رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تمثل الرقابة على أداء الأجهزة الحكومية المحور الأساسي لتقدم الدول، حيث تقوم هذه الرقابة على تطوير معايير لقياس الأثر الاقتصادي والتنموي لكفاءة الإنفاق الحكومي للمسارات الخمسة (الإنفاق الرأس مالي، والمشتريات الحكومية، وتمكين الجهات الحكومية، والتقنية والتحول الرقمي، والخطط التنموية الاستراتيجية لرؤية قطر 2030، وفق أفضل الممارسات العالمية، لذلك بادرت الدول المتقدمة بتشكيل هيئات ودواوين ومؤسسات لتقوم بهذا الدور بشكل مستقل مع منحها كامل الصلاحيات القانونية للتفتيش والضبط لأي تجاوزات قد تؤدي الى حدوث اي خلل إداري يزيد من الانفاق الحكومي او يمهد لأي عملية فساد من ذوي النفوس الضعيفة.
هيئة الرقابة الإدارية والشفافية
تفخر دولة قطر بما تحققه من إنجازات في مجالات تعزیز النزاهة والشفافیة والوقایة من الفساد، بفضل رؤیة قیادتنا الحكیمة لإعلاء قیم النزاهة والشفافیة، وجعلها أولویة سیاسات دولة قطر الوطنیة والدولیة، وأیضا بفضل القیم الرصینة لمجتمعنا العریق، مما جعل دولة قطر تتبوأ مكانة رفیعة ضمن أفضل دول العالم في معاییر الشفافیة والنزاهة، وهو ما تؤکده المؤشرات الدولیة ذات الصلة، هذا هو المفهوم العام الذي قامت عليه هيئة الرقابة الادارية والشفافية بدولتنا الحبيبة، ونتطلع ان تقوم هذه الهيئة بتطوير أجهزتها الرقابية وخاصة ان قطر مقبلة على ممارسة سلطة تشريعية منتخبة جديدة (مجلس الشورى) سوف تقوم بمهامها الرقابية من خلال أعمال هذه الهيئة التي ستكون حاضرة على الدوام في كل ما يدخل في اختصاصات مجلس الشورى المنتخب من قبل الشعب القطري.
الرقابة المالية
تعتمد الرقابة المالية الفعالة في اعداد استراتيجية متكاملة لجميع أعمال الأجهزة الرقابية في الدولة لربط الأولويات بالأهداف الاستراتيجية، وتشتمل كذلك على تحديد الفجوات الآنية في كفاءة الإنفاق الحكومي، والشراء الموحد، ووضع مبادرات ومشاريع ومستهدفات ومؤشرات أداء تفصيلية، لسد هذه الفجوات خلال مدى زمني محدد مراقب من السلطات التشريعية والتنفيذية، وتحديد دور كل جهة على حدة خاصة الهيئة الرقابية ووزارة المالية وديوان المحاسبة للمحتوى المحلي والمشتريات الحكومية في الجانب التنفيذي.
الرقابة الإدارية
الرقابة المالية تحتل أهمية كبيرة في العملية الإدارية وتعد من أهم ركائز هذه العملية، ولا بد من تنظيم عملية الرقابة بشكل يجعل منها أداة فاعلة في تطوير وتوجيه النشاط الإداري بكياناته المختلفة. ومن المعلوم أن الأجهزة الحكومية تهدف من وراء إنشائها إلى تقديم الخدمات للمواطنين، ويأتي دور الأجهزة الرقابية لضمان تقديم هذه الخدمات بأسرع وقت وبأقل جهد وتكلفة ممكنة وبالشكل المطلوب قانوناً، كما إن وجود أنظمة ذات كفاءة وفعالة للرقابة الادارية في أية جهة يعتبر من الأمور الهامة في نجاح تلك الجهة في تحقيق أهدافها، نظرا لما تشكله أنظمة الرقابة المالية والادارية في متابعة أعمال تنفيذ الخطط والسياسات الموضوعة بقصد التعرف على الانحرافات الادارية والمالية ومعالجتها في الوقت المناسب للمحافظة على المال العام من عمليات الاختلاس أو الضياع أو سوء الاستعمال، ولا تقل عن أهمية الرقابة في الجوانب الوظيفية الأخرى داخل أي وزارة أو منشأة ولا يكتفى بالرقابة على كمية وجودة الإنتاج والشراء والتخزين وعلى الأفراد والتسويق ما لم يكن هناك أيضًا نشاط رقابي فاعل يَحكُم التصرفات المالية لضمان سير الأمور كما يجب ولغاية الوصول إلى تحقيق أهداف الجهة المعنية.
