رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبد اللطيف نجم

مساحة إعلانية

مقالات

969

عبد اللطيف نجم

التطعيم الأول.. النموذج العملي لمناعة الأجيال الرقمية

28 يوليو 2026 , 11:20م

تعمدت في المقال السابق ألا أجيب مباشرة عن السؤال الذي انتهينا عنده وقتها: كيف يمكن ترجمة الدروس التي قدمتها فنلندا وسنغافورة وتايوان، لا كنسخة مستوردة؛ إذ إن للنماذج الثلاثة ما لها وما عليها، بل كنموذج ينبع من واقعنا واحتياجاتنا الخاصة؟

ولعل واحدة من المسائل التي يجب أن نتفق عليها أولاً، أننا لسنا مطالبين من حيث المبدأ باستنساخ أي من هذه التجارب بكامل تفاصيلها؛ ذلك لأن الحكمة تقتضي الأخذ بما هو أكثر قابلية للتطبيق الفوري.

والصحيح أن نموذجا كاملا، مهما بلغت جودته في بيئته الأصلية، يصطدم غالباً بواقع مختلف، فمثلاً: تشكّل منهج فنلندا التراكمي عبر عقود من التراكم الثقافي الذي لا يمكن استحضاره بقرار واحد، بينما تتمتع سنغافورة ببنية مؤسسية منسقة وجهوزية إدارية، ربما لا تمتلك منظومتنا ما يماثلها لهذا الملف تحديدًا، حتى التجربة التايوانية ورغم واقعيتها الأقرب لسياقنا، فقد وُلدت من ضغط أزمة وطنية حادة وقتها.

وفي سياق ذي صلة؛ فإن بعض هذه التجارب لم يسلم من انتقادات حقيقية وجادة، فعلى سبيل المثال: اعتبرت منظمات دولية معنية بحرية الإعلام، أن الإطار القانوني المصاحب لجهود محو الأمية في سنغافورة منح الحكومة سلطة واسعة في تحديد ما هو "صحيح" بنفسها، وهو ما يفتح الباب أمام استخدام خطاب التوعية أداةً للرقابة، لا للتمكين المعرفي وحده.

ولعل هذا تحديداً ما يرجّح كفة النموذج المحلي الهجين على أي نموذج آخر مستورد، بأن نستلهم من الفكرة الناجحة، دون أن نستورد معها إشكالياتها غير المرتبطة بجوهرها، وبهذا نخلق نموذجاً أخف وزناً وأسرع تطبيقاً، يستلهم الجوهر لا التفاصيل الحرفية.

إذاً نحن نتحدث عما يمكن أن نطلق عليه "نموذج الخطوة الصفرية"، ذلك أنه نموذج يسبق أي قرار مؤسسي كبير ويمهّد له دون أن ينتظره، أو "المناعة بحدها الأدنى"؛ كونه لا يتطلب منظومة متكاملة دفعة واحدة، بل جرعة صغيرة تكفي لتحريك الجهاز المناعي من الداخل، وربما يكون التوصيف الأقرب لجوهره، أن نسميه ببساطة "التطعيم الأول"، استعادة لصورة الطبيب إدوارد جينر التي افتتحنا بها سلسلة المقالات هذه؛ فاللقاح لم يكن يوماً جرعة كاملة تقي من المرض، بل قطرة صغيرة تكفي لإيقاظ المناعة من تلقاء نفسها، فهو مصطلح أعمق من مجرد تسمية عابرة.

وقبل أن نفصّل ملامح هذا النموذج الهجين، دعونا نستعيد سريعاً الملمح الأهم في كل تجربة من التجارب الثلاث، فمن فنلندا، عرفنا أن قيمة التكرار اليومي البسيط يفوق في قيمته أحياناً مادة دراسية ضخمة تُدرّس لمرة واحدة. ومن سنغافورة، رأينا كيف أن التنسيق وإن كان بأبسط أشكاله، يجنّب المنظومة ازدواجية الجهود المبعثرة. بينما تعلمنا من تايوان كيف نحول الطالب من متلقٍ إلى مدقق فعّال، وهو الهدف النهائي الذي يستحق كل هذا العناء. إذاً، من رحم هذه الدروس الثلاثة المكثفة، يتشكّل التطعيم الأول دون الحاجة لميزانية جديدة، أو هياكل إدارية إضافية، بقدر الحاجة إلى إعادة توجيه بسيطة لما هو قائم أصلاً.

