رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

327

سعدية مفرح

اليسر وليس العسر

02 مارس 2026 , 05:10ص

﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ آية قصيرة في مبناها واسعة في معناها، تتسلل إلى القلب كما يتسلل الضوء إلى غرفة أُغلقت طويلاً، فتوقظ في المرء إحساسًا خفيًا بأن الحياة لم تُخلق لتكون حلبة اختبار دائمة، ولا ساحة عقاب مفتوح، وإنما ممر رحيم يعبره بخطى متدرجة، يتعلم ويتعثر ويستعيد توازنه ثم يمضي.

كلما تأملت هذه الآية شعرت أن الخطاب فيها حميمي، كأنه يلامس كتف المتعب ويقول له إن التكليف في جوهره تيسير، وإن الشريعة في أصلها رفق، وإن الله الذي خلق هذا القلب أدرى بما يثقله وما يخففه. اليسر هنا ليس ترخيصًا عابرًا، ولا تنازلاً مؤقتًا، وإنما هو فلسفة كاملة في النظر إلى العبادة وإلى الحياة معًا. فالصوم الذي نمارسه كل عام في رمضان لا يُفرض على المريض، والمسافر يُؤذن له أن يؤجل، والضعف يُراعى، والنسيان يُعفى عنه، والخطأ يُغفر بالتوبة. كأن الآية ترسم حدود العلاقة بين السماء والأرض، فتقول إن الله لا يطلب من عباده ما ينهكهم، وإنما ما يزكيهم.

غير أن ما يلفتني في الآية ليس بعدها الفقهي وحده، وإنما بعدها النفسي أيضًا. كم من شخص يحمّل نفسه أعباء إضافية باسم الدين، ويمارس على روحه قسوة لم يطلبها الله منه، ويظن أن المشقة غاية، وأن الألم دليل صدق، وأن الطريق إلى الله مفروش بالأشواك حصراً. بينما الآية تعيد ترتيب هذا التصور كله، وتهمس بأن القصد هو الطمأنينة، وأن اليسر ليس استثناءً بل أصل.

وحين ننظر إلى حياتنا اليومية نجد أننا نختبر هذه المعادلة باستمرار. أمٌ تسهر على طفلها المريض، وتظن أنها مقصّرة لأنها لم تُكمل وِردها اليومي من القرآن الكريم، وموظف يجلد ذاته لأنه لم ينجز فوق طاقته، وزوجة تخاف أن تعترف بتعبها كي لا تُتهم بالضعف. هؤلاء جميعًا يحتاجون إلى أن يسمعوا الآية كما لو أنها قيلت لهم وحدهم. يريد الله بكم اليسر، أي أنه يعلم حدود الجسد وحدود الروح، ويعلم أن الإرهاق لا يصنع فضيلة، وأن الاعتدال هو الطريق الأقرب إلى الثبات.

وهنا يتقاطع معنى اليسر مع معنى العدل، فالعدل أن يُخاطَب المرء بما يستطيع، وأن يُحاسَب على ما يملك، وأن يُعطى فسحة حين تضيق به السبل. والعسر في الآية ليس مجرد مشقة عابرة، وإنما تضييق دائم، واختناق في الروح، وإحساس بأن الحياة فخ محكم. لذلك جاء النفي قاطعًا، ولا يريد بكم العسر، وكأن العسر غريب عن جوهر الرسالة، طارئ على مقاصدها.

وقد تأملت كثيرًا كيف تتجلى هذه الآية في تفاصيل صغيرة، في رخصة المسح على الجبيرة، وفي سقوط بعض الواجبات عن العاجز، وفي فتح باب التوبة على مصراعيه مهما تعاظم الخطأ. كل ذلك يشير إلى أن العلاقة مع الله ليست عقدًا صارمًا بين سيد وعبد، وإنما صلة رحمة، ومساحة أمان، ونداء دائم إلى التوازن.

ولعل أجمل ما في هذه الآية أنها تعيد للمرء ثقته بربه وبنفسه معًا، فتقول له إن الطريق إليه ليس متاهة، وإن العبادة ليست امتحانًا دائم الرسوب، وإن السقوط لا يلغي المحاولة. وهي في الوقت نفسه تضع مسؤولية أخلاقية علينا، فكما أراد الله لنا اليسر، ينبغي أن نريده لبعضنا، في الأسرة والعمل والمجتمع، وأن نكف عن تحويل الحياة إلى سباق مرهق لإثبات الاستحقاق.

أقرأ الآية فأشعر أنها ترفع عن كتفي شيئًا خفيًا، وتدعوني إلى أن أكون أكثر رفقًا بنفسي وبالآخرين، وأن أفهم الدين بوصفه مساحة حياة لا عبئًا إضافيًا. وحين أستعيدها في لحظات التعثر أجدها تقول لي إن الطريق مهما طال يظل ممهورًا بالرحمة، وإن الله الذي أراد بنا اليسر لا يتركنا أسرى للعسر، ما دمنا نسعى ونتعثر ونعود.

اقرأ المزيد

alsharq تأثير النزاعات الجيوسياسية على عقود الشركات

لم تعد تداعيات التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط مقتصرة على حدود المنطقة، بل امتدت لتلقي بظلالها على المشهد... اقرأ المزيد

249

| 24 مارس 2026

alsharq توحيد الخطاب: ضرورة وطنية ملحة

بلا مقدمات، فالموقف الجيوسياسي يعتبر الآن محط الاهتمام وبحساسية فائقة باتت بين أطراف تتنافر عند السلم، بل وأصبحت... اقرأ المزيد

198

| 24 مارس 2026

alsharq قطر.. نموذج في إدارة الأزمة والتعامل مع حالات الطوارئ

جاء إعلان الأمانة العامة لمجلس الوزراء الذي يتعلق بعودة دولاب العمل في في كافة الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى... اقرأ المزيد

105

| 24 مارس 2026

مساحة إعلانية