رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

بالكبر يضعف النظر لكن الرؤية تتضح أكثر

جملة قصيرة تختصر رحلة عمر كاملة؛ رحلة تبدأ بالاندفاع وتنتهي بالحكمة، تبدأ بكثرة الأسئلة وتنتهي بقلة الحيرة. حين نكبر، قد لا تعود أعيننا ترى التفاصيل الدقيقة كما كانت، وربما نحتاج إلى نظارة أو إضاءة أقوى، لكن ما ينمو في الداخل أعظم بكثير. البصيرة تتسع بهدوء، والعقل يتعلم أن يفرّق بين المهم والعابر، بين ما يستحق الوقوف عنده وما يكفي أن نمرّ به دون ضجيج. في سنوات الشباب، نرى كل شيء مكبّرًا. الألم يبدو نهاية العالم، والخسارة كارثة، والاختلاف تهديدًا. ننشغل بإثبات أنفسنا، ونركض خلف أحلام قد لا تكون لنا بقدر ما هي انعكاس لتوقعات الآخرين. نريد أن نكسب كل المعارك، وأن نرضي الجميع، وأن نحصل على اعتراف دائم بقيمتنا. نرى كثيرًا، لكننا لا نفهم إلا القليل. ومع التقدم في العمر، لا تصبح الحياة أسهل بالضرورة، لكنها تصبح أوضح. نتعلم أن بعض المعارك لا تستحق الدخول أصلًا، وأن السلام الداخلي أغلى من أي انتصار ظاهري. نكتشف أن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، وأن الابتعاد في بعض المواقف ليس ضعفًا بل حكمة، وليس هروبًا بل حفاظًا على ما تبقى من طاقة القلب. الرؤية هنا لا تعني قوة البصر، بل وضوح المعنى. نفهم الناس أكثر، لا لأنهم تغيّروا، بل لأننا لم نعد نطلب منهم الكمال. ندرك أن لكل إنسان ألمه الخفي، وأن القسوة غالبًا قناع، وأن الطيبة الصادقة لا تحتاج إعلانًا. نتوقف عن إصدار الأحكام السريعة، ونمنح الأعذار، ونختار الرحمة حين نستطيع. مع الكِبَر، نعيد تعريف النجاح. لم يعد منصبًا أو لقبًا أو تصفيقًا، بل راحة ضمير، ونومًا هادئًا، وعلاقات صادقة لا تقوم على المصلحة. نكتشف أن السعادة ليست في كثرة ما نملك، بل في قلة ما نحتاج، وأن الامتنان اليومي أبسط علاج للقلق وأعمق مصدر للطمأنينة. حتى الألم نراه بعين مختلفة. لا يختفي، لكنه يفقد حدّته. نفهم أنه معلّم قاسٍ لكنه صادق، وأن كثيرًا مما كسرنا يومًا هو ما صاغ وعينا اليوم. نتوقف عن لعن التجارب الصعبة، ونبدأ في شكرها لأنها كشفت لنا حدودنا وقوتنا في آنٍ واحد. بالكبر، نتصالح مع فكرة أن الحياة ليست عادلة دائمًا، لكنها رغم ذلك مليئة بالمعاني. نتوقف عن سؤال: لماذا حدث هذا لي؟ ونبدأ بسؤال أهدأ: ماذا تعلّمت؟ وكيف أعيش أخفّ؟ نعم، قد يضعف النظر مع الزمن، لكن الرؤية تتضح. نعرف أين نضع قلوبنا قبل أقدامنا، وأين لا يستحق الأمر أن نستنزف أعمارنا. وتلك ليست خسارة، بل هدية العمر الحقيقية.

