رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مباركة سيناء تلك الأراضي الشاسعة الممتدة في الجزء الشرقي من المحروسة مباركة بتاريخها ونضالاتها ودورها في وأد الغزوات وإجهاض الراغبين في احتلال الوطن كله من بوابتها.
مباركة بطورها الذي احتوى البقعة المقدسة التي كلم فيها الله سبحانه وتعالى نبيه موسى ومنحه فيها ألواح التوراة الحقيقية.
مباركة بأشجار زيتونها التي طرزها القرآن الكريم في إحدى سوره القصيرة.
تشغلنا الآن سيناء بمفردات واقعها المر بعد أن هبط عليها الوجع منذ أن وقع الراحل أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد مع الكيان الصهيوني في العام 1979فغرقت في متاهة الغياب عن الوطن والنأي عن سيطرة قواته المسلحة بعد أن جعلت أجزاء واسعة منها مجردة من السلاح وخضعت لقوات ما يسمى بحفظ السلام .
وتعامل الرئيس الذي تلاه -حسني مبارك - مع سيناء بحسبانها منتجعا سياحيا وترك أهاليها نهبا للضياع والجوع والفقر والتهميش مما ساعد على خلق مناطق تطرف وتخوم غضب قابل للانفجار وهو ما جرى غير مرة خلال العقد الأخير .
وتكابد سيناء الآن وجعا أو بالأحرى سلسلة من الأوجاع بعضها بفعل الكيان القريب منها والذي يضعها دوما في بؤرة إستراتيجيته العدوانية والتوسعية التي لم يتخل عنها يوما واحدا أو حتى ساعة واحدة رغم اتفاقية السلام التي وقع عليها مع السادات وكثيرا ما اخترقها وكسرها ولم يتمكن النظام السابق من كبح جموعه بل تركه يرتع في برها وصحرائها وحدودها في حين أن بعضها الآخر ناجم عن الغياب الرسمي سواء عسكريا أو اقتصاديا أو اجتماعيا فانفرط العقد وتفككت الأواصر وكادت سيناء تصبح إمارة مستقلة وفق أشواق نفر من المتطرفين الذين استغلوا هذا الغياب فسيطروا على الواقع وباتوا هم القوة القادرة على التحرك والتمدد وفرض سياسة الأمر الواقع .
ووفقا لما يقوله بعض المحللين فإن الأوضاع في سيناء تزداد يوماً بعد يوم اشتعالا سواء على الحدود مع الكيان الصهيوني أو داخل حدود شبه الجزيرة الممتدة على مساحة توازي سدس مساحة مصر، وهو ما يعلي من سقف غموض مصير تلك البقعة التي دأب المصريون على مدار تاريخ بلادهم الضارب بجذوره في أعماق التاريخ على وصفها ب"الغالية" من أرضهم، فالتحرش الصهيوني بسيناء تزداد مظاهره من جانب قوات الكيان، في ضوء تصريحات فجة لقيادات سياسية ودينية من داخل الكيان تتحدث عن خطورة الأوضاع داخل سيناء، ويدعو بعضها صراحة إلى إعادة احتلالها .
في الوقت نفسه لا تسلم سيناء من أذى يأتي على أيدي قلة تحمل الجنسية المصرية في بطاقات هويتها، وتسير بأفكار متطرفة في عقولها تدفعها إلى الصدام مع الدولة المصرية، ممثلة في قوات الجيش والشرطة على أراضي شبه الجزيرة لتعطي مزيداً من الذرائع للعدو الصهيوني للحديث عن "الأوضاع الخطرة" و "البؤرة القاعدية" - نسبة إلى تنظيم القاعدة - من داخل الحدود المصرية حتى تعالت أصوات تتحدث عن تدويل المعالجة الأمنية في سيناء وتحويل الأمر برمته إلى مجلس الأمن الدولي، وهو ما رفضته الدولة المصرية على لسان وزير خارجيتها، محمد كامل عمرو الذي أكد في تصريحات أخيرة أن أمن سيناء شأن مصري خالص، ولا دخل لمجلس الأمن أو غيره من المنظمات الدولية به.
وتكشف التقارير المسربة من داخل الكيان عن مخطط صهيوني لتوطين آلاف الأسر الفلسطينية في سيناء واعتبارها وطناً بديلاً للفلسطينيين، وهو ما أكدت عناصر قبلية بسيناء ظهور بوادر لبدء تنفيذه على أرض الواقع .
بينما شكل الحادث الأخير على الحدود بين مصر والكيان الذي أسفر عن مقتل جندي صهيوني وإصابة آخر في اشتباكات مع مجموعة جهادية، قيل إنها جاءت من سيناء واستهدفت التسلل إلى داخل " الكيان" لتنفيذ عمليات كبرى فرصة لأن تتحدث دوائر صهيونية وصحف غربية عن أن القاهرة تفتقد إلى قدرة السيطرة على الفوضى المتزايدة في المنطقة، ونقلت هذه الصحف عن مسؤولين بالكيان قولهم إن هذا الحادث ينضم إلى سلسلة الحوادث العنيفة على امتداد الحدود و "يعتبر تحذيراً جديداً للقاهرة التي لاتزال قبضتها الأمنية في شبه الجزيرة ضعيفة"، فيما طالبت صحف عبرية سلطات بلادها بتعزيز وتكثيف التواجد المخابراتي في سيناء وجمع المعلومات عن "المنظمات الإرهابية" على أرضها.
