رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فاطمة بنت يوسف الغزال

  Falghazal33@gmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

276

فاطمة بنت يوسف الغزال

الشباب والإدمان.. معركة الوعي في زمن الانفتاح

08 أبريل 2026 , 05:43ص

لم يعد الإدمان مجرد صورة تقليدية ترتبط بالمخدرات فقط، بل أصبح ظاهرة متعددة الأوجه تتسلل بهدوء إلى حياة الشباب عبر منافذ مختلفة؛ من الشاشات الصغيرة، إلى فنجان القهوة، وصولًا إلى عوالم افتراضية تُغري وتستهلك الوقت والوعي معًا، وفي خضم هذا التحول، يبرز الشباب كأكثر الفئات عرضة لهذا الخطر، ليس لضعف فيهم، بل لأنهم يعيشون مرحلة عمرية دقيقة، تتقاطع فيها التغيرات النفسية والعقلية والاجتماعية، فتجعلهم أكثر قابلية للتأثر والتجربة.

الشباب في مرحلة بناء، لا في مرحلة استقرار، الدماغ لا يزال في طور النمو، خاصة المناطق المسؤولة عن اتخاذ القرار وضبط السلوك، مما يجعل الاندفاع والتجربة سمة بارزة، يُضاف إلى ذلك فضول طبيعي، ورغبة في إثبات الذات، والبحث عن الانتماء. فإذا غاب التوجيه، أو ضعفت البيئة الحاضنة، قد يتحول هذا البحث إلى طرق مختصرة وخاطئة، يكون الإدمان أحد أبرزها، كما أن ضغط الأصدقاء، وسهولة الوصول إلى كل ما هو مغرٍ عبر الإنترنت، يعززان من احتمالية الانزلاق، خاصة في ظل ضعف الخبرة الحياتية لدى بعض الشباب.

كثير من حالات الإدمان لا تبدأ بحثًا عن المتعة، بل هروبًا من ألم، قلق، اكتئاب، فراغ، أو حتى شعور بعدم التقدير، وهنا تكمن الخطورة؛ إذ يتحول الإدمان إلى «حل مؤقت» لمشكلة عميقة، لكنه في الحقيقة يفاقمها ويعقّدها، حتى يصبح الشاب أسير دائرة مغلقة يصعب الخروج منها.

والحماية لا تكون بالمنع فقط، بل بالفهم والاحتواء، أولًا: بناء الوعي المبكر وذلك بتعليم الأبناء منذ الصغر معنى الإدمان، وأشكاله، وخطورته، بطريقة واقعية بعيدة عن التخويف المبالغ فيه، ثانيًا: ملء الفراغ بما ينفع، فالشباب طاقة، وإن لم تُستثمر في العلم، والرياضة، والعمل، والأنشطة المفيدة، تحولت إلى عبء عليه وعلى مجتمعه، ثالثًا: تعزيز الثقة والحوار مع الشاب الذي يجد من يسمعه ويفهمه، رابعًا: القدوة الصالحة، فإن سلوك الكبار ينعكس مباشرة على الأبناء؛ فلا يمكن محاربة الإدمان في بيئة تمارسه بشكل غير مباشر.

والأسرة ليست مجرد مأوى، بل هي الحصن الحقيقي، المطلوب ليس الرقابة الصارمة فقط، بل المرافقة الواعية: متابعة دون تضييق، وتوجيه دون قسوة، واحتواء دون إهمال، على الأسرة أن تلاحظ التغيرات السلوكية، وأن تبادر بالحوار، وأن تزرع القيم الدينية والأخلاقية التي تعزز ضبط النفس وتحمل المسؤولية.

الإدمان ليس مشكلة فرد، بل قضية مجتمع، المدرسة، المسجد، الإعلام، والأندية… جميعها أدوات تأثير يجب أن تتكامل لنشر الوعي، وخلق بيئة صحية جاذبة للشباب، كما أن توفير البدائل الآمنة — من أنشطة ثقافية ورياضية وتطوعية — يساهم بشكل كبير في تقليل فرص الانحراف.

في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، تمتلك المؤسسات دورًا محوريًا: المؤسسات التعليمية لديها دور في غرس القيم، وتقديم برامج توعوية واقعية، المؤسسات الصحية دورها في توفير دعم نفسي مبكر وسهل الوصول، الجهات التشريعية التي يتمثل دورها في ضبط الممارسات الضارة، والحد من انتشارها، الإعلام كذلك له دور كبير في توجيه الرسائل الإيجابية بدل الترويج غير المباشر للسلوكيات السلبية.

ما يميز مجتمعاتنا ليس فقط الروابط الاجتماعية، بل العمق القيمي والديني، الإسلام لم يترك النفس دون توجيه، بل دعا إلى تهذيبها وضبطها، واستثمار الطاقات فيما ينفع، وهذا البعد الإيماني يشكل حاجزًا داخليًا قويًا، إذا أُحسن غرسه، فإنه يحمي الشباب حتى في غياب الرقابة.

كسرة أخيرة

حماية الشباب من الإدمان ليست مهمة جهة واحدة، بل مسؤولية تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى المجتمع، وتتكامل مع المؤسسات.

وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي، هل نُعد أبناءنا لمواجهة الحياة… أم نتركهم يواجهونها وحدهم؟

اللهم احفظ شبابنا، واهدهم، واصرف عنهم كل سوء، واجعلهم قوةً لأوطانهم لا عبئًا عليها.

مساحة إعلانية