رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. هلا السعيد

مساحة إعلانية

مقالات

201

د. هلا السعيد

حين يكون الفرح شاملًا يكبر الوطن في عيون أطفاله

02 مارس 2026 , 04:23ص

في منتصف رمضان، تتزين بيوتنا وتنبض شوارعنا بأصوات الأطفال وهم يرددون أهازيج القرنقعوه، يحملون أكياسهم الصغيرة وقلوبهم الممتلئة شغفًا. القرنقعوه ليس مجرد مناسبة لتوزيع الحلوى، بل هو ذاكرة جمعية، وصورة من صور الهوية القطرية والخليجية، وطقس اجتماعي يرسخ في الطفل معنى الانتماء والبهجة المشتركة. لكن وسط هذا المشهد الجميل، يبرز سؤال مهم: هل كل أطفالنا يعيشون هذه اللحظة بالقدر ذاته من الفرح؟ ماذا عن الأطفال من ذوي الإعاقة؟ هل نراهم مشاركين في قلب الحدث، أم متفرجين على أطرافه؟

الطفل ذو الإعاقة لا يحتاج امتيازًا خاصًا في الاحتفال، بل يحتاج فرصة عادلة. يحتاج أن نُفكر في تفاصيل قد تبدو صغيرة لكنها بالنسبة له فارقة: ممر مهيأ لمن يستخدم الكرسي المتحرك، تخفيف حدة الصوت لطفل لديه حساسية سمعية، تنظيم بصري واضح لطفل على طيف التوحد، وجود متطوعين مدرّبين يعرفون كيف يتعاملون بلطف وفهم، لا بدهشة أو شفقة.

الدمج في الاحتفالات التراثية رسالة عميقة تتجاوز اللحظة. عندما يشارك الطفل ذو الإعاقة في القرنقعوه، فهو لا يحصل على كيس حلوى فحسب، بل يحصل على اعتراف ضمني بأنه جزء أصيل من هذا المجتمع، من ثقافته، من ذاكرته الجماعية. يشعر أن له مكانًا محفوظًا في الصورة، وأن اسمه مكتوب في قائمة الفرح.

كثيرًا ما نتحدث عن الدمج في المدارس، في القوانين، في البرامج التعليمية. لكن الدمج الحقيقي يُختبر في الحياة اليومية، في الشارع، في المسجد، في الحديقة، وفي مناسبات الفرح. لأن الطفل يتعلم من التجربة أكثر مما يتعلم من الشعارات. حين يرى زملاءه يقفون بجانبه دون تمييز، وحين يشعر أن المجتمع يستوعبه بطبيعته، تنمو ثقته بنفسه، ويتعزز تقديره لذاته، وتتشكل لديه هوية متوازنة.

كما أن إشراك ذوي الإعاقة في القرنقعوه يُربي بقية الأطفال على القبول. يتعلمون أن الاختلاف طبيعي، وأن لكل إنسان قدراته وتحدياته، وأن المشاركة لا تُقصي أحدًا. هكذا نصنع جيلًا أكثر وعيًا ورحمة، جيلًا يرى التنوع قوة لا عبئًا.

إن الاحتفال الشامل لا يتطلب إمكانات خارقة، بل يتطلب نية واعية وتخطيطًا بسيطًا. أن نسأل أنفسنا قبل أي فعالية: هل هذه البيئة مناسبة للجميع؟ هل فكرنا في الطفل الذي قد يتردد بسبب ازدحام أو ضجيج؟ هل تركنا مساحة هادئة لمن يحتاج؟ هذه الأسئلة الصغيرة تصنع فرقًا كبيرًا.

القرنقعوه فرصة سنوية لنقول عمليًا إن الفرح حق للجميع، أن نُثبت أن تراثنا يتسع لكل أبنائه، أن نُرسل رسالة صامتة لكنها عميقة: لا أحد خارج دائرة الاحتفال.

حين يكون الفرح شاملًا، يكبر في عيون الأطفال معنى الوطن، وحين نُراعي أضعف الفئات، نُثبت أننا مجتمع قوي بإنسانيته، فلنجعل كل احتفال مساحة احتواء، وكل أهزوجة دعوة مفتوحة، وكل كيس حلوى رمزًا لمجتمع لا ينسى أحدًا.

مساحة إعلانية