرضهم امتثالاً لأوامر قادتهم، ويدحض مزاعم (التعنت العربي) في مجريات مفاوضات السلام في حين يثبت تعنت الجانب «الإسرائيلي»، ويكشف عن التواطؤ البريطاني-الصهيوني في تقسيم فلسطين والذي امتدت اجتماعاته قبيل انتهاء الانتداب البريطاني، وعن عدم جدية العرب في خوض الحرب فضلاً عن مصالحها المتضاربة وأطماعها التوسعية الخاصة وشعارات القومية الرائجة آنذاك. لذا، يستقي المؤرخ من هذه الخبرات المعقدة عبر التاريخ البعيد-القريب، رؤيته الخاصة حول نشأة الصراع العربي- «الإسرائيلي» وتطوراته حتى اللحظة، لا سيما وقد اتخذ مع نكسة عام 1967 موقفاً مناهضاً لـ «إسرائيل» الذي تحوّل جيشها في نظره من قوة نظامية للدفاع عن النفس ضد خطر الجيوش العربية المحيطة والمهددة برميها في البحر، إلى سلطة احتلال قمعية تمارس التطهير العرقي ضد المواطنين الفلسطينيين، وتحمي أمنها الخاص وحسب، فضلاً عن خططها الاستعمارية منذ البداية، وقد تحوّل إلى ناقد جريء لسياساتها التي صيّرت حال الفلسطينيين المضطهدين واللاجئين والمهجرين منذ النكبة، كالمصير الذي آل إليه اليهود بعد محرقة الهولوكوست، مؤكداً على أن التمييز بين البشر ونزع الصفات الإنسانية حسب الدين أو اللون أو العرق أمر محظور تماماً، بل إن الجميع في رأيه يستحق الحياة في سلام وأمان وحرية! يقول في مذكراته: «من خلال تعمقي في تاريخ عائلتي في العراق، اكتسبت فهماً أعمق لطبيعة الصهيونية وتأثيرها العالمي. درست الحركة الصهيونية بعمق، ولكن بشكل رئيسي فيما يتعلق بتأثيرها على الفلسطينيين. كانت الصورة العامة حركة استعمار استيطاني سارعت بلا هوادة نحو هدفها المتمثل في بناء دولة يهودية في فلسطين، حتى لو انطوى ذلك على تهجير السكان الأصليين». وهو إذ يتخذ من ذكرى الماضي معيناً لتصوّر مستقبل أفضل في ظل تشابك الهويات ومحاولة الحفاظ عليها، لا يعتقد المؤرخ بأن ما كان من تعايش العرب واليهود أمراً متخيلاً لاح له ولعائلته، بل كان واقعاً معاشاً في بلده وفي بقية البلاد العربية، وهو يؤمن بقدرة الشعوب في التصرف على نحو أكثر عقلانية لا سيما وقد استنفدت جميع البدائل المتاحة، مؤكداً على أن تجاوز المأزق الحالي لن يتم دون إحياء روح التسامح الديني وإعادة تصوّر الحوار المتحضر بين اليهود والعرب الذي ساد في العراق قبل قيام دولة «إسرائيل»! وهو إذ يستشرف المستقبل محاولاً إيجاد آفاق لحلول عملية لإنهاء الصراع «الإسرائيلي»-الفلسطيني، يجد نفسه -رغم تشاؤمه نحو التقدم على المدى القصير- أكثر تفاؤلاً بشأن فرص التوصل إلى حل سلمي على المدى البعيد. أما الحل الذي ينادي به، هو حل الدولة الواحدة! فعلى الرغم من أنها فكرة لم تجذب ابتداءً سوى قلة من المثقفين، إلا أنها اكتسبت تدريجياً تأييداً واسعاً لا سيما من الجانب الفلسطيني الذي تلاشت لديه آمال الاستقلال التام وتحوّلت مساعيه نحو إرساء حقوق متساوية في ظل الوضع القائم، حيث يُصبح تأسيس دولة ديمقراطية واحدة، تتمتع بحقوق متساوية لجميع مواطنيها بغض النظر عن العرق أو الدين، هو أكثر الحلول عدلاً وواقعية!
666
| 30 يناير 2026
من خلال هذه السيرة التي يقطع فيها صاحبها مسيرة حياته بين ثلاثة عوالم متغايرة الثقافة، عربية وعبرية وأنجلوسكسونية، لا يجد القارئ من بد في أن يتعارك عقله المؤيد حق أصحاب الأرض، وقلبه الذي يتعاطف مع أقوام تم عدهم ضمن شعب كان بلا أرض فاحتل أرضاً زعم أنها بلا شعب! يكتب آڤي شلايم، المؤرخ البريطاني- الإسرائيلي، وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة أوكسفورد، مذكراته (Three Worlds: Memoir of an Arab-Jew) كـ (يهودي-عربي)، تنّقل بين ثلاثة عوالم: (بغداد) مسقط رأسه، حيث وُلد عام 1945 لأبوين عراقيين يهوديين، (رمات جان) مدينة إسرائيلية، حيث انتقل مرغماً وعائلته حين كان في الخامسة من عمره، (لندن)، حيث هاجر طواعية وتعلم وتزوج واستقر.. وقد أهدى مذكراته إلى النساء اللائي رافقنه في رحلته! بين هذه العوالم الثلاث، يقسم (آڤي أو آبي أو أڤراهام أو إبراهيم) سيرته إلى محطات، والتي قد تصاحبها ميزة استشعار ما كان من حاله وحال أهله وقومه ومآلهم جميعاً، بكلماته المباشرة، وهي تعكس بوجه أكبر ملامحه التي تماهت مع طبيعة كل مرحلة بتناقضاتها وتحولاتها وتحدياتها، تقطعها مجموعة صور من ألبوم العائلة، وتظهر كما يلي: (اليهود العرب، اختراع العراق، الجذور العراقية، قصة سعيدة، الصلة البريطانية، بغدادي، قنبلة بغداد، وداع بغداد، أرض الميعاد، تائه، لندن، الصحوات). تدور أحداث هذه المذكرات المركّبة في تعقيدات مشاعر أصحابها وظروفهم، خلال فترة حرجة من تاريخ الشعب اليهودي، حيث أعقبت جرائم الإبادة الجماعية النازية ضد يهود أوروبا في أربعينيات القرن الماضي، تهجير اليهود إلى أرض الميعاد في فلسطين ونشأة دولة