ولعل ارتفاع بعض الأصوات من داخل الكيان الصهيوني للمطالبة بتوجيه ضربة لسيناء ينبئ بأنه لم ولن يتخلى عن حلمه في ضم شبه الجزيرة المصرية إلى مشروعه الاستعماري الاستيطاني، وهو ما جسدت بوضوح كلمات الحاخام "الإسرائيلي" المتطرف شموئيل شموئيلي رئيس حركة "حماة إسرائيل" المتطرفة لتعطي الدليل الواضح والدامغ، وتكشف بجلاء عن تلك النوايا، حيث دعا تل أبيب إلى ضرب مصر واحتلال سيناء لإخافة إيران، واصفاً مصر بأنها أكبر تهديد لليهود و "إسرائيل"، معتبراً في تصريحات نشرتها وسائل إعلام صهيونية أن احتلال شبه جزيرة سيناء سيقدم درساً رادعاً لإيران التي تتحدى "إسرائيل" وتثير مخاوفها، مضيفاً "حان وقت العمل في سيناء لأنها لنا نحن شعب اليهود، فلابد من استعادة سيناء الآن لردع كل من إيران وسوريا وحزب الله، وتحقيق السلام في "إسرائيل""، مطالباً الجيش "الإسرائيلي" بالقيام بعمل عسكري على الفور في سيناء، وإزالة الخطر الكامن فيها وفي غزة والمعابر، الذي وصفه بأنه أخطر تهديد لسكان الجنوب والوسط، مؤكداً أنه وفقاً لتقارير استخباراتية، فإن سيناء هي المسؤولة عن نشر المنظمات السلفية الإرهابية في قطاع غزة وإطلاق صواريخ غراد على "إسرائيل".
ولعلنا لا ننسى في هذا السياق تصريحا لرئيس الأركان الصهيوني قبل شهور الذي أكد فيه أن "إسرائيل" تستطيع أن تعيد مصر إلى الوضع الذي كانت عليه في 1967.
وكل هذه المعطيات تدفع القوى الوطنية والثورية في مصر إلى المطالبة بتعديل اتفاقية كامب ديفيد التي تجمع على أنها كانت منذ توقيعها مجحفة بالحقوق المصرية،خاصة في ما يتعلق بأعداد وتسليح القوات المصرية عند الحدود وتعزيز الوجود العسكري والأمني على أراضي شبه الجزيرة.
وإذا كانت قوات الجيش المصري قد قامت بالعملية نسر للقضاء على مجموعات المسلحين من الجماعات المتطرفة قد تمكنت من تحقيق نجاحات نسبية خاصة على صعيد تفعيل الحضور المصري العسكري في مناطق كان ممنوعا عليه دخولها وهو ما دفع حكومة نيتانياهو إلى المطالبة بسحب الدبابات المصرية من هذه المناطق فذلك يؤكد قدرة النظام الجديد في المحروسة على المناورة مستفيدا من أجواء إقليمية ودولية رافضة للتمدد المتطرف في سيناء وهو ما ينبغي الاستمرار فيه دون خضوع لابتزازات الكيان المدعومة من واشنطن بشكل أو بآخر ولكني أخشى من الغلو في استخدام القوة المسلحة مما قد يؤدي إلى الإضرار بالمواطنين من سكان المنطقة الذين بدأوا بالفعل في التعبير عن بعض الغضب لممارسات لا يرضون عنها رغم محاولات استرضاء شيوخ القبائل أصحاب السطوة والنفوذ. وهو ما يجعلني أعيد التأكيد على ما يقوله دوما الخبراء الإستراتيجيون من أنه لا ينبغي التعامل مع أزمات سيناء وفق المنظور الأمني فحسب وإنما من الضرورة بمكان اللجوء إلى خيارات التنمية ببعديها الاقتصادي والاجتماعي والتي كانت غائبة أو مغيبة خلال العقود الأربعة الأخيرة ربما بفعل فاعل أو استجابة لضغوط الكيان لتبقى المنطقة عرضة للنهب في أي وقت يريده .
ولاشك أن محاولة إضفاء البعد الطائفي على الأزمات المشتعلة في سيناء يدفع الأمور نحو المزيد من التفاقم خاصة بعد ما تردد من إجبار الجماعات المتطرفة عائلات أو عائلة مسيحية على الفرار من رفح لاعتبارات دينية وهو ما شكل رفضا قاطعا سواء من رئيس الدولة الدكتور محمد مرسي الذي أصدر تعليماته لمحافظ شمال سيناء بمعالجة فورية للمسألة أو على المستوى الشعبي حيث احتشدت قوى سياسية ومنظمات مجتمع مدني في مدينة العريش معلنة احتجاجها على المحاولة والتي يبدو أنها ليست على نطاق واسع.
السطر الأخير:
كوني لي بحرا زاخرا بالأسرار
كوني قلما بهجة روحا
مدنا مطرزة بالأقمار
غيما يسكب عطر الأمطار
كوني وطنا للقلب المتعب
عشبا للجوع
قمحا يورق سنابل العشق
يرسم واحة وجد وفيض أنهار
انتفاضة أم هبة في فلسطين..؟
ثمة من يحاول أن يقلل من الحراك الشعبي المدهش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة بوصفه مجرد هبة جماهيرية... اقرأ المزيد
371
| 11 يناير 2016
أحوال الأمة في العام 2016
بعد ساعات قليلة، نعانق العام الجديد 2016 وثمة تساؤل يدق الرؤوس: هل سنشهد أحوالا مغايرة لأحوالنا في العام... اقرأ المزيد
437
| 28 ديسمبر 2015
ليبيا .. الخروج من دائرة الوجع
ينطوى الاتفاق السياسي الذي وقع عليه الفرقاء الليبيون بمدينة الصخيرات المغربية يوم الخميس الماضي, على رغبة حقيقية في... اقرأ المزيد
310
| 21 ديسمبر 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5295
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4911
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3024
| 24 سبتمبر 2026