تكمن الخطوة الأولى فيما يمكن أن نسميه "الدقيقة النقدية"، وذلك باستثمار خمس دقائق فقط من بداية أي حصة مدرجة في الجدول أصلاً، ولمرة واحدة أسبوعياً، يعرض خلالها المعلم صورة أو منشوراً أو مقطعاً واحداً، ويطرح سؤالاً ثابتاً لا يتغير أبداً: من صنع هذا؟ ولماذا وصلني أنا على وجه التحديد؟ ولماذا الآن؟ ولنتنبّه إلى أنه لا إجابة صحيحة بعينها ننشدها هنا، فالهدف يكمن في تكوين رد فعل ذهني تلقائي، لا الوصول لحكم نهائي.

أما الخطوة الثانية وهي "نقطة الاتصال"، فتقوم على تكليف معلم واحد في كل مدرسة، بجمع ملاحظات زملائه الشهرية حول تجربة الدقيقة النقدية: أي الأمثلة أثارت نقاشاً أو جدلاً حقيقياً لدى الطلاب؟ وأيها مرّ مرور الكرام؟ ثم ترفع هذه الملاحظات إلى الموجّه التربوي في المنطقة التعليمية، لتتحول تدريجياً إلى بنك تراكمي من التجارب الفعلية، وتصبح لاحقاً المادة الخام لأي دليل تدريبي رسمي أوسع.

وتكمن الخطوة الثالثة "الشاهد الرقمي"، في إعادة تعريف معنى "العمل الجيد" في أي مشروع أو عرض تقديمي يقدمه الطالب، وفي أي مادة دراسية لا في مادة بعينها: هل يذكر مصدر المعلومة أو الصورة التي استخدمها؟ وهل يعلّق بجملة واحدة على مدى موثوقية هذا المصدر؟.

لا ورقة عمل إضافية هنا، لا تكاليف جديدة فوق طاقة الطالب، وإنّما تعديل طفيف حول معايير تقييم قائمة أصلاً، من شأنها أن تحول التحقق من المصدر إلى جزء لا يتجزأ من معنى الإتقان في ذهن الطالب.

والمتأمل في هذه الخطوات الثلاث يدرك أنها تكاملية من حيث البناء، تراتبية من حيث التنفيذ، لا تعمل بمعزل بعضها عن بعض، بل تدور ثلاثتها في حلقة واحدة متصلة: فـ"الدقيقة النقدية" تُنتج المادة الخام من تجارب الفصل الحية، بينما تجمع "نقطة الاتصال" المادة وتنظمها وترفعها، في حين يحول "الشاهد الرقمي" ما تراكم منها إلى معيار تقييم دائم يرسّخ العادة ولا يكتفي بمجرد تذكيرها.

وهذا بالضبط ما يجعل من "التطعيم الأول" نموذجاً واحداً متكاملاً، لا ثلاث مبادرات متفرقة يسهل أن يذبل أحدها بمعزل عن الآخرين. وكما أن الجهاز المناعي الحقيقي لا يعتمد على خط دفاع واحد، بل على منظومة متكاملة من الخطوط المتعاضدة، فإن مناعتنا الرقمية المعرفية لن تُبنى بخطوة واحدة معزولة، بل بجرعات صغيرة تتغذى كل واحدة منها على الأخرى.

ويبقى سؤال أخير، ربما يكون الأهم بين كل ما طُرح حتى الآن، فبعيداً عن أي قرارات أو ميزانيات معلنة، من هو الشخص الذي يملك تنفيذ هذه الخطوات الثلاث فعلياً على أرض الواقع، وبحماسه الشخصي وجهده اليومي فقط. في المقال القادم من هذه السلسلة، سأجيب عن هذا التساؤل، والذي لن يكون المنهج، أو التقنية، ولا حتى المؤسسة نفسها، بل شخص واحد ظل لسنوات طويلة خط الدفاع الأول والأخير دون أن يُلتفت إليه بالقدر الكافي.

اقرأ المزيد

الأب.. ظِلٌّ لا يميل الأب.. ظِلٌّ لا يميل

هناك كلمة إذا نُطقت، اعتدل لها القلب قبل اللسان، وارتجف لها الوجدان قبل أن يفهمها العقل. كلمةٌ تحمل... اقرأ المزيد

618

| 31 يوليو 2026

أدب الحوار ونهي الشريعة عن صخب الصوت أدب الحوار ونهي الشريعة عن صخب الصوت

وهم علو النبرة يُخطئ من يظن أن ارتفاع الصوت أثناء الحوار هو وسيلة لإثبات الحجة أو أداة فعالة... اقرأ المزيد

273

| 31 يوليو 2026

حصص التربية الرياضية بالأندية حصص التربية الرياضية بالأندية

الرياضة محور أساسي من محاور العملية التعليمية، يقول تعالى في سورة البقرة آية 247 (قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ... اقرأ المزيد

144

| 30 يوليو 2026

مساحة إعلانية