إسرائيل، التي صاحبها بطبيعة الحال نشأة القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي، وتدخّل الجيوش العربية لتحرير الأرض المحتلة عن طريق الكفاح المسلح تحت دعاوى شرعية وشعارات قومية، الوضع المتأزم الذي تفاقم بشكل مطرد في العراق تحديداً إثر انتشار الدعاية النازية فيه وتنامي روح الكراهية ضد المواطنين اليهود، وأباح اضطهادهم على هيئة ملاحقات ومضايقات ومصادرة للأموال وللأعمال وللممتلكات مارستها الحكومة العراقية، فضلاً عن السماح لهم بالهجرة شرط التنازل عن هويتهم العراقية وعن حق العودة، إضافة إلى عدد من الاضطرابات التي تم إلحاقها بالمنظمات الصهيونية السرية، وصلت إلى حد افتعال أحداث عنف وتخريب وتفجير في أماكن تجمّع اليهود، كمذبحة بغداد الشهيرة (الفرهود) التي وقعت عام 1941 إبان الثورة ضد الهيمنة البريطانية، وتورط فيها من اشتبه بهم من الجانبين، الإسرائيلي والعربي- الإسلامي، ما دفع اليهود إلى النزوح الجماعي من العراق ومن الدول العربية الأخرى نحو دولة إسرائيل الوليدة، التي تطلّعت بدورها، من أجل تأسيس قوميتها، إلى استقطاب المزيد من اليهود، ومن ثم تفاقم التوترات بين رعايا طرفي الصراع: (الاستقلال الإسرائيلي) و(النكبة الفلسطينية)، بشكل مأساوي! يبث المؤرخ من خلال سيرته الكثير من اللمحات التي تعكس حياة والديه وعائلته وأجداده من قبل في وطنه العراق، التي لم تكن لتختلف عن طابع الحياة العام لكافة العراقيين آنذاك! فعلى الرغم من بعض الاضطرابات لا سيما السياسية التي عاصروها، إلا أن حياتهم في الأعم كانت تنعم بالسلام بل وبالرفاهية ورغد العيش، بل إن جدته كانت تطلق على بغداد (جنة الله)، وقد كانوا يرتبطون بعلاقات اجتماعية وثيقة مع أصدقائهم المسلمين، وهو ذاته التعايش السلمي الذي جمع بين عرب ويهود المنطقة العربية كافة آنذاك وزال بقيام دولة إسرائيل عام 1948، ما اضطر عائلة المؤرخ مع الكثير من العوائل اليهودية مغادرة أوطانهم واللجوء إلى دولة إسرائيل الجديدة، إما بصورة قانونية أو غير قانونية، كمصير محتَم، وهي الدولة التي لم يكن الوضع فيها أقل مأساوية وقد تعرضت طليعة النازحين فيها لتمييز يفرّق بين (الأشكناز) اليهود الغربيين المنحدرين من أصول جرمانية، و(السفارديم) اليهود الشرقيين الذين تفرّقوا في الشمال الأفريقي والآسيوي، كأساس لفصل عنصري لا يزال قائماً حتى اليوم! لذا، لا يتحرّج المؤرخ من اعتبار عائلته نموذج ضحية للحركة الصهيونية، وهو يصر على دحض مزاعم العداء التاريخي بين العرب واليهود المبرر بالضرورة لحتمية الصراع بينهما، حيث يقطع من جانبه بتاريخية التعايش السلمي بين الطرفين، لا سيما قبل الحرب العالمية الثانية، وهو التعايش المشترك الذي حلّه الصراع المدفوع في رأيه، بأيديولوجيات قومية، صهيونية وعربية، وهو من جانب آخر يشكك في رواية (معاداة السامية) التي يزعم مروجوها بتورط جميع الأنظمة العربية عبر التاريخ في ممارستها ضد اليهود، في حين يؤكد المؤرخ بأنها - والحال في بغداد - ليست سوى استيراد أجنبي أكثر منها منتج محلي، خلافاً لما كانت عليه أوروبا فعلياً آنذاك من سياسات معادية للسامية، ساهمت بشكل كبير في تشكيل الحركة الصهيونية.
261
| 23 يناير 2026
ومع مضي عام ألفين وخمسٍ وعشرين الذي غادر سريعاً كما حلّ، استحضر ما قرأته سابقاً عن الزمن الذي يمضي فتشيخ معه الأجساد بينما تبقى العقول شابة، وما قاله أبو الطيب المتنبي عن خير جليس في قصيدته الشهيرة: «أَعَزُّ مَكَانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سَابِحٍ، وَخَيْرُ جَلِيْسٍ في الزَّمانِ كِتابُ»، فإني أجد هذا العام يترسخ في ذاكرتي القرائية بوصفه غزيراً، حيث تَوّجته بقراءة مائة وخمسين كتابا تنوّعت بين مجالات معرفية شتّى. غير أن هذه الحصيلة لم تكن هدفاً عددياً بقدر ما كانت محصّلة رغبة واعية في توسيع المدارك، وبالطبع مع قراءة يومية رصينة دافعها الشغف لا الالتزام! لذا، لا اعتبر ما سيأتي بعد هذه المقدمة احتفاءً بالعدد، بقدر ما هو عرض لجانب مضيء من مسار قرائي، تشكّل كتاباً بعد كتاب. فمن ضمن قراءات شهر يناير، يأتي كتاب (A Message of Hope from the Angels) أو (رسالة أمل من الملائكة) يعرض تجربة روحية لمؤلفته الإيرلندية (لورنا بيرن)، كامرأة تنعم برفقة الملائكة منذ نعومة أظفارها، تحدّثهم ويرشدونها.. أما في شهر فبراير، فيبرز كتاب (تاريخ ويوتوبيا) لمؤلفه الفيلسوف الروماني (إميل سيوران) وهو يمزّق الإنسان الممزق أصلاً بين التاريخ والمثاليات والذي لم يقوّ بعد على حلّ قضاياه الأساسية، تلك الأشبه بعلاقته بالتاريخ الذي يحاذي أحلامه وكوابيسه، لكنه لم يتمكّن من تناوله بنضج فكري وخطابي وعملي.. ثم يعرض كتاب (أسباب للبقاء حياً) في شهر مارس، سيرة مؤلفه الإنجليزي (مات هيغ) كمكتئب