رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منتصفَ الأسبوع الماضي، نشر الأستاذ فهمي هويدي في هذه الصفحة مقالاً بالعنوان المُتضمن في عنوان هذا المقال.
والحقيقة أن القارئ العربي، بشكلٍ عام، والمصري تحديداً، استفاد من كتاباته المتوازنة والمنهجية على مدى عقود، ولايزال يستفيد، بحيث أصبح الرجل من رموز الكتابة الصحفية العربية (النادرة)، التي تحاول الجمع بين شمول الاطلاع وموضوعية التحليل وسلاسة الكتابة. الأمر الذي جعل عطاءه بمثابة مدرسةٍ في الصحافة العربية استفاد منها كثيرون، منهم كاتب هذه الكلمات.
وتأتي الملاحظات التالية حول مقاله المذكور، على سبيل الوفاء لمنهجية الموضوعية والحرص على فهم قضايانا الحساسة من زوايا مختلفة، لتقديم قراءةٍ للظواهر تُساعد القارئ العربي على فهمها بشكلٍ أعمق، والتعامل معها بفعاليةٍ أكبر.
ففي جملة مقال هويدي الأخيرة، نجد حمولةً من (المُصادرات) الكامنة فيها، تنطوي على قضايا ثقافية وحضارية وتاريخية. وإذ نشكﱡ بأن الكاتب قَصدَ تلك المصادرات بشكلٍ مباشر، لكن معناها ودلالالتها تؤثر في القراء، وفي منهجية الموضوع نفسه، بشكلٍ لا يسمحُ بتجاوزها والقفز فوقها، بغض النظر عن النيات.
فبعد التأكيد على رغبته بعدم التقليل "من دور أحد"، والحديث عن عوامل جغرافيا وتاريخ "فرضت على مصر موقعاً مارست من خلاله القيادة حين وفت باشتراطاتها"، يقول إن "المقعد ظل شاغرا ولم يستطع أحد ملأه طوال العقود الأربعة الماضية"، ليُصدر بعد ذلك الحكم الحاسم "بأن مصر هي المشكلة وهي الحل"..
نَذكرُ هنا أن باحثي العلوم الاجتماعية يُحذرون دوماً من النظر، علمياً، إلى متغيرٍ واحد بحيث يتم الاعتقاد أنه (العنصر) الذي يفسر أي ظاهرة في الحياة الإنسانية. من هنا، نعتقد أن المقولة الأنسب، والأكثر موضوعيةً في مثل هذا المقام هي الحديثُ عن مصر بوصفها "جزءاً من المشكلة وجزءاً من الحل". فتاريخ مصر مع العرب وتاريخهم معها، فضلاً عن استقراء المتغيرات الكبرى الثقافية والاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي خلال العقود الثلاثة الماضية على الأقل، تؤكدُ مُجتمِعةً، حقيقة هذا الوصف الأخير.
والعودة إلى فقرات مقال الكاتب تساعدنا على الشرح والتفصيل. فهو يطرح نظريته التي تضع اتفاقية السلام التي وقعتها مصر مع إسرائيل عام 1979م في نفس خانة اتفاقية الروس والعثمانيين عام 1774م، ويستخلص أنه، كما كانت الأولى سبب تدهور، ثم انهيار، الدولة العثمانية، "فإن أي تحقيق تاريخي نزيه سيجد في اتفاقية السلام التي وقعت مع إسرائيل مؤشرا على بدايات الانهيار في العالم العربي" كما يقول.
لا يتسع المقام لكثيرٍ من التفصيل المطلوب، لكننا سنحاول البحث في التاريخ أولاً، ثم في متغيرات الواقع العربي، عن شواهد تدعم رؤيتنا بأن القضية تتجاوز حصر "مشكلة" العالم العربي في مصر ودورها، كما هو "الحل" أيضاً. دون أن ينتقص هذا من دور مصر الكبير بطبيعة الحال.
فمن (نكبة) عام 1948م التي حصلت بوجود الجيش المصري إلى (نكسة) حزيران، عام 1967م، التي ربما أمكن اعتبارها هزةً حضاريةً حقيقيةً للعالم العربي بأسره، يعرف العرب أبطالها، وصولاً لـ (انتصار أكتوبر).. نلمحُ أشياء أخرى كثيرة حصلت، لمصرَ دورٌ رئيسٌ فيها، قبل عام المعاهدة المذكورة.
