رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعمدت في المقال السابق ألا أجيب مباشرة عن السؤال الذي انتهينا عنده وقتها: كيف يمكن ترجمة الدروس التي قدمتها فنلندا وسنغافورة وتايوان، لا كنسخة مستوردة؛ إذ إن للنماذج الثلاثة ما لها وما عليها، بل كنموذج ينبع من واقعنا واحتياجاتنا الخاصة؟
ولعل واحدة من المسائل التي يجب أن نتفق عليها أولاً، أننا لسنا مطالبين من حيث المبدأ باستنساخ أي من هذه التجارب بكامل تفاصيلها؛ ذلك لأن الحكمة تقتضي الأخذ بما هو أكثر قابلية للتطبيق الفوري.
والصحيح أن نموذجا كاملا، مهما بلغت جودته في بيئته الأصلية، يصطدم غالباً بواقع مختلف، فمثلاً: تشكّل منهج فنلندا التراكمي عبر عقود من التراكم الثقافي الذي لا يمكن استحضاره بقرار واحد، بينما تتمتع سنغافورة ببنية مؤسسية منسقة وجهوزية إدارية، ربما لا تمتلك منظومتنا ما يماثلها لهذا الملف تحديدًا، حتى التجربة التايوانية ورغم واقعيتها الأقرب لسياقنا، فقد وُلدت من ضغط أزمة وطنية حادة وقتها.
وفي سياق ذي صلة؛ فإن بعض هذه التجارب لم يسلم من انتقادات حقيقية وجادة، فعلى سبيل المثال: اعتبرت منظمات دولية معنية بحرية الإعلام، أن الإطار القانوني المصاحب لجهود محو الأمية في سنغافورة منح الحكومة سلطة واسعة في تحديد ما هو "صحيح" بنفسها، وهو ما يفتح الباب أمام استخدام خطاب التوعية أداةً للرقابة، لا للتمكين المعرفي وحده.
ولعل هذا تحديداً ما يرجّح كفة النموذج المحلي الهجين على أي نموذج آخر مستورد، بأن نستلهم من الفكرة الناجحة، دون أن نستورد معها إشكالياتها غير المرتبطة بجوهرها، وبهذا نخلق نموذجاً أخف وزناً وأسرع تطبيقاً، يستلهم الجوهر لا التفاصيل الحرفية.
إذاً نحن نتحدث عما يمكن أن نطلق عليه "نموذج الخطوة الصفرية"، ذلك أنه نموذج يسبق أي قرار مؤسسي كبير ويمهّد له دون أن ينتظره، أو "المناعة بحدها الأدنى"؛ كونه لا يتطلب منظومة متكاملة دفعة واحدة، بل جرعة صغيرة تكفي لتحريك الجهاز المناعي من الداخل، وربما يكون التوصيف الأقرب لجوهره، أن نسميه ببساطة "التطعيم الأول"، استعادة لصورة الطبيب إدوارد جينر التي افتتحنا بها سلسلة المقالات هذه؛ فاللقاح لم يكن يوماً جرعة كاملة تقي من المرض، بل قطرة صغيرة تكفي لإيقاظ المناعة من تلقاء نفسها، فهو مصطلح أعمق من مجرد تسمية عابرة.
وقبل أن نفصّل ملامح هذا النموذج الهجين، دعونا نستعيد سريعاً الملمح الأهم في كل تجربة من التجارب الثلاث، فمن فنلندا، عرفنا أن قيمة التكرار اليومي البسيط يفوق في قيمته أحياناً مادة دراسية ضخمة تُدرّس لمرة واحدة. ومن سنغافورة، رأينا كيف أن التنسيق وإن كان بأبسط أشكاله، يجنّب المنظومة ازدواجية الجهود المبعثرة. بينما تعلمنا من تايوان كيف نحول الطالب من متلقٍ إلى مدقق فعّال، وهو الهدف النهائي الذي يستحق كل هذا العناء. إذاً، من رحم هذه الدروس الثلاثة المكثفة، يتشكّل التطعيم الأول دون الحاجة لميزانية جديدة، أو هياكل إدارية إضافية، بقدر الحاجة إلى إعادة توجيه بسيطة لما هو قائم أصلاً.
تكمن الخطوة الأولى فيما يمكن أن نسميه "الدقيقة النقدية"، وذلك باستثمار خمس دقائق فقط من بداية أي حصة مدرجة في الجدول أصلاً، ولمرة واحدة أسبوعياً، يعرض خلالها المعلم صورة أو منشوراً أو مقطعاً واحداً، ويطرح سؤالاً ثابتاً لا يتغير أبداً: من صنع هذا؟ ولماذا وصلني أنا على وجه التحديد؟ ولماذا الآن؟ ولنتنبّه إلى أنه لا إجابة صحيحة بعينها ننشدها هنا، فالهدف يكمن في تكوين رد فعل ذهني تلقائي، لا الوصول لحكم نهائي.
أما الخطوة الثانية وهي "نقطة الاتصال"، فتقوم على تكليف معلم واحد في كل مدرسة، بجمع ملاحظات زملائه الشهرية حول تجربة الدقيقة النقدية: أي الأمثلة أثارت نقاشاً أو جدلاً حقيقياً لدى الطلاب؟ وأيها مرّ مرور الكرام؟ ثم ترفع هذه الملاحظات إلى الموجّه التربوي في المنطقة التعليمية، لتتحول تدريجياً إلى بنك تراكمي من التجارب الفعلية، وتصبح لاحقاً المادة الخام لأي دليل تدريبي رسمي أوسع.