لم يلعن ظلام تجربته، بل أشعل شمعة قادته بالتدرّج نحو التعافي التام.. في حين يهل ربيع أبريل وهو يحمل كتاب (Three Worlds: Memoir of an Arab-Jew) أو (ثلاثة عوالم: مذكرات يهودي-عربي) الذي يتضمن شهادة المؤرخ الإسرائيلي العربي الأصل (آڤي شلايم) في الحق الفلسطيني ضد الاستيطان الصهيوني، وذلك من خلال سيرته التي قطعها بين ثلاثة عوالم متغايرة الثقافة، عربية وعبرية وأنجلوسكسونية.. أما الكتاب الأبرز في شهر مايو، فهو (حياتي في الإعلام)، الذي عرض فيه مؤلفه الفلسطيني (عارف حجاوي) سيرته كإعلامي متوحش في موسوعيته، والذي حين أراد أن يتبسّط لمتابِعه الشغوف، أصدر كتاباً عدّه يسيراً في حين أنه لا يقل ثراءً عما يرويه شفاهةً.. ثم يطلّ في شهر يونيو كتاب (The kybalion) أو (الكيباليون) الذي يُنسب بغموض إلى (مبتدئين ثلاث) عاشوا في القرن التاسع عشر، وضمّنوه مبادئ سبعة عريقة تعرض الكون وخالقه من منظور متقدم ينهل من معين الفلسفة الهرمسية في اليونان ومصر القديمة.. يليه كتاب (زلزال فتح دمشق) في شهر يوليو -ولعله أموياً- والذي يعرض فيه مؤلفه السوري (د. أحمد زيدان) مشاهدات وكواليس وأحد عشر يوماً حاسمة تكفّلت بتحرير سوريا من طغمة جائرة أتت على البلاد والعباد قرابة نصف قرن من الزمان.. ثم وفي حرّ أغسطس، يتولى كتاب (سحر محمول: تاريخ الكتب وقرائها) دوره كساحر دون كتب السحر، حيث تنطلق مؤلفته الإنجليزية وأستاذة دراسات شكسبير (إيما سميث)، من خاطرة تعتبرها حقيقة وهي: تطابق كتب التعاويذ في قوتها وقدرتها على استحضار الشياطين إلى العالم المادي وطردها، مع الكتب عامة.. أما في شهر سبتمبر فيتصدّر الكتاب الجدلي (نقد نظرية النسخ: بحث في فقه مقاصد الشريعة)، الذي يعرض فيه مؤلفه المصري (د. جاسر عودة) قراءة جديدة في فقه النصوص الشرعية.. يتبعه في شهر أكتوبر كتاب (الطب الروحاني وعلم النفس الديني) لمؤلفه الجزائري (د. حشلافي حميد)، وهو كطبيب يؤسس لأنسنة الطب بين الوحي والعلم.. حتى يحين شهر نوفمبر بكتاب الفارابي (آراء أهل المدينة الفاضلة) الذي يرسم فيه بريشة فلسفية، ملامح مدينة، حَلِم بها العقل ذات يوم.. لينتهي العام مع برد ديسمبر بكتاب (War) الذي يُشعله، وقد أحدث ضجة مدوية عن حرب تعكسها عيون المنتصرين، حيث مؤلفه الصحفي الأمريكي الأبرز (بوب وودورد) وهو يكشف عن سيناريوهات عريضة لما دار خلف كواليس ثلاث ساحات ملتهبة، شكّلت المشهد العالمي المعاصر، وهي (الحرب الروسية-الأوكرانية، السباق المحموم على الرئاسة الأمريكية، الحرب الإسرائيلية على غزة)، وقد استند على شبكة علاقات ومقابلات مباشرة عقدها مؤلفه مع صنّاع القرار في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق... والحديث يطول والصفحات لا تتسع! ومع ختام العام، لم أجد حصاده في عدد الأيام التي عبرت، بل في عمق ما أُنجز خلاله، ولم يكن في حقيقته سباقاً مع الأرقام، بل مساراً متواصلًا من التراكم المعرفي وإعادة تشكيل الأسئلة وصقل الذائقة.. وكأنه عام قُرئ على مهل، حتى غدا الزمن نفسه مادة للفهم، وصارت القراءة فعل عيشٍ موازٍ لا هواية عابرة. وكما المقدمة، استحضر ختاماً ما قاله المفكّر المصري عباس محمود العقاد في الكتب التي لا تُقصي الحياة بل تضاعفها: «لا أحب الكتب لأنني زاهد في الحياة، ولكنى أحب الكتب لأن حياة واحدة لا تكفيني»، وبدوري أقول عن شغف القراءة الذي لا يعرف وقتاً: «أقرأ لأن الليل لا يكفيني.. ولأن النهار وحده لا يتّسع لكل هذا الشغف».
381
| 18 يناير 2026
.... نواصل الحديث حول كتاب «الجينوسايد أو جريمة الجرائم: مجريات محاكمة إسرائيل في لاهاي» من تقديم د. عزمي بشارة. إن هذا التوظيف السياسي للهولوكوست يُخفي الطابع الاستعماري لحرب الإبادة في غزة، والتي تُبنى على ثلاث ركائز ثقافية: عنصرية استعلائية تُنكر وجود الفلسطيني، ومنطق انتقامي يعاملهم ككتلة متخلفة يجب معاقبتها، وهوس أمني يبرر القتل الجماعي باسم الخطر الوجودي. عليه، تتحول النية إلى إبادة مقنّعة بشعارات الدفاع عن النفس، في ثقافة تمجّد العنف وتحوّله إلى طقس تطهيري. لا شك أن هذا المناخ قد خلق جنوداً يقتلون ببهجة، ويصورون جرائمهم كإنجازات يفخرون بها، بحيث تتجاوز الجريمة فعل القتل لتصبح -كما عدّه بعض الباحثين- بمثابة قتل للقانون نفسه. ومع استعراضه (عريضة دعوى جنوب أفريقيا التي تتهم إسرائيل بإبادة جماعية) في محكمة العدل الدولية، استناداً إلى اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948، يعدد د. بشارة جملة من التهم، تشمل قتل الفلسطينيين، وإلحاق الأذى الجسدي والنفسي بهم، وفرض ظروف معيشية تهدف إلى تصفيتهم، إضافة إلى الفشل في منع ومحاسبة هذه الأفعال، والتآمر والتحريض عليها. كذلك، تشير العريضة إلى استمرار السيطرة الإسرائيلية على