ثمة هنا مشهدٌ تاريخي طويل يتجاوز ما حصلَ في ذلك العام، ويُوضحُ كيف كانت مصر قبله أيضاً "جزءاً من المشكلة"، وليست "المشكلة". ولكن، تأتي، في المشهد نفسه، إسهاماتُ المصريين في مجالات الثقافة والتعليم والأدب والفن والمعرفة والإدارة والقانون داخل مصر وخارجها، ويأتي دور الأفكار التي انتشرت في العالم العربي انطلاقاً من مصر، مع معلميها وأطبائها وخبرائها في كل مجال، لتُظهر كيف كانت مصر "جزءاً من الحل".
بالمقابل، يمكن بشيءٍ من المتابعة والتحليل للتغيرات التي حصلت في باقي أنحاء العالم العربي في العقود الثلاثة الأخيرة، كما هو الحال في دول الخليج العربي مثلاً، أن تلقي مزيداً من الضوء على معادلة المشكلة والحل. فالدول المذكورة لا تمثل "المدينة الفاضلة" طبعاً، كما هو الحال أيضاً مع مصر وكل بلدٍ آخر من اليابان إلى أمريكا.
وثمة قضايا كثيرة تحتاج إلى مراجعةٍ وتطوير وتجاوز فيها. لكن من الإجحاف إغفال دورها كـ "جزءٍ من الحل" في كثيرٍ من المجالات، خاصةً حين يكون الحديث في سياقه الحضاري، وتكون وحدتهُ الزمنية بِعُمر الأجيال، لا ببضع سنوات.
ثمة، مثلاً، أكثر من عشرة ملايين عربي يعملون في دول الخليج، وتحويلات هؤلاء تشكل عائداً أساسياً في ميزانية دول كثيرة. هذا في حقل الاقتصاد، ويعرف الجميع معانيه حتى دون تخصص في ذلك الحقل.
ورغم كل التحديات والسلبيات الممكنة دائماً، يُحسب للدول المذكورة الريادة في دخول العرب عالمَ تقنيات الاتصال والإعلام الحديث التي شكَّلت، ولاتزال وستبقى، جذور ثورةٍ كبرى في الواقع العربي الراكد. تبرز هنا قناة (الجزيرة) مثالاً، فضلاً عن كون شعوب الخليج والمقيمين فيها من أكثر سكان العالم تعاملاً مع الإنترنت نسبةً لأعداد السكان.
أما النموذج القيادي في المرونة الإدارية والتطور العمراني والانفتاح على الثقافات واستيعابها، كما هو الحال في مدينة دبي مثلاً، فأمرٌ بات معروفاً، حتى في ظل الحاجة، مرةً أخرى، إلى استكماله وتطويره ثقافياً واجتماعياً.
وأخيراً، تبدو قيادة هذه الدول سياسياً، في هذه المرحلة، للعالم العربي حقيقةً لاتحتاج لتوضيح. ولو كان لدى البعض تجاهَها ملاحظاتٌ، من التأكيد أن مثلها كان موجوداً لدور مصر القيادي للعالم العربي قبل عام 1979 وبعده.
زبدةُ الكلام أن "المشكلة" في العالم العربي أعمق وأكبرُ بكثير من أن تُحصر في دولةٍ أياً كانت. فنحن كعرب، من المحيط إلى الخليج، نعاني جملة أزمات، أساسها ثقافي وفكري بالدرجة الأولى. وإذ يطول الحديث فيها، فإن مما يكفي هنا القولُ بأن "الحل" هو أيضاً أكبرُ من أي دولة، وأكثر شمولاً من أن يُحصر فيها.