الرقابة في الإسلام
اتجهت الدول اليوم إلى تأسيس دواوين وهيئات للرقابة المالية والإدارية على أجهزة الدولة بشكل عام لكن الإسلام سبق كل الأنظمة الحديثة في ذلك، فمفهوم الرقابة في الإسلام كان واردا في الآيات القرآنية الكريمة أو الأحاديث النبوية الشريفة أو سيرة الخلفاء الراشدين والأمراء المسلمين، فمن الناحية القانونية كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو المشرع الأول لتعاليم الديانة الإسلامية اعتمادا على ما ينزل عليه من آيات كريمة من عند الله سبحانه وتعالى، إضافة إلى ما يحدث به من قول أو يقوم به من فعل يمثل سنة يجب على المسلمين أن يقتدوا بها ويعملوا وفقا لها، إضافة لكونه القاضي الأول الذي يحكم بأمر الله ووحيه، ومن بعده كان الخلفاء الراشدون وباقي الخلفاء المسلمين، يعتبر عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضى الله عنه عهد التطور الإداري والمالي في الدولة الإسلامية، فقد شهدت الإدارة نقلة حضارية نوعية في عهده، فعمر رضى الله عنه أول من عرف مبدأ الفصل بين السلطات، وذلك قبل أن تنادي به المدارس الإدارية والمالية الحديثة، ويبين اهتمامه بهذا الجانب في الخطبة التي وجهها للمسلمين حيث قال: "من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أبي بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله قد جعلني خازناً وقاسماً".
ومن النواحي الاقتصادية والمحاسبية والإدارية كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو المحتسب الذي يطوف الأسواق ليطلع على أحوالها، وكذلك كان الخلفاء الراشدون وباقي الخلفاء المسلمين من بعده فإذا ما شغلوا عنها بإدارة شؤون الأمة وتجهيز الجيوش أسندوها إلى من يثقون به من المسلمين، إضافة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعده الخلفاء الراشدين والأمراء المسلمين من بعدهم كل يقوم بنفسه باستيفاء الحساب على العمال المحصلين فيما بينهم على المستخرج من الإيرادات ونفقات جباتها، ويوضع في بيت المال صافي القيمة المحصلة لتوزيعها على المستحقين. ويلاحظ من خلال ما تقدم أن الجهاز المستقل الوارد في المفهوم الحديث الذي أوردناه للرقابة المالية والادارية كان موجودا أصلا من خلال المحتسب الذي كانت وظيفته تتمثل بـ"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا العمل يقوم به من نصبه الإمام لذلك، عملا بقوله تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) حيث إن المعروف تعبير يشمل ما أمر الله به من اتجاهات سلوكية، وقد أعتبر البعض لفظ (أمه) الواردة في الآية السابقة ينطبق على أجهزة الدولة، فهي المناط بها الدعوة إلى الخير، لذلك نستطيع القول إن الدولة الاسلامية سبقت الأنظمة الحديثة في الدول العظمى اليوم، فقد أرست معاني الرقابة المالية والفصل بين السلطات والشفافية والعدل والإنصاف قبل أكثر من ألف واربعمائة عام.
كسرة أخيرة
هناك الكثير من الانظمة التي تضعها الدول لمراقبة اجهزتها الحكومية وقد يفشل البعض منها لوجود خلل اداري او فني، ولكن هناك جهاز رقابي لا يعرف الفشل الا وهو الضمير الانساني ومحاسبة النفس بالنفس، ولو كل واحد منا اخلص في عمله وادى واجبه بضمير لن تحتاج الدولة الى دفع تكاليف طائلة في انشاء أجهزة الرقابة، ولنعي دايما ان الله ورسوله يرون أعمالنا فيجب ان نحسنها خوفاً من عقاب الله وطمعاً في نيل الحسنات والثواب من عنده تعالى. (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) سورة التوبة الآية 105.
Falghazal33@gmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5922
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5772
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1764
| 13 مايو 2026