رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عبد اللطيف نجم

مساحة إعلانية

مقالات

381

عبد اللطيف نجم

فنلندا - سنغافورة - تايوان.. كيف نجحت في محو الأمية الإعلامية؟

23 يوليو 2026 , 11:08م

كنا قد انتهينا في المقال السابق من هذه السلسلة إلى سؤال واحد، بسيط في ظاهره، ثقيل في مضمونه: "من اختار لك أن تشاهد هذا بالذات؟". قد يبدو السؤال للوهلة الأولى مجرد تمرين فكري يصلح للنقاش لا للتطبيق. غير أن ثلاث دول تختلف في ثقافتها، نظامها السياسي وحجم سكانها، وجدت نفسها قبل سنوات أمام السؤال ذاته، فقررت ألا تدعه معلقاً في فضاء النقاش النظري؛ فعمدت لتحويله إلى سياسة تعليمية متكاملة. والمثير في تجارب الدول الثلاث أنها لم تسلك الطريق نفسه للوصول إلى الهدف؛ إذ اتجهت كل منها إلى بناء نموذجها الخاص الذي يتناسب مع بنيتها المؤسسية، وهو ما يمنحنا اليوم ثلاثة دروس مختلفة، لا درساً واحداً مكرراً.

البداية من فنلندا التي تمثل النموذج الأول، حيث ابتكرت ما يمكن أن نطلق عليه "المناعة كثقافة"، فمنذ تسعينيات القرن الماضي، أُدرجت التربية الإعلامية ضمن المنهج الفنلندي، لا كمادة منفصلة قائمة بذاتها، بل كخيط ممتد عبر مراحل التعليم كافة، يبدأ من رياض الأطفال حيث يتعرف الصغار على الأجهزة والمحتوى من خلال اللعب الموجّه، وصولًا إلى المراحل الدراسية المتقدمة، والتي باتت تشمل اليوم مهارات كشف التزييف العميق بالذكاء الاصطناعي.

وقد أثمر هذا النهج المتراكم وفق (معهد المجتمع المفتوح في صوفيا) عن تصدّر فنلندا مؤشر محو الأمية الإعلامية الأوروبي، وهو مؤشر يقيس قدرة الدول على مجابهة الأخبار المضللة بالاستناد إلى حرية الإعلام ومستوى التعليم ودرجة الثقة المجتمعية. والدرس هنا واضح جداً؛ فحين تتحول المهارة النقدية لتكون جزءاً من نسيج التعليم اليومي فإنها تصبح عادة ذهنية راسخة لا معلومة عابرة تُنسى بعد الامتحان.

أما النموذج الثاني والذي يمكن تسميته بـ"المناعة كمنظومة" فتمثله دولة سنغافورة، وخلافاً للنهج الفنلندي القائم على الثقافة المتراكمة عبر السنوات، وفي محاولة لتنسيق الجهود المبعثرة، اختارت سنغافورة إنشاء بنية مؤسسية منسقة ومحكمة؛ إذ أسست عام 2012 مجلساً وطنياً لمحو الأمية الإعلامية يجمع تحت مظلته وزارة التعليم، هيئة تطوير الإعلام والاتصالات وهيئة الأمن السيبراني.

ومن رحم هذا التنسيق وُلد بحسب وزارة التعليم السنغافورية "البرنامج الوطني لمحو الأمية الرقمية" الذي حمل شعار: "ابحث، فكّر، طبّق، أنتج"، بهدف بناء مهارات الطالب عبر أربعة محاور متكاملة، هي: البحث، التفكير النقدي، التطبيق والإنتاج، ولم يتم إفراد مادة منفصلة لهذه المهارات، وإنما دمجت ضمن مادة "التربية على المواطنة والشخصية".

ولعل الدرس المستفاد من التجربة السنغافورية أن التعاون بين القرارات التربوية والتقنية من جانب والأمنية من جانب آخر من خلال جهة تنسيقية واحدة يجنّب المنظومة ازدواجية الجهود التي كثيراً ما تُنهك المبادرات الفردية المتفرقة مهما حسن الإعداد لها.