وبدون قصد، ربما يصبح التركيز على ذلك (العنصر التفسيري) الوحيد مدعاةً لاستقالة الكثيرين من واجبهم، انتظاراً لعودة (البطل) إلى الساحة، مادام كل حلٍ في غيابه (ناقصاً)، كي لا نقول (عبثياً).. هذا فضلاً عن مناقضة هذا المنهج في التفسير التاريخي / الحضاري لمقتضيات منطق عملية بناء الدول والحضارات، وصيروتها المُعقدة. منذ ثماني سنوات كتبتُ مقالاً بعنوان "مصرُ التي نحب" قلتُ في مطلعه: "كما هي الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، تبقى مصرُ التي نحبّ عرباً ومسلمين".. وبَعدها بعام، كتبتُ مقالاً آخر بعنوان "أين مصر؟" تساءلتُ فيه عن غيابها، قائلاً في السياق: "إن الغياب المذكور يؤدي إلى اختلال خطير في موازين القوى بين العرب وغيرهم من القوى الإقليمية والعالمية.. وهو اختلال لا يقتصر على الجانب السياسي وإنما يشمل أيضاً الجوانب الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، لسببٍ بسيط هو أن دور مصر في جميع تلك المجالات كان أساسياً في الماضي على الدوام، ويجب أن يبقى أساسياً في الحاضر والمستقبل".
وهذا الاستحضار قد يكون، في النهاية، مشروعاً لوضع الأمور في سياقها المتوازن، نفسياً وفكرياً وعملياً، إذا كنا نبحثُ جميعاً، بشجاعةٍ وشفافيةٍ وموضوعية، عما يُصلح واقعنا العربي الراهن بشكلٍ جذريٍ وشامل. والأفضلُ أن يحصل هذا بعيداً عن الآمال والأمنيات في انتظار (بطل)، قائداً كان أو حزباً أو دولةً أو شيئاً (واحداً) أياً كان.. ففي حين يصبح الخروج من النفق الراهن ممكناً جداً برؤيةٍ شمولية لطبيعة المشكلة، وإبصارِ مداخل حَلِّها تالياً، سيكون ذلك الانتظار مثل انتظار (غودو) الذي قد لايأتي في نهاية المطاف...
جزيرة الشيطان.. وانهيار منظومة القيم
في اليوم الأخير من قصة قوم نبي الله لوط عليه السلام، أرسل الله ملائكته في صورة رجالٍ حِسان... اقرأ المزيد
60
| 21 فبراير 2026
تجمعاتنا أجر وسعادة
ما أجمل التواصل والألفة والمودة بين الأهل والأقارب والأصدقاء في كل الأوقات، ولكن يزيد جمالها ويضاعف أجرها في... اقرأ المزيد
96
| 21 فبراير 2026
اسم الله الرحيم
«الرحيم» من أسمائه سبحانه وتعالى التي تشوق المؤمنين إلى صفاته، وتعرفهم بكمالاته، وتغرس في نفوسهم الرجاء فيما عنده.... اقرأ المزيد
48
| 21 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
6555
| 15 فبراير 2026
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم المنتشر في معظم مناطق قطر، حيث يرتاده كثيرٌ من أبناء الجاليات الآسيوية الكريمة، كان “راشد بن علي” يجلس مع صديقه الهندي “رفيق سراج”. عشرون عاماً ورفيق يعمل “سائقاً”، واليوم حانت لحظة الوداع. قبل أن يحزم حقائبه عائداً إلى بلاده، أراد أن يودّع “مديره السابق” بلمسة وفاء، فدعاه إلى قهوة على حسابه في هذا المجمع المعروف. راشد (مبتسماً): “رفيق، أنت يعرف، أنا ما في يجي هذا مكان، هذا كله عشان خاطر مال أنت.” رفيق (يهز رأسه): “شكرا، ما شاء الله نفر قطري كل زين، كل في طيب،… بابا راشد في سؤال: أنت وين روح اشتري أغراض بيت مال أنت؟” راشد: “أنا روح دايم (الميرة)، هذي شركة مال دوحة، لازم أنا سوي دعم.” رفيق: “أنت نفر واجد سيده، لازم يسوي دعم بلاد مال أنت.” غرق الاثنان في بحر الكلام والذكريات. وعند الوداع، غادر رفيق بدموع الوفاء، وبقي راشد وحيداً يتصفح رسائله على هاتفه. وفجأة… تيت تيت… بيب بيب… وصل “أمر العمليات” من القيادة العليا؛ “أم علي” نصيرة “الميرة”، والمنتج الوطني، قائمة طويلة من طلبات البيت لا أول لها ولا آخر، تبدأ بنص الرسالة: “إذا رحت (الميرة) جيب لنا ونبي………” نظر راشد حوله؛ الوقت ضيق والساعة متأخرة ليلاً، وهذا المجمع الذي يجلس فيه يوفر كل شيء. لكنه كان يتلفت يمنةً ويسرةً يخشى أن يُضبط متلبساً بـ”خيانة تموينية”. تلثم بغترته وقال في نفسه: “سامحيني يا أم علي يا أم الخير”. أخذ عربة التسوق متلثماً، وعند “الكاونتر” وضع الأغراض، فظهر المبلغ: 1500 ريال. ابتسم المحاسب الآسيوي وبدأ الحوار: المحاسب: “بابا، أنت في قطري؟” راشد (مستغرباً): “نعم، قطري، ليش رفيق…؟” المحاسب: “أنت في متقاعد؟” راشد: “نعم، Why…؟” المحاسب: “بابا، جيب بطاقة مال تقاعد.” أخرج راشد البطاقة متردداً وهو يتساءل، مرّرها المحاسب، وفجأة انخفض الرقم على الشاشة! المحاسب: “ما شاء الله بابا، واجد زين! أنت في خصم 5%.” توقف راشد لحظة صمت ودهشة وتلعثم… 75 ريالاً خُصمت في عملية واحدة فوراً تقديراً للمتقاعد القطري! فكّر في هذا المجمع التمويني التسويقي الخارج عن حسابات “أم علي” وتقديراتها، وكيف وجد فيه ترحيباً وتكريماً وتقديراً لم يتوقعه أبداً للمتقاعد القطري، وهو الذي لم يدخله يوماً من باب الولاء للمنتج الوطني. رفع يده للسماء وقال: “الله يسهّل عليك في حلالك يا يوسف بن علي… وجزاك الله ألف خير نيابةً عن كل المتقاعدين القطريين… عز الله إنك شنب ”. خرج راشد متلثماً ومعه “ماجلة أم علي ” إلى البيت، وهو “يحنحن” ويهوجس: أحياناً تسوقنا الأقدار إلى أماكن نتجاهلها ولم نعتدها، لنكتشف أن التقدير قد يأتي من حيث لا نحتسب… ومن “الغريب” قبل “القريب”. الأرض واسعة والناس شتى، والرزق عند الله لا عند البشر.
978
| 16 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد لله الذي بلغنا شهر الصيام والقيام، يحلّ علينا ونحن في شوق كل عام لهذا الضيف العزيز، الذي جعله الله محطة لتزودنا بالتقوى والزهد، والسكينة تعلو فيه الهمم، وتنكسر فيه حدة الشهوات والتعلق بملذات الحياة. وهذا كله من الحكم التي من أجلها فُرض الصيام تصديقًا لقوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) [البقرة] وضع الله سبحانه وتعالى التقوى غاية للمسلم، التي من أجلها فُرض الصيام، فهي ثمرته الحقيقية التي يصل بها إلى بلوغ المرام، وبها يتعلم الإنسان ويتدرب ويتعوّد على ضبط شهواته، ومراقبة ربه في السر والعلن. في رمضان فرصة عظيمة لنجدّد العهد مع الطاعة، ونقوي تواصلنا وعلاقتنا بالخالق سبحانه وتعالى. فعلى الرغم من أن فريضة الصيام لا تتكرر إلا مرة في العام، إلا أن لها أثرًا عظيمًا في القلوب، وتغييرًا عميقًا في السلوك لمن أحسن استغلال هذه الأيام واغتنام نفحاتها. والصيام في المجمل من أجل الأعمال، وأعظمها أجرًا، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به) رواه البخاري. فإبهام جزاء الصوم من الله تعالى يعد تشريفًا لهذه العبادة لم تنله عبادة أخرى. كل هذا الفضل والرفعة في الصيام على إطلاقه، فكيف بصيام الفريضة، الذي أوضح لنا النبي الكريم ﷺ ثوابه العظيم، فقال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه. فاللهم وفقنا لصيام هذا الشهر الكريم احتسابًا، وأعنّا فيه على بلوغ التمام، وارزقنا في هذا الركن الثمين العفو والمغفرة، وزودنا يا الله بالتقوى والإخلاص في القول والعمل، يا رب العالمين.
834
| 18 فبراير 2026