270

| 24 فبراير 2026

رمضان وأبناؤنا بين الروح والتربية

يأتي رمضان كل عام ضيفًا عزيزًا، يحمل في طيّاته السكينة، ويمنح البيوت دفئًا مختلفًا. لكن السؤال الذي يشغل قلبي دائمًا: كيف نُدخل أبناءنا إلى روح رمضان، لا إلى شكله فقط؟ رمضان ليس امتناعًا عن الطعام فحسب، بل هو مدرسة تربوية متكاملة. مدرسة للصبر، وضبط النفس، وتنظيم الوقت، والشعور بالآخر. أطفالنا لا يتعلمون رمضان من الأوامر، بل من المشهد اليومي الذي يعيشونه. من طريقة حديثنا قبل الإفطار، من هدوئنا ونحن صائمون، من دعواتنا الصادقة، ومن علاقتنا بالقرآن. كثير من الأسر تركّز على سؤال: متى يصوم الطفل؟ والأجمل أن نسأل: كيف نُحبّبه في الصيام؟ التدرّج هو المفتاح. ساعات صيام بسيطة، كلمات تشجيع، احتفاء بأول محاولة، شهادة تقدير عائلية صغيرة… كلها تصنع ذاكرة جميلة. لا نريد لطفلنا أن يرتبط رمضان لديه بالتعب والغضب، بل بالفرح والإنجاز والانتماء. أما أبناؤنا من ذوي الإعاقة، فهم أولى بأن نمنحهم تجربة تناسب قدراتهم. ليس المطلوب تكليفًا يفوق طاقتهم، بل إشراكهم في الطقوس اليومية: ترتيب المائدة، توزيع التمر، تعليق الزينة، أو اختيار دعاء قصير. بعضهم قد لا يستطيع الصيام لأسباب صحية، وهنا تكون الرحمة أولى من المقارنة. يمكن تعويض ذلك بأعمال خير بسيطة أو مهام تعزز لديهم الشعور بالقيمة والمشاركة. ورمضان فرصة ذهبية لغرس القيم الاجتماعية. حين نصطحب أبناءنا لإيصال وجبة لجار، أو نضع صندوقًا صغيرًا للصدقة في المنزل، أو نشرح لهم معنى الجوع بلغة الرحمة، فإننا نحوّل الصوم إلى وعي، والعبادة إلى سلوك. الطفل يتعلّم العطاء حين يراه ممارسة يومية لا درسًا نظريًا. ولأن التربية في رمضان تحتاج وعيًا مقصودًا، فهذه بعض النصائح العملية للأسر: أولًا: ضعوا روتينًا واضحًا لليوم الرمضاني، يتضمن وقت نوم كافيًا، ووقتًا للقراءة أو العبادة، ونشاطًا خفيفًا يناسب أعمارهم. ثانيًا: خففوا التوقعات في الأيام الأولى، فالجسم يحتاج وقتًا للتكيّف مع الصيام. ثالثًا: اجعلوا وقت الإفطار مساحة هدوء وامتنان، وابتعدوا عن النقاشات الحادة قبل الأذان. رابعًا: خصصوا دقائق يومية لحوار رمضاني بسيط، سؤال مفتوح يجيب عنه كل فرد في الأسرة. خامسًا: احتفلوا بالإنجازات الصغيرة، فالتقدير يصنع دافعية داخلية عميقة. ولا ننسى أن أطفالنا يراقبون انفعالاتنا أكثر مما يسمعون كلماتنا. إن كان رمضان موسم توتر، فستترسخ لديهم صورة مشوشة عنه. وإن كان موسم طمأنينة وتسامح، فسيشتاقون له كل عام. رمضان ليس سباقًا في عدد الختمات، بل سباق في عدد القلوب التي نُصلحها. وأقرب القلوب إلينا قلوب أبنائنا. فلنجعل هذا الشهر فرصة لنغرس فيهم معنى الصبر، والرحمة، والانتماء… ولنتذكر أننا نربي أنفسنا أمامهم قبل أن نربيهم.