وبالانتقال إلى النموذج الثالث والذي قد يكون أكثر إلهاماً لسياقنا، ممثلاً بتايوان، والذي يمكن أن نعرفه بـ "المناعة كممارسة"؛ حيث عملت تايوان على إدراج محو الأمية الإعلامية في مناهجها منذ عام 2002، لكن هذا الإدراج المبكر ظل سطحياً مقتصراً على التحليل النظري للصحافة المطبوعة في حصص التربية المدنية لسنوات.

لكن الجزيرة التي تتعرض بشكل شبه يومي لحملات تضليل منظمة، أدركت أن هذا النهج النظري لم يعد كافيًا، فأجرت عام 2019، وبتوجيه مباشر من وزارة التربية وعلى لسان وزيرة الشؤون الرقمية أودري تانغ، إصلاحاً جذرياً لمنهجها، حولت بموجبه الهدف من مجرد "محو أمية" إلى بناء "كفاءة" فعلية؛ بمعنى أنها انتقلت بالطالب من موقع القارئ السلبي إلى موقع المنتج والمدقق النشط.

ولعل أبرز تطبيقات هذا التحول أن الطلبة باتوا يشاركون فعلياً في عمليات تدقيق حقائق جماعية، بل إن بعضهم كُلّف بالتحقق من صحة تصريحات بثّت بصورة حية أثناء مناظرات رئاسية فعلية. وبحسب تصريحات نشرتها مجلة (D+C) الألمانية لأحد الخبراء المعنيين بهذا الملف، فإن التجربة أحدثت أثراً ملموساً بتحصين عقل الطالب ضد التضليل المستقبلي بصورة أعمق من مجرد عرض الحقائق عليه بعد وقوعها؛ وهو وصف يستحضر ودون قصد مباشر، المنطق ذاته الذي انطلقنا منه في مستهل هذه السلسلة: أن المواجهة الحقيقية لا تكون بالعزل أو التلقين، بل بتحصين قدرة عقل الطالب على تكوين جهاز الفلترة الخاص به.

إن استعراض هذه النماذج لا يعني- بالضرورة- استنساخ واحدة منها دون أخرى، فلكل دولة ظروفها وتركيبتها وبنيتها الاجتماعية والإدارية المختلفة، لكن المتأمل في النماذج الثلاثة سيجد قاسماً مشتركاً يتجاوز الاختلاف بالأدوات أو السياقات، إذ لم تنظر أي من هذه الدول لمحو الأمية الإعلامية باعتباره مادة اختيارية أو ورشة موسمية، وإنما جعلته نسيجاً ثقافياً ممتداً، أو بنية مؤسسية، أو ممارسة تطبيقية، وفي الحالات جميعها فإن ذلك سيضمن للطالب تحولاً تدريجياً من مجرد كونه متلقٍ إلى قادر على الفعل والمساءلة.

الواقع أن "المناعة الرقمية المعرفية" لا تُبنى بقرار إداري واحد، بل بتراكم مؤسسي واعٍ يبدأ من أدنى حلقة في السلسلة التعليمية. وهذا بالضبط ما سيقودنا في المقال القادم إلى محاولة الإجابة عن السؤال الأكثر إلحاحًا محلياً: كيف يمكن ترجمة هذه الدروس الثلاثة لنموذج ينبع من واقعنا واحتياجاتنا الخاصة لا كنسخة مستوردة؟.

اقرأ المزيد

تعديل قانون العمل.. نظرات في شرط عدم المنافسة تعديل قانون العمل.. نظرات في شرط عدم المنافسة

سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي... اقرأ المزيد

57

| 05 أغسطس 2026

الجرعة المُجازة.. كيف يتحول المعلم من قادر إلى فاعل؟ الجرعة المُجازة.. كيف يتحول المعلم من قادر إلى فاعل؟

تخيل ممرضة تقف بباب مريض، تحمل جرعة لقاح جاهزة تماماً، تعرف متى تُعطى وكيف، وهي أكيدة من نجاعة... اقرأ المزيد

66

| 04 أغسطس 2026

طموح القادة.. والأدوار الإقصائية في كأس العالم طموح القادة.. والأدوار الإقصائية في كأس العالم

ليست كل البطولات تُحسم بالمهارة، وليست كل القيادات تُقاس بالمناصب، فهناك لحظة في كل منافسة يتغير فيها كل... اقرأ المزيد

45

| 04 أغسطس 2026

مساحة إعلانية