غزة رغم الانسحاب، بما يشمل التحكم بالمعابر والبنية التحتية والمجال الجوي، وإلى استهداف المنازل والمستشفيات والمدارس والرموز الثقافية والقانونية الفلسطينية. وبينما تعتمد هذه الدعوى على تقارير خبراء الأمم المتحدة ومنظمات دولية وفلسطينية، وتستند إلى إحصاءات مأساوية عن القتلى والجرحى والمفقودين، فهي تلفت الانتباه لحقيقة هذه الأفعال، لا كمجرد عنف عسكري بل إبادة جماعية، وذلك لتوفر عنصر النية في الإبادة. أما (بشأن توافر النية للإبادة الجماعية في حالة الحرب على غزة)، فيشير د. بشارة إلى تلك الإنذارات المبكرة التي تنبأت بوقوع إبادة محتملة في غزة، كما في استقالة مسؤول أممي واصفاً الوضع بنمط يقترب من الإبادة. ولأن الاتفاقية تضع عبء إثبات النية حول الإبادة -وهو عنصر محوري صعب الإثبات- تلجأ الدول المعارضة عادة إلى التشكيك فيه، رغم أن الحالات السابقة تؤكد على أن الروايات الشفهية والرسائل الصوتية ومنشورات المسؤولين وتعليقات الجنود، قد شكّلت أدلة ظرفية قوية تم الاستدلال منها على القصد. ففي حالة غزة، جمعت الدعوى تصريحات رسمية متكررة عن قادة وسياسيين وعسكريين تدللّ على اعتبار كل الفلسطينيين هدفاً، وعلى تحويل القطاع إلى مكان لا يُطاق للعيش، فضلاً عن خطاب شعبي يروّج للعنف بلا هوادة. لذا اعتمد فريق الادعاء نهجاً استنتاجياً يستنبط النية من نمط الأقوال والأفعال، لا من إعلان لفظي صريح. وفي (حجج إسرائيل كما وردت في مرافعات ممثليها أمام المحكمة)، يستعرض د. بشارة المرافعات التي قدمها الطرفان والتي بدت كصور متقابلة! فقد اعتمدت جنوب أفريقيا على تصريحات إسرائيلية متراكمة تكفلت برسم نمط يربط الخطاب الرسمي والاستراتيجيات الميدانية بنية سابقة لإلحاق ضرر مصيري بقطاع غزة وسكانه، حيث طالبت بناءً عليه اتخاذ تدابير عاجلة. أما إسرائيل، فقد اعتبرت تلك الأضرار نتيجة حتمية لساحة قتال قد يتساقط فوقها ضحايا مدنيين، فضلاً عن وجود تنظيم مسلّح داخل أحياء غزة، وقد نفت وجود أي قصد للإبادة لدى قيادتها، وباعتبار أن ما تم رصده من أدلة لفظية يندرج في الغالب تحت إطناب ردود الأفعال أمام حدث صادم. من جانب آخر، وبينما ركّزت المرافعات الإسرائيلية على إثبات النية كمفتاح قانوني للقضية، فقد ارتأت جنوب أفريقيا أن تكرار التصريحات والتحريض الشعبي والمؤسسي، يعززان استخلاص النية من قرائن ظرفية. وفي حين رفضت إسرائيل كل التدابير الوقائية المطلوبة، واعتبرت بعضها تقييداً لحقها في الدفاع عن النفس، فقد حذّرت جنوب أفريقيا من الخطاب العدائي المتكرر الذي قد يمهّد لتنفيذ عمليات بالغة الفتك فيما بعد. يختتم د. بشارة مقدمته مع (قرار المحكمة)، والذي أوضحت فيه ابتداءً أن طلب جنوب أفريقيا لا يتطلب منها إعلانا فوريا للحكم النهائي، بل التحقق من معقولية ادعائها الذي يستدعي بالضرورة اتخاذ تدابير مؤقتة. لذا، أمرت المحكمة بتدابير عاجلة تُلزِم إسرائيل اتخاذ كل ما يلزم لمنع أفعال تدخل في تعريف الإبادة الجماعية وفق المادة الثانية من الاتفاقية، ووقف التحريض عليها، وضمان وصول الإغاثة، مع إلزامها بتقديم تقرير عن تنفيذها الحكم خلال شهر من إصداره. ورغم الأحكام الملزمة، واصل الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية وعرقلة المساعدات، ما دعا جنوب أفريقيا إحالة ملف القضية إلى مجلس الأمن، مطالبة بتفعيل آليات التنفيذ التي باتت رهناً بإرادة المجتمع الدولي وأدواته التنفيذية. ختاماً أقول: حين يُصبح القانون حبراً على ورق، والحقوق شعارات مجرّدة تصدح بها أبواق مأجورة، لا بد أن يفرض الضمير الجمعي الفعل! لا تتوقع العدالة رتلا من كلمات بل حماية مستدامة للمدنيين، ومحاسبة المتورطين، وفرض آليات فعّالة تردع الانتهاكات. عليه، وإن كان للمجتمع الدولي أن يختار الآن: إما حياد الأقوال أو قوة الحماية، فإن الاختيار لا بد أن يكون أخلاقياً وعملياً معاً، إذ لا يستحق شرف الدفاع عن القيم من يستبيح حرمة الإنسان، ولأن الذاكرة القانونية لا تُبنى بالمرارة بل بالإرادة، فإن الحاجة باتت ملّحة أمام الضمير العالمي لترجمة الشعور الأخلاقي إلى أداة قوة، قانونية وسياسية وعسكرية، تُنقذ ما يمكن إنقاذه الآن وقبل فوات الأوان.
354
| 01 يناير 2026
على شريط ساحلي قبالة بحر أبيض، وبتوقيت يكاد يتفق واللحظة، تُعاد كتابة التاريخ بدمٍ لا يزال يجري طوفانه! فهناك في غزة ومنذ عامين ونيف، تبدو جريمة الإبادة الجماعية ليست حدثاً عابراً، بل وصمة عار على جبين تاريخ إنساني يشفع له ذاكرة عصيّة على النسيان، كشاهد لا ينام! لقد كان الناجون من الهولوكوست شهودا على مأساة كبرى أبى أكثرهم اليوم إلا أن يصوغ لتاريخ جديد، مأساة أكبر قد لا تُضاهيها، ضحاياها ناجون آخرون من مأساة أخرى. غير أن توثيق اليوم لا يشبه تأريخ الأمس، فالجريمة لم تعد تُروى، بل تُرى وتُسمع وتُقرأ مع كل زفرة نفس حية، شاهدة على زمن ساء وجهه! وعن هذا المشهد، يصدر (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات) كتاب (الجينوسايد أو جريمة الجرائم: مجريات محاكمة إسرائيل في لاهاي)، الذي عكف على ترجمة مادته فريق متكامل من المركز، وقدّم له الأكاديمي والسياسي والمفكر الفلسطيني (د. عزمي بشارة)، وهو كتاب أخذ على عاتقه مهمة التوثيق مستنداً على «مداولات قانونية دولية». يضم الكتاب مجموعة وثائق متعلقة بالقضية التي رفعتها جمهورية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل في ديسمبر 2023 أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، وهي تستند إلى «اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في قطاع غزة»، وذلك في سياق العدوان الإسرائيلي على القطاع منذ أكتوبر 2023. حيث تتضمن قرائن إدانة إسرائيل ضد أعمال استهدفت بها الوجود الفلسطيني في غزة مادياً ومعيشياً، وعلى المستويين المدني والرسمي، كما تتضمن التقرير المرفوع إلى مجلس الأمن في مايو 2024، والذي يوثق بالأدلة نية إسرائيل تنفيذ الإبادة والتحريض عليها. وكهدف رئيسي، يسعى الكتاب إلى عرض تلك الأدلة الرسمية أمام الهيئات الحقوقية والرأي العام العربي، من منطلق التأكيد على أهمية التوثيق القانوني في كشف الجرائم الإسرائيلية الممارسة ضد الشعب الفلسطيني. وكالكتاب الذي يُقرأ من عنوانه، يأتي تقديم د. بشارة (الإبادة الجماعية: عن استخدام الخلاف على تسمية الجريمة في إنكار وقوعها)، بمثابة نص وافٍ مكتمل العناصر وغني بالدلالات، يقدّم للقارئ صورة شاملة عن جوهر القضية دون إخلال بعمقها أو بُعدها الإنساني، وهو يجمع خلاصة محتواه الوثائقي الغزير، ويكثّف ما تفرق فيه من شهادات وأدلة وتفاصيل قانونية أخرى. ففي حديثه ابتداءً عن (تاريخ تجريم الجينوسايد في القانون الدولي وطبيعة التهمة)، يوضح د. بشارة أن منظومة القانون الدولي لم تتبلور إلا في العصور الحديثة، وذلك حين بدأت الدول الأوروبية بوضع قواعد تنظم علاقاتها البينية بمنأى عن الإقرار بالمساواة الأخلاقية بين البشر، غير أنها لم تُقدِم على تعريف جريمة الإبادة الجماعية إلا في القرن العشرين، وذلك كنتاج لصدمة الحرب العالمية الثانية وما خلّفته من فظائع، لا سيما حين مَثل قادة نازيون أمام محكمة عسكرية دولية بتهمة شن حرب عدوانية على دول أوروبية ومواطنيها، و»كانت هذه إذاً جريمة الجرائم». ثم جاءت (اتفاقية 1948) كأول اعتراف أممي يعتبر إفناء جماعة بشرية -جزئياً أو كلياً- بمثابة جريمة ضد الإنسانية، في حين انبثق مفهوم (الجينوسايد) على يد القانوني البولندي اليهودي (رفائيل ليمكين)، حين رأى في مذابح الأرمن والآشوريين نموذجاً لتدمير الجماعات ثقافياً، لا مجرد سفك للدماء وحسب، وقد اعتبر أن استهداف هوية الجماعة وثقافتها شكل من أشكال القتل الرمزي للإنسانية ذاتها. ثم تبنّت الأمم المتحدة رؤيته وتحديداً بعد المحرقة النازية، حيث وضعت تعريفاً ضيقاً للجريمة يربطها بالنية المسبقة لإبادة جماعة قومية أو دينية أو إثنية. أما اليوم، ومع قضية غزة المرفوعة في محكمة العدل الدولية، فإن الخلاف على تعريف النية والمصالح الدولية الكبرى، باتا يعطلان جوهر العدالة، في حين تبقى القيمة الرمزية للمحاكمة -وإن افتقدت التنفيذ- عامل فضح للجريمة، وتثبيت للذاكرة في وجه التواطؤ والنسيان. لذا، وحين ينتقل د. بشارة إلى (إشكالية تحديد النية وإثبات وجودها)، يشير بوضوح إلى أن كلمة «الهدف» لم تُستخدم في صياغات الاتفاقية بقدر كلمة «القصد»، مؤكداً على أن هذا التفصيل لم يكن ترفاً لغوياً بقدر الدلالة على تعامل واضعي النص مع مفاهيم الجزاء الجنائي، حيث انصب الاهتمام على نقل الاتهام من فعل فردي إلى مشروع منظم يستهدف جماعة ما. أما من المنظور العملي، فإن إدراك الفاعل المسبق لنتيجة سلوكه من تدمير مادي أو بشري، يُعد مؤشراً على وجود القصد في التدمير، غير أنه في الحالات الدولية، قد يكون المُدعى عليه كيان دولة لا فرد، ما يضلل معالم المساءلة ويعقد إثبات القصد. وحين يدرج د. بشارة (ملاحظة عن الهولوكوست والأمن والدفاع عن النفس)، فهو يكشف عن الوقائع التي من خلالها احتكر الخطاب الإسرائيلي سردية الضحية، محولاً الهولوكوست إلى أداة سياسية تبرر الجرائم المرتكبة ضد الفلسطينيين وتجرم أي نقد باعتباره معاداة للسامية، وقد تبنت مؤسسات غربية هذا الانحياز وهي تسارع لإدانة عملية السابع من أكتوبر وربطها بالمحرقة، في حين تجاهلت كلياً الوضع القائم في غزة.
765
| 13 ديسمبر 2025