219

| 16 فبراير 2026

حين تصبح الرياضة أسلوب حياة للجميع

في اليوم الرياضي للدولة، تمتلئ الساحات بالحركة، والملابس الرياضية، والابتسامات، ويعلو صوت التشجيع. يبدو المشهد جميلًا ومألوفًا، لكن خلف هذا اليوم رسالة أعمق من مجرد فعالية عابرة. هو يوم نحتفي فيه بالجسد، وبالصحة، وبالإنسان، ونُذكَّر بأن الرياضة ليست حدثًا موسميًا، بل ممارسة ينبغي أن تتحوّل إلى أسلوب حياة. رياضة ذوي الإعاقة… القوة الحقيقية رياضة ذوي الإعاقة تحديدًا تفتح أمامنا فهمًا مختلفًا لمعنى القوة. هي ليست قصة شفقة، ولا عنوان “تحدّي” يُستهلك في الخطاب، بل حق أصيل في الحركة، وفي الفرح، وفي الشعور بالإنجاز. حين نمنح الأشخاص ذوي الإعاقة فرصة ممارسة الرياضة بانتظام، نحن لا ندرّب أجسادهم فقط، بل نغذّي ثقتهم بأنفسهم، ونرسّخ شعورهم بالانتماء والمشاركة. في هذا اليوم، نشاهد أطفالًا وشبابًا من ذوي الإعاقة يشاركون في أنشطة رياضية متنوعة، بعضهم يخطو خطوات صغيرة، وبعضهم يحقق إنجازات كبيرة، لكن القاسم المشترك بينهم جميعًا هو الإصرار. الرياضة هنا لا تُقاس بالنتيجة، بل بالاستمرارية، وبالقدرة على المحاولة مرة بعد أخرى. هل يكفي يوم واحد؟ لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه: هل يكفي يوم واحد في السنة؟ أم أن قيمة اليوم الرياضي الحقيقية تكمن في أن يكون نقطة بداية لا محطة نهاية؟ تحديد يوم رياضي ليس هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة ذكية لنعتاد الممارسات الصحية الجديدة. يوم نُعيد فيه ترتيب أولوياتنا، ونذكّر أنفسنا وأبناءنا بأن الحركة جزء من الحياة اليومية، لا رفاهية مؤجلة. وحين يتحوّل هذا اليوم إلى عادة أسبوعية أو روتين مستمر، تصبح الرياضة لغة مشتركة داخل الأسرة، والمدرسة، والمركز، والمجتمع. الاستمرارية… المفتاح الحقيقي بالنسبة لذوي الإعاقة، الاستمرارية هي المفتاح الحقيقي. رياضة منتظمة تعني تحسّنًا جسديًا، واستقرارًا نفسيًا، وتواصلًا اجتماعيًا أفضل. هي تعني مزيدًا من الاستقلالية، ومزيدًا من الثقة، ومزيدًا من الإيمان بالقدرة على الإنجاز. اليوم الرياضي للدولة يضع الإطار، لكن مسؤوليتنا أن نملأ هذا الإطار بالممارسة الفعلية. أن نختار يومًا ثابتًا للحركة، أن نُبسّط الرياضة لتكون متاحة للجميع، وأن نؤمن بأن التغيير لا يحتاج قفزات كبيرة، بل خطوات صغيرة مستمرة. حين نعلّم أبناءنا، ومنهم ذوو الإعاقة، أن الرياضة أسلوب حياة، نحن نمنحهم أداة لحياة أكثر صحة وتوازنًا. وحين تتحرّك الأجساد بانتظام، تتحرّك معها النفوس، وتتغيّر النظرة، ويصبح الدمج ممارسة يومية لا شعارًا موسميًا. دعوة للأسر وهنا تأتي الدعوة الأهم… دعوة صادقة لكل أسرة، ولكل أب وأم: لا تجعلوا الرياضة ذكرى مرتبطة بيوم واحد في السنة، ولا نشاطًا استثنائيًا يحتاج مناسبة. اختاروا يومًا ثابتًا في الأسبوع، ساعة بسيطة، حركة خفيفة، مشي، تمارين، لعبة جماعية، أي شيء يحرّك الجسد ويُنعش الروح. بالنسبة لأبنائنا من ذوي الإعاقة، وجود الأسرة هو الدافع الأول للاستمرار. حين يرى الطفل أو الشاب أن الرياضة جزء من روتين العائلة، وليست عبئًا أو واجبًا، تتحول إلى متعة وأمان وثقة. لا تبحثوا عن الكمال، ولا عن الأداء المