رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تتعدَّد أشكال العلاقات الإنسانيَّة في شتَّى مراحل حياتنا من الطفولة إلى الكبر، وكل مرحلة لها أشخاصها الذين نتعامل معهم ونشاركهم الأحاديث والأفكار والمناقشات وغيرها من الأحداث التي تجمعنا بمن حولنا من الأهل والأصدقاء والزملاء وغيرهم.
ومن أجمل أشكال العلاقات الإنسانيَّة وأنبلها: الصداقة، وسُمي الصديق بهذا الاسم للدلالة على صدقه مع صديقه في كل معاملة بينهما؛ فالصدق من أهم الصفات التي تحافظ على الروابط وتؤكِّد مدى استمرار أي علاقة على الإطلاق، وهو من صفات المسلم النقي المخلص لأصدقائه.
والصدق يعلِّمك قول الحق على الدوام ويعلِّمك اتخاذ موقف محدد وثابت تجاه الجميع، وكذلك يعلِّمك التمسك بالمبادئ السليمة الراقية، فيكون للمسلم رؤية ومبدأ واضح مع الناس لا يتغيَّر من شخص لآخر ولا من موقف لموقف، كما يجعلك الصدق شخصًا صاحب مبدأ، وأصحاب المبادئ مميَّزون كما تعلمون، فهم قليلون، ولكنهم كالنجوم يُشار إليهم بالبنان، يحبهم الجميع بلا استثناء.
ولكن ليس كل مَن نعرف ونقابل في حياتنا يمكن أن نصفه بأنه صديق صدوق صاحب مبدأ؛ فهناك فئة توصف بأنها ذات وجهين، وهذه الشريحة من الأصدقاء من أشرِّ الناس على الشخص؛ لأنها تخدعك ولا تبالي بالمبادئ، فتتكلم في ظهرك بأريحيَّة وتقابلك بحالة وهيئة تخالفان جوهره تمامًا، وهذا النوع من البشر يشبه المنافق في كل تصرفاته، يلقاك بوجه ويتكلم في ظهرك بالسوء.
وقد وردت أحاديث نبويَّة تحذِّر من اتخاذ أصدقاء من هذه الفئة؛ ففي حديث أبي هريرة - رَضِيَ اللهُ عنهُ - أنَّ رسول الله - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ - قال: «تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهليَّة خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون خير الناس في هذا الشأن أشد له كراهية، وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه ويأتي هؤلاء بوجه» (رواه البخاريُّ ومُسلمٌ). وفي لفظ: «تجد من شرار الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه» (البخاريُّ).
فالمعدن كما ذكر الحديث طيب بالأساس، سواء في الجاهليَّة أو بعد الإسلام؛ فمن كان معدنه نقيًّا صادقًا سيظل هكذا على الدوام، ومن كان معدنه سيئًا يتلوَّن كل وقت بلون فهذا هو المقصود بـ«ذي الوجهين».
وفسَّر أهلُ العلم «ذا الوجهين» بالمنافق وبأن فعله من أشرِّ الأفعال؛ لأنه يُظهر خلاف ما يضمر؛ يخدعك ويكذب عليك وهو في الأصل ينافق ولا يقول الحقيقة على الإطلاق.
ولا شك أن هذا الشخص المتصف بذي الوجهين ينشر الفساد بين الناس، يمدح فلانًا ويذهب إلى مكان آخر يذمه ويعيبه، فهذا فساد في العلاقات وتشويه للآخرين دون وجه حق؛ لذلك كان لذي الوجهين يوم القيامة عقوبة مغلظة بيَّنها لنا هذا الحديث الشريف: عن عمار بن ياسر - رَضِيَ اللهُ عنهُ – أنه قال: قال رسول الله - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ -: «من كان له وجهان في الدنيا كان له يوم القيامة لسانان من نار» (رواه أبو داود).
فالجزاء من جنس العمل، فذو الوجهين عقوبته لسانان من نار؛ لأن لسانه كان له حالان: منافق يُظهر وجهًا ويُضمر آخر، فكان عقابه شديدًا، نعوذ بالله من ذلك.
وبعد بيان هذا الصنف وتوضيحه يتبادر إلى الأذهان سؤال: هل ذو الوجهين أمين؟
الإجابة: بالطبع لا يمكن لشخص منافق أن يكون أمينًا على شيء، فعلينا الحذر منه وألَّا نفشي له سرًّا من أسرار حياتنا ولا نصادقه بشكل مبالغ فيه، بل نتعامل معه على قدر الحاجة والضرورة فقط.
ولا يصلح هذا النوع أن يكون صديقًا حميمًا نأتمنه على أسرارنا المهمَّة أو حتى نتعلَّق به بوصفه شخصًا مهمًّا في حياتنا؛ لأنه شخص يسعى دائمًا إلى الإفساد بين الناس وتفريق شملهم ونزع المحبة والألفة من القلوب؛ لذا لا نتخذه خليلًا ولا نأتمنه بأي حال، وهذا ما وضحه لنا النبي - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ - ففي حديث أبي هريرة - رَضِيَ اللهُ عنهُ – أنه قال: إن رسول الله - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ – قال: «لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون أمينًا» (رواه البخاريُّ ومُسلمٌ).
فأُوصي نفسي وإياكم بالاهتمام بأمر الصحبة ومصادقة أصحاب المعادن الأصيلة النقية الذين لا تغيرهم السنوات ولا يتلوَّنون في كل موقف بلون، والحذر كل الحذر من ذي الوجهين الذي لا يعرف صداقة ولا يحب الخير لأحد؛ لما في قلبه من حقد وغلٍّ لغيره.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين تُذكر قمم الكرة القطرية، يتقدّم اسم العربي والريان دون استئذان. هذا اللقاء يحمل في طيّاته أكثر من مجرد ثلاث نقاط؛ إنها مواجهة تاريخية، يرافقها جدل جماهيري ممتد لسنوات، وسؤال لم يُحسم حتى اليوم: من يملك القاعدة الجماهيرية الأكبر؟ في هذا المقال، سنبتعد عن التكتيك والخطط الفنية، لنركز على الحضور الجماهيري وتأثيره القوي على اللاعبين. هذا التأثير يتجسد في ردود الأفعال نفسها: حيث يشدد الرياني على أن "الرهيب" هو صاحب الحضور الأوسع، بينما يرد العرباوي بثقة: "جمهورنا الرقم الأصعب، وهو ما يصنع الفارق". مع كل موسم، يتجدد النقاش، ويشتعل أكثر مع كل مواجهة مباشرة، مؤكدًا أن المعركة في المدرجات لا تقل أهمية عن المعركة على أرضية الملعب. لكن هذه المرة، الحكم سيكون واضحًا: في مدرجات استاد الثمامة. هنا فقط سيظهر الوزن الحقيقي لكل قاعدة جماهيرية، من سيملأ المقاعد؟ من سيخلق الأجواء، ويحوّل الهتافات إلى دعم معنوي يحافظ على اندفاع الفريق ويزيده قوة؟ هل سيتمكن الريان من إثبات أن جماهيريته لا تُنافس؟ أم سيؤكد العربي مجددًا أن الحضور الكبير لا يُقاس بالكلام بل بالفعل؟ بين الهتافات والدعم المعنوي، يتجدد النقاش حول من يحضر أكثر في المباريات المهمة، الريان أم العربي؟ ومن يمتلك القدرة على تحويل المدرج إلى قوة إضافية تدفع فريقه للأمام؟ هذه المباراة تتجاوز التسعين دقيقة، وتتخطى حدود النتيجة. إنها مواجهة انتماء وحضور، واختبار حقيقي لقوة التأثير الجماهيري. كلمة أخيرة: يا جماهير العربي والريان، من المدرجات يبدأ النصر الحقيقي، أنتم الحكاية والصوت الذي يهز الملاعب، احضروا واملأوا المقاعد ودعوا هتافكم يصنع المستحيل، هذه المباراة تُخاض بالشغف وتُحسم بالعزيمة وتكتمل بكم.
1662
| 28 ديسمبر 2025
تستضيف المملكة المغربية نهائيات كأس الأمم الإفريقية في نسخة تحمل دلالات عديدة على المستويين التنظيمي والفني، حيث يؤكد المغرب مرة أخرى مدى قدرته على احتضان كبرى التظاهرات القارية، مستفيدًا من بنية تحتية متطورة وملاعب حديثة وجماهير شغوفة بكرة القدم الإفريقية. مع انطلاق الجولة الأولى للبطولة، حققت المنتخبات العربية حضورًا قويًا، إذ سجلت مصر والمغرب والجزائر وتونس انتصارات مهمة، مما يعكس طموحاتها الكبيرة ورغبتها الواضحة في المنافسة على اللقب منذ البداية. دخل منتخب المغرب، صاحب الأرض والجمهور، البطولة بثقة واضحة، معتمدًا على الاستقرار الفني وتجانس اللاعبين ذوي الخبرة. كان الفوز في المباراة الافتتاحية أكثر من مجرد ثلاث نقاط، بل رسالة قوية لبقية المنافسين بأن «أسود الأطلس» عازمون على استغلال عاملي الأرض والجمهور بأفضل صورة ممكنة. أما منتخب الفراعنة، صاحب الرقم القياسي في عدد الألقاب، فقد أظهر شخصية البطل المعتاد على البطولات الكبرى، وقد منح الانتصار الأول للفريق دفعة معنوية كبيرة، خاصة أن بدايات البطولات غالبًا ما تحدد الطريق نحو الأدوار المتقدمة. من جهته، أكد المنتخب الجزائري عودته القوية إلى الواجهة الإفريقية، بعد أداء اتسم بالانضباط التكتيكي والفعالية الهجومية. أعاد الفوز الأول الثقة للجماهير الجزائرية، وأثبت أن «محاربي الصحراء» يملكون الأدوات اللازمة للمنافسة بقوة على اللقب. ولم تكن تونس بعيدة عن هذا المشهد الإيجابي، حيث حقق «نسور قرطاج» فوزًا مهمًا يعكس تطور الأداء الجماعي والقدرة على التعامل مع ضغط المباريات الافتتاحية، مما يعزز حظوظهم في مواصلة المشوار بنجاح. كلمة أخيرة: شهدت الجولة الأولى من البطولة مواجهات كروية مثيرة بين كبار المنتخبات العربية والأفريقية على حد سواء. الأداء المتميز للفرق العربية يعكس طموحاتها الكبيرة، في حين أن تحديات المراحل القادمة ستكشف عن قدرة كل منتخب على الحفاظ على مستواه، واستغلال نقاط قوته لمواصلة المنافسة على اللقب، وسط أجواء جماهيرية مغربية حماسية تضيف مزيدًا من الإثارة لكل مباراة.
1119
| 26 ديسمبر 2025
أدت الثورات الصناعيَّة المُتلاحقة - بعد الحرب العالميَّة الثانية - إلى تطوُّر طبيٍّ هائل؛ مِمَّا أضحت معه العديد من الأعمال الطبيَّة غاية في البساطة، واكتُشِفتْ علاجاتٌ لأمراض كانت مُستعصية، وظهرت اللقاحات والمضادات الحيويَّة التي كان يُطلق عليها «المعجزة». ولمواكبة التطور الطبيِّ المُتسارع كان لزامًا على القانونيين مُسايرة هذا التطوُّر؛ إذ يُرافق التقدُّم الطبيُّ مخاطر عديدة، منها ما هو معروف ومنها المجهول الذي لا يُعرف مداه ولا خطره. ومن أهم القوانين المُقارنة التي يجدر بالمشرِّعين دراسة تبنِّيها؛ هي تجربة القضاء الفرنسي الذي تَوجَّه نحو تعزيز الحماية للمرضى، من خلال تبنِّيه لآليَّات تضمن حصولهم على تعويض جابر للضرر دون إرهاق كاهلهم بإثبات خطأ فني طبي يصعب فهمه، فكيف بإثباته؟! ففي بداية التسعينيات أقرَّ القضاء الفرنسي التزام المستشفى بضمان السلامة، وذلك بمناسبة عِدَّة قضايا؛ ففي إحدى هذه القضايا قام رجل باللجوء إلى مستشفى لإجراء عمليَّة جراحيَّة، وبعد الانتهاء منها تبيَّن إصابته بعدوى من غرفة العمليَّات، وعندما وصلت القضية إلى محكمة النقض أقرَّت بالتزام المستشفى بالسلامة الجسديَّة، وبموجب هذا الالتزام تَضمَنُ المستشفيات سلامة المريض من التعرُّض لضرر لا يتعلق بحالته المرضيَّة السابقة. فمن حق المريض الذي يلجأ إلى المستشفى لتلقِّي العلاج من عِلَّة مُعيَّنة عدم خروجه بِعِلَّةٍ أخرى غير التي كان يُعاني منها. غير أن السؤال المطروح هنا، من أين أتت المحكمة بالالتزام بالسلامة؟ تكمن الإجابة في أن المحكمة أخذت هذا الالتزام من التزام الناقل بالسلامة؛ إذ تلتزم شركة الطيران، على سبيل المثال، بنقل الركاب من نقطة إلى أخرى بسلامة دون تعرُّضهم لأذًى، كما تلتزم شركة نقل البضاعة بنقلها دون تعرُّضها لتلف أو ضرر، وهذا الالتزام يُعدُّ التزامًا بتحقيق نتيجة، قِوامها سلامة الراكب أو البضاعة المنقولة، وبمجرد تعرضها لأذى تلتزم حينها الشركة بالتعويض. وعلى نفس السياق؛ فإن التزام المستشفى بضمان السلامة الجسديَّة هو التزام بتحقيق نتيجة؛ إذ توسَّع القضاء الفرنسي في هذا الالتزام ليشمل المسؤوليَّة عن العمل الطبي؛ لتعزيز سلامة المرضى، وتسهيلًا لحصولهم على تعويض يجبر ضررهم. ولم يقتصر التطور القضائي على هذا النحو، بل أقرَّ مجلس الدولة الفرنس المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، وذلك في حكمها بمناسبة قضية (Bianchi) الشهيرة بتاريخ 09/04/1993؛ إذا دخل السيد (Bianchi) المستشفى لإجراء تصوير بالأشعة لشرايين العمود الفقري، وهو ما يُعتبر فحصًا عاديًّا، غير أنه قد نتج عنه شلل كامل، ولم يثبت من خلال الخبرة وجود خطأ طبي؛ مِمَّا أدَّى إلى رفض الدعوى من قِبل محكمة مرسيليا الإداريَّة، وعندما عُرض الأمر لأول مرة على مجلس الدولة عام 1988 رفضت منحه التعويض، وقد أُعيد عرض القضية وقضت في عام 1993 بإلزام المستشفى بالتعويض تأسيسًا على المسؤوليَّة غير القائمة على خطأ. ونتيجة لذلك تبنَّى المشرع الفرنسي نظامًا للتعويض غير قائم على الخطأ في عام 2002؛ فأنشأ صندوقًا للتعويض عن الحوادث الطبية التي تقع دون إمكانيَّة إثبات المريض لخطأ طبي؛ ليُعزِّز من سلامة المرضى ويوفِّر الحماية اللازمة في ضوء التطورات الطبيَّة المُتسارعة. وقد أقرَّت العديد من الدول المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، ومنها الولايات المتحدة الأمريكيَّة التي أقرَّت نظامًا للتعويض عن الأضرار الناجمة من لقاحات أطفال مُعيَّنة بموجب قانون صادر من قبل الكونغرس الأمريكي عام 1991، كما أقرَّت نيوزلندا نظامًا شاملا للمسؤوليَّة الطبيَّة دون الحاجة إلى إثبات خطأ طبي. ختامًا، يتعين على المشرع القطري دراسة السياسات التشريعيَّة الحديثة في المسؤوليَّة الطبيَّة، ويجب كذلك على القضاء دراسة التوجهات القضائيَّة المقارنة في المسؤوليَّة الطبيَّة وتبنِّي آليَّات تُوفِّر الحماية اللازمة للمرضى، وخاصة في ضوء الثورة الصناعيَّة الرابعة وما يُصاحبها من تطور تقني هائل، وما يُرافقها من مخاطر مجهولة لا يُعرف مداها ولا يُمكن تقدير جسامتها. والله من وراء القصد.
816
| 29 ديسمبر 2025