ليس بكاتب، إنما مقاوم فلسطيني حر، احترف تصويب رصاص بندقيته تجاه صدور بني صهيون، ولما حال القدر بينه وبينها، صوّب رصاص قلمه وكتب، ففعلت كلماته ما فعلت طلقاته من قبل! لا غرو إذاً أن تحيله محكمة «إسرائيلية» إلى سجونها في حكم مؤبد سبعا وستين مرة، ليقضي هناك خمسة آلاف ومائتي عام، بالتمام لا ينقص منها يوم! يأخذ كتاب (أمير الظل) طابع رسالة بثّها الأسير بشوق إلى ابنته الكبرى (تالا) وحمّلها الكثير من جوانب مثيرة في سيرته، وترجم مشاعره بمتفرقات من قصائد كتبها، في رد على رسالتها التي ضمّنتها تساؤلاً عن السبب الذي دفعه لتركها في سيارته وهي في الثالثة من عمرها، لحظة اعتقاله عام 2003! إنه (عبدالله البرغوثي 1972)، وُلد في الكويت لعائلة فلسطينية وعاش فيها، ثم انتقل وعائلته إلى الأردن حيث الجالية الفلسطينية العريضة بآلامها وآمالها، ثم غادر إلى كوريا الجنوبية لدراسة الهندسة الإلكترونية، فأتقن لغتها وتزوج إحدى بناتها، وتمرّس هناك على صناعة المواد المتفجرة والعبوات الناسفة، ساعده في ذلك اطّلاعه المكثف على برامجها، إضافة إلى اتقانه عمليات القرصنة الإلكترونية واختراق أنظمة وشبكات الاتصال. تمكن بعد عودته إلى الأردن من الانتقال إلى فلسطين بعقد عمل، وما لبث حتى التحق بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) كمناضل ذي خبرة في صناعة المتفجرات، وخلف مهندس المتفجرات الأسبق الشهيد (يحيى عيّاش)، كقيادي بارز في كتائب عز الدين القسام، فعكف على هندسة العمليات الاستشهادية، لا سيما في نطاق التجمعات اليهودية والمستوطنات، حتى تعرّض للاعتقال من قِبل جهاز الأمن الفلسطيني، واستهدفه جهاز الاستخبارات الإسرائيلي كمسؤول عن جرائم قتل ضد رعاياها! وتحسّب لهذا الاستهداف من الطرفين، حتى بات (أمير الظل) يتخفّى بهويات مزوّرة! وفي كمين محكم أُعد له في مارس عام 2003، وبينما كان ينقل طفلته بسيارته نحو احد المستشفيات، تم اعتقاله، وتعرض لتحقيق طويل لم يخلُ من تعذيب، وقضى بإثره في سجون الاحتلال منفرداً لمدة عشرة أعوام تعرّض فيها لأنكى صنوف التعذيب الجسدي والنفسي، حتى تم نقله إلى زنازين السجون الاعتيادية لا سيما بعد مواصلة إضرابه عن الطعام، وهو يقضي حتى اليوم فترة عقوبة تُعد الأطول في تاريخ السجون! وبينما لم تشمله صفقة تبادل الأسرى عام 2011، فهو يعكف في سجنه على الكتابة، عن روايته التي لم تنتهِ، وعن قضيته التي يؤمن بأنها تستحق كل ما قدم لها، وهو يؤمن «إيماناً قاطعاً بأن من يوجه عمله لله فلا غالب له». ومن خلال الرسالة التي خطها لابنته التي جاءت للحياة على يد طبيبة تُدعى (فلسطين)، تنتفض الحجارة في فلسطين بقبضة أبطالها بينما أمير الظل بعيد في كوريا، فيصبح حلقة وصل بين فلسطين المحتلة وبين والدته وعائلته الكبرى، وقد كانت الاتصالات مقطوعة بين فلسطين وكافة بلاد العرب، لينقل أخبار فقد الأقارب والأصدقاء! يقول في (الحبيبة والبنين): «فكان ذلك هو دافعي الذي حولني أول مرة من طفل إلى شاب مصمم على مقاومة الاحتلال». وفي مقاربة بين فلسطين التي تجري في دمه وكوريا التي درس وعمل وتزوج فيها، يتطرق إلى ما يُعرف بـ «قراءة الوجوه وتفسير تعابيرها»، فيقول: «هناك في كوريا الوجوه أكثر إخفاءً لما في القلوب، أما هنا في فلسطين فإن الوجوه مرآة للقلوب والعقول». يعود إلى عمّان، وبسبب أمور تتعلق بمسألة الانجاب، ينفصل عن زوجته الكورية وتغادر، ويقرر الاغتراب من جديد، وهذه المرة في إسبانيا، حيث يقيم ابن خاله، فتثور والدته الوديعة، وتتوعد! يعود ذات ليلة إلى منزله، فيُفاجئ بوالدته وقد حولته «إلى بيت فلسطيني أصيل، تملأ الجدران صور القدس وخرائط فلسطين الخشبية».. الخرائط التي صنعها بنفسها سابقاً، وقال عنها: «لم تكن جميلة ولكنها كانت فلسطينية أصيلة تصنع من خشب الزيتون ويصنعها عاشق لفلسطين ومحب للقدس». لم يكن هدفه العمل وجمع المال عندما دخل فلسطين كما أخبر ابنته في رسالته، فقد جمع منه أضعاف ما يكفي ليحيا حياة كريمة طيلة عمره، ولم يكن الحب والزواج دافعاً آخر، فقد أحب وتزوج. فيقول: «دخلت فلسطين لأني أقسمت بالله أن أعمل على تحريرها من المغتصبين الصهاينة ومن فاسدي سلطة أوسلو، كيف؟ لا أعلم». تحاصر دبابات المركافا قريته (بيت ريما) لهدف كان واضحاً بالنسبة له: القبض عليه. وبينما يتسلل هو وإحدى المجموعات القسامية عبر الطرق الملتفة للوصول إلى (القلعة) التي اتخذها من قبل وكراً، فقد كانت الدبابات أسرع في قصف القرية التي غصت بجثث القتلى وخلّفت مئات المصابين واعتقلت المزيد من الرجال! أخيراً، والأسير يختم سيرته منفرداً في زنزانته إلا من ربه وقرآنه، عازماً على المضي ولو بذل روحه في المقابل، مقراً أن الذنب -إن توقف عن المضي- فسيحمله جسده الذي أنهكه الشقاء، فإن هذه السيرة، لا بد وتلهم أحرار الأمة لا سيما الطليعة من الشباب والشابات لمواجهة العدو الذي وإن كان مدججاً بالسلاح مدعوماً بقوى الظلام، فيكفي الأحرار العزيمة والإيمان والوعد الحق.