وتكمن الخطوة الثالثة "الشاهد الرقمي"، في إعادة تعريف معنى "العمل الجيد" في أي مشروع أو عرض تقديمي يقدمه الطالب، وفي أي مادة دراسية لا في مادة بعينها: هل يذكر مصدر المعلومة أو الصورة التي استخدمها؟ وهل يعلّق بجملة واحدة على مدى موثوقية هذا المصدر؟.
لا ورقة عمل إضافية هنا، لا تكاليف جديدة فوق طاقة الطالب، وإنّما تعديل طفيف حول معايير تقييم قائمة أصلاً، من شأنها أن تحول التحقق من المصدر إلى جزء لا يتجزأ من معنى الإتقان في ذهن الطالب.
والمتأمل في هذه الخطوات الثلاث يدرك أنها تكاملية من حيث البناء، تراتبية من حيث التنفيذ، لا تعمل بمعزل بعضها عن بعض، بل تدور ثلاثتها في حلقة واحدة متصلة: فـ"الدقيقة النقدية" تُنتج المادة الخام من تجارب الفصل الحية، بينما تجمع "نقطة الاتصال" المادة وتنظمها وترفعها، في حين يحول "الشاهد الرقمي" ما تراكم منها إلى معيار تقييم دائم يرسّخ العادة ولا يكتفي بمجرد تذكيرها.
وهذا بالضبط ما يجعل من "التطعيم الأول" نموذجاً واحداً متكاملاً، لا ثلاث مبادرات متفرقة يسهل أن يذبل أحدها بمعزل عن الآخرين. وكما أن الجهاز المناعي الحقيقي لا يعتمد على خط دفاع واحد، بل على منظومة متكاملة من الخطوط المتعاضدة، فإن مناعتنا الرقمية المعرفية لن تُبنى بخطوة واحدة معزولة، بل بجرعات صغيرة تتغذى كل واحدة منها على الأخرى.
ويبقى سؤال أخير، ربما يكون الأهم بين كل ما طُرح حتى الآن، فبعيداً عن أي قرارات أو ميزانيات معلنة، من هو الشخص الذي يملك تنفيذ هذه الخطوات الثلاث فعلياً على أرض الواقع، وبحماسه الشخصي وجهده اليومي فقط. في المقال القادم من هذه السلسلة، سأجيب عن هذا التساؤل، والذي لن يكون المنهج، أو التقنية، ولا حتى المؤسسة نفسها، بل شخص واحد ظل لسنوات طويلة خط الدفاع الأول والأخير دون أن يُلتفت إليه بالقدر الكافي.
الأب.. ظِلٌّ لا يميل
هناك كلمة إذا نُطقت، اعتدل لها القلب قبل اللسان، وارتجف لها الوجدان قبل أن يفهمها العقل. كلمةٌ تحمل... اقرأ المزيد
618
| 31 يوليو 2026
أدب الحوار ونهي الشريعة عن صخب الصوت
وهم علو النبرة يُخطئ من يظن أن ارتفاع الصوت أثناء الحوار هو وسيلة لإثبات الحجة أو أداة فعالة... اقرأ المزيد
273
| 31 يوليو 2026
حصص التربية الرياضية بالأندية
الرياضة محور أساسي من محاور العملية التعليمية، يقول تعالى في سورة البقرة آية 247 (قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ... اقرأ المزيد
144
| 30 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
9303
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1632
| 26 يوليو 2026
الله يرحم أيام المحكمة الشرعية، حين كانت القضايا تُعرض على القضاة فيستمعون إلى الخصوم مباشرة، ويفهمون أصل الخلاف، ثم يفصلون فيه بعد جلسة أو جلستين، من دون هذا الامتداد الطويل الذي نراه اليوم. نتذكر بكل تقدير أصحاب الفضيلة من قضاة المحاكم الشرعية في قطر: الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود، والشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي البنعلي، والشيخ عبدالقادر بن محمد العماري، والشيخ عبدالله بن عبدالعزيز آل محمود، رحم الله من رحل منهم وجزاهم خير الجزاء. أما اليوم، فقد أصبحت بعض القضايا تمر بمراحل وإجراءات متعددة؛ من ابتدائي واستئناف وتمييز، وتأجيلات ومذكرات وردود على المذكرات، حتى إن الإجراءات في بعض الأحيان تبدو أطول من القضية نفسها. كما أصبح كثير من الجلسات يدور حول تقديم المذكرات والرد عليها، بدل المرافعة المباشرة التي تختصر الوقت وتوضح جوهر النزاع، وأصبح المتقاضي بحاجة إلى محامٍ حتى في بعض القضايا البسيطة التي كان يستطيع في السابق عرضها بنفسه. ومن وجهة نظري، فإن تعقيد الإجراءات أسهم في توسيع دور مكاتب المحاماة، حتى في أبسط القضايا، بما جعلها قطاعًا اقتصاديًا مزدهرًا. ولعل الانتشار اللافت لمكاتب المحاماة في كل زاوية من الدولة يعزز هذه الرؤية. ولا أحد ينكر أهمية الضمانات القانونية ودرجات التقاضي، فوجودها لحماية الحقوق وتحقيق العدالة، لكن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى رحلة طويلة تستنزف الوقت والجهد والمال. لا أحد يطالب بالعودة إلى الماضي بحذافيره، ولا بانتقاص حقوق المتقاضين، وإنما نأمل تبسيط الإجراءات، وتسريع الفصل في القضايا، وإعادة الاعتبار للمرافعة المباشرة والصلح، حتى تصل الحقوق إلى أصحابها بأقصر الطرق وأقلها كلفة. فالعدالة لا تكتمل بصحة الحكم وحدها، بل بسرعة وصوله أيضًا.
1344
| 30 يوليو 2026