669
| 03 ديسمبر 2025
كتاب قد يُصنّف ضمن علم اجتماع الفضائح، والذي يعرّي ما يعتمل في باطن إنسان العالم الثالث من قهر وكبت، وهو متوارٍ تحت أعراف وقوانين وشرائع، وألوان من قيود أخرى ما أنزل الله بها من سلطان. إنه الواقع لا محالة، فالمجتمعات الشرقية تعيش في استسلام شبه متناهٍ وهي ترزح تحت سطوة إقطاعية مستبدة تربّع على عرشها زمرة من طغاة تستفرد بالقضاء والقدر كدعاة شر، ويخضع الأفراد لجبروتها خانعين كأمة من المقهورين، قد أبلسوا من رحمتها، لا حول لهم في ذلك ولا قوة! بيد أن المعضلة لا تكمن في الغفلة عن تناول التخلف بالبحث والدراسة، ولا في تجاهل هذا الوجود الفريد لنمط إنساني له تفاعلاته العقلية والنفسية، بل في التأثير الفعّال للإنسان المتخلف ذاته، وذلك من خلال تعزيز هذه الصيرورة وترسيخ أركانها ومقاومة أي بادرة نحو التغيير، وفي إصراره المحافظة على توازنه النفسي الذي أصلّت له أساساً تنشئة اجتماعية يسودها التخلف، وتشترك فيها قوى طبيعية غيبية تبسط ممارساتها الاعتباطية عليه، وتشكّل الطابع العام لتركيبته النفسية، وقد أضافت له قهراً مضاعفاً. وبينما يعرّف الباحث كتابه (التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور) بأنه (مدخل)، فهو يظهر كمبحث متكامل يتعرّض فيه بموضوعية إلى تسع مسائل، تحدد المشكلة وتعرض الأعمال المقترحة، من خلال قسمين رئيسيين: (الأول: الملامح النفسية للوجود المتخلف)، وفيه يعرّف الباحث السيكولوجية المتخلّفة ضمن إطارها النظري، مع سرد الخصائص النفسية للتخلّف ووصف العقلية المتخلّفة والحياة اللاواعية التي تُعد إحدى سماتها. (الثاني: الأساليب الدفاعية)، وفيه يتعرّض إلى الأشكال المتعددة التي تتخذها، وتظهر أساساً في: الانكفاء على الذات، التماهي بالمتسلط، العنف ضد المرأة، السيطرة الخرافية على المصير. أما عنه، فهو د. مصطفى حجازي (2024:1936)، كاتب وأستاذ أكاديمي لبناني، حاصل على درجة الدكتوراة في علم النفس في جامعة ليون الفرنسية، وله العديد من الدراسات والأبحاث العلمية. على الرغم من تسليط الضوء على الفئة الأكثر قهراً في المجتمع المتخلف تحت سلّم السطوة والخضوع، يعتقد الباحث أن الفئة التي تبدو أكثر حظاً لا تخلو أيضاً من قهر، مع اختلاف درجة الحدّة. يقول: «فبينما يتماهى الفلاح بسيده ويشعر بالدونية تجاهه، نرى السيد يتماهى بدوره بالمستعمر أو الرأسمالي الأوروبي ويشعر بالدونية نفسها تجاهه». ثم يتطرق إلى التخلف العقلي، كحالة ضعف عقلية زائفة تتلبّس الإنسان المتخلف اجتماعياً! ففي حين يتشكّل هذا الضعف عموماً في هيئة مقاومة الفهم، يبدو اجتماعياً في هيئة رضوخ الإنسان المتخلف لأساطير قوى الطبيعة وسطوة أصحاب السلطة، فيبدو المتخلف دائم التردد أمام أمر ما خشية الفشل، أو قد يصرّح بعدم قدرته عليه قبل بذل أي محاولة تجاهه، بل قد يشطّ البعض ويصدر أحكاماً تعسفية على هذا الأمر متبجحاً بموهبته السريعة على الفهم. يقول الباحث: «يتذبذب الإنسان المتخلف ما بين الشعور الشديد بالعجز عن استيعاب العالم، وبين طغيان مشاعر السيطرة على الواقع من خلال الحذق (الفهلوة) الذي يعتدّ به الجمهور كوسيلة مفضّلة للفهم». ومن ملامح المجتمع المتخلف ما يطلق عليه الباحث بـ «التوتر الوجودي العام»، حيث الاستنفار النفسي العام لأي صراع محتمل! إذ ما يلبث اثنان أن يتحاورا حتى يختلفا في وجهات النظر، لتحلّ السباب وشتائم الأعراض محل الجدال الموضوعي، وحيث تطغى العاطفة الانفعالية على كل ملكات النقد والمنطق والعقلانية. يستزيد الباحث فيقول: «وأحياناً ينفذ التهديد باستخدام العضلات أو السلاح بسهولة مذهلة في فورة غضب. ذلك أن هناك إحساساً دفيناً بانعدام فعالية اللغة اللفظية وأسلوب الاقناع، فيتحول الأمر بسرعة إلى الحسم السحري (العضلي أو الناري) من خلال الإخضاع». من ناحية أخرى، يؤمن الإنسان المقهور بطغيان قوى خارقة للطبيعة تتلاعب في مصيره، كتلبّس الأرواح والجن والعفاريت، وتحكّمها في فرص الخطوبة والزواج والإنجاب، إضافة إلى إصابات العين القاتلة وطاقة الحسد وغيرها من شرور الماورائيات. لذا، يسعى هذا الإنسان جاهداً إلى اتخاذ ما يلزم من تدابير وطقوس تكفيه شرورها وتضمن له نوعاً من التحكم في مصيره، كالاستعانة بخدّام المقامات وتحضير جلسات الزار، وتخبئة المولود، وإخفاء الأثاث، والتكتم على حجم الثروة، وإفساد كل مظهر جميل! يخلص الباحث في هذا بقوله: «ليس هناك إذاً أكثر تضليلاً من إلقاء المسؤولية على الكائنات الخفية ثم البحث عن ذلك الحل من خلال مختلف ضروب الشعوذة». وبإسهاب، يصوّر المرأة كأفصح نموذج للتعبير عن الوجود الإنساني المتخلف كافة، لا سيما في عجزها ونقصها وتبعيتها ورجعية تفكيرها، والذي يظهر جلياً في تغلّب عاطفتها وإنكار ذاتها وإحلال الخرافة محل التفكير السليم، وهي تظهر عادة بين نقيضين: «أقصى الارتفاع: (الكائن الثمين) وأقصى حالات التبخيس: (المرأة القاصر)». أخيراً، إنه كتاب قد يواجه فيه البعض نفسه وقبل الجميع رزايا قهره وضعفه وخنوعه وتخلّفه بموروثه الاجتماعي المسموم، غير أن أشدهم بؤساً هو حقيقة ذلك المغبون الذي تجرّع السموم كعدل وحق مستحق، وما علم أنها فُرضت عليه قسراً وجوراً، فبات إنساناً مقهوراً من حيث لا يدري!
414
| 07 نوفمبر 2025
يحمل هذا الكتاب (الرومانسية الأوروبية بأقلام أعلامها) نصوصا نقدية مختارة، تعبّر بصدق عن (عصر الرومانسية الأوروبي)، أو بالأحرى، الحركة الفكرية والأدبية والفنية التي سادت أوروبا أواخر القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر، وهي الحركة التي عظّمت قيمة العاطفة الإنسانية، ومجّدت الطبيعة والخيال والإبداع وكل ما هو خارج عن المألوف، وذلك كردة فعل جريئة ضد (عصر التنوير) وما اصطبغ به من منطقية وعقلانية وعلم وفلسفة، وما أتت به الثورة الصناعية من تحولات علمية وتكنولوجية واقتصادية واجتماعية كبرى. بمعنى أكثر دقة وحسب ما جاء به الكتاب، فقد استهلت الرومانسية في أوروبا كأنفاس جديدة أعقبت عهد المنطق وصرامة العقل، لا تُعنى بالبرهان بقدر ما تصغي إلى نبض الوجدان، وقد تجلّت في ثلاثة تيارات متقاربة زماناً ومكاناً، تشترك في جوهرها وإن اختلفت ملامحها، ففي ألمانيا أواخر القرن الثامن عشر، ظهرت مدرسة الكتّاب التي ارتبط اسمها بالكاتب والشاعر والناقد (فريدريش شليغل)، لتثور على القوانين الجمالية الموروثة منذ زمن أرسطو، وتستبدلها بسلطان العاطفة والخيال، حتى غدت الرواية النثرية التعبير الأوفى عن روح العصر، تماماً كما كانت الملحمة لسان حال الكلاسيكية القديمة. أما في إنجلترا وفي العقد الأخير من القرن نفسه، فقد بزغت مدرسة الشعر والنقد بقيادة الشاعران (كولريدج) و(وردزورث)، فانتفضت بدورها على الأطر الأرسطوطالية، وسعت إلى تحرير الشعر من قيود القافية المكرورة، وفائض الزخرفة البلاغية، لتعيده إلى جوهره الذي يحاكي صدى النفس الإنسانية القلقة، ورَجْع القلب في مخاطبته للطبيعة والاستضاءة بها! غير أنه في فرنسا، وتحديداً في الفترة ما بين (1850:1820) فقد نضج اتجاه ثالث امتاز بشغف مفرط نحو (الأنا)، وبنزعة إلى التعبير عن شعور الحزن والوحدة، وما يثيره القلق من دوامة أسئلة وجودية لا تنتهي، ومن هذا المناخ، وُلد اهتمام متجدد بالآداب الجرمانية والإسكندنافية، واستمد الرومانسيون من الآداب الشعبية موارد إلهام حارة بديلة عن جمود كلاسيكيات الماضي. لذا، يسهب الكتاب في جزئه الأول وهو يتعلق بـ (مفهومات وتعريفات) للحديث في: الشعر الميتافيزيقي العالمي، وأدب الشمال، وشعر الخيال، والعمل الكلاسي مقابل الرومانسي، والشعر المتسامي على الواقع، بينما في جزئه الثاني (الفن الرومانسي: المبادئ الرئيسية)، يتحدث عن: وظيفة الفن، والخيال المبدع، ومظاهر الجمال، في حين يأتي في جزئه الثالث (الفن الرومانسي: الشكل والجنس الأدبي) ليتطرّق إلى: مزج الشكل، والمسرحية، والقصة، والشعر الغنائي....، وكل ذلك من خلال استشهاده بقائمة طويلة من أعلام الرومانسية، الذين انغمسوا فيها عبر القارة الأوروبية، أمثال: فكتور هوغو، مدام دي ستايل، صموئيل كولريدج، ألفونس دي لامارتين، إفريدريتش إشليغل، جون كيتس.......، وخاصة في الشعر كأسمى صور الفن، وقد عدّوا الرومانسية تعبيرا آخر عن الروح، وسبيلاً للارتقاء بالذات الإنسانية. ومع عمق المعنى الفلسفي للنصوص الواردة، الذي يعود إلى طبيعة الحركة الثقافية والفنية والفكرية المنبثقة عنها، تشير مؤلفة الكتاب النمساوية (لليان فرست 2009:1931) وأستاذة الأدب المقارن في جامعة نورث كارولينا في الولايات المتحدة الأمريكية، إلى ضرورة العناية بترجمتها وبدقة، وذلك كما تقول في مقدمتها: «نظراً للغة الاصطلاحية التي يؤثرها كثير من الرومانسيين، وهي لغة ابتكارية وخيالية ومجازية إلى حد كبير، ومعقدة غالباً أو مجزأة في بناء جملها، وذاتية الاستعمال أحياناً». وهكذا، يحرص مترجم الكتاب (د. عيسى علي العاكوب) على دقة المعاني، وهو أستاذ للبلاغة والنقد في جامعة حلب، وعضو مجمع اللغة العربية في دمشق، إضافة إلى أعماله الأخرى في الأدب والشعر والترجمة. ففي الحديث عن الأدب الرومانسي ككل، تقول المؤلفة في الجزء الأول: «إن الأدب الرومانسي هو الأدب الوحيد الذي ما يزال قادراً على أن يكون أدباً تاماً، لأن جذوره ضاربة في تربتنا، ولأنه الشكل الفني الوحيد الذي في مقدوره أن يزدهر ثانية، ذلك لأنه يعكس معتقدنا الديني، ويردد أصداء تاريخنا، وهو قديم لكنه ليس ضارب الجذور في التاريخ». ثم تورد في الجزء الثاني، رأي الشاعر الإنجليزي (بيرسي بيش شلّي) في روح الشعراء، حيث قال: «الشعراء هم الكهنة لوحي غير مفهوم، وهم المرايا للصور الضخمة التي يلقيها المستقبل على الحاضر، والكلمات التي تعبّر عما لا يفهمونه، والأبواق التي تستنفر للمعركة، ولا تُحس بما تُلهم. إنهم السائل الأثيري الذي يحرّك. الشعراء هم مشرّعو العالم غير المعترف بهم». أما الجزء الثالث، فتصوّر فيه تمرّد الشاعر والروائي الفرنسي (فيكتور هوغو) على التقليد، وهو يقول: «دعنا نمزق النظريات وفن الشعر والأنظمة إرباً إرباً. دعنا نمزق هذا القناع القديم الذي يغطي واجهة الفن! ليس ثمة قوانين ولا نماذج، أو على الأصح، ليس من ثمة قوانين غير القوانين العامة للطبيعة التي تحدد الوحدة الكاملة للفن والقوانين الخاصة بكل تأليف، تلك التي تنبثق من الظروف الملائمة لكل موضوع». ثم وهو يخصّ روح الشاعر من جديد بقوله: «على الشاعر -ودعنا نؤكد على هذه النقطة- أن يستمد النصح فقط من الطبيعة ومن الحقيقة ومن الإلهام الذي هو حقيقة وطبيعة أيضاً».
354
| 03 أكتوبر 2025
مساحة إعلانية
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال...
5556
| 30 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل...
2553
| 26 مارس 2026
يجب أن أبدأ مقالي هذا بالتأكيد على أن...
1539
| 31 مارس 2026
حين تتحول المتابعة إلى غاية لا وسيلة: في...
1233
| 31 مارس 2026
هناك تجارب لا تُختصر في العناوين، ولا تُفهم...
915
| 25 مارس 2026
يا له من بؤس ذلك الذي يقتاته أولئك...
876
| 31 مارس 2026
- شـهـــداء قطــر.. شرفــاً.. ومجــداً.. وفخــراً -صاحب السمو.....
840
| 30 مارس 2026
إن التصريحات الأخيرة لمعالي رئيس مجلس الوزراء وزير...
810
| 25 مارس 2026
كانت الأسطورة والقصة الخيالية، ولا تزال، ركيزة أساسية...
732
| 30 مارس 2026
«ما حكَّ جلدك مثلُ ظفرك.. فتولَّ أنت جميع...
702
| 29 مارس 2026
ها هيَ الحياةُ تعودُ إلى نَبضِها الأصيلِ، وتستأنفُ...
657
| 27 مارس 2026
ظلت دول الخليج لفترات طويلة عرضة لمخاطر إعاقة...
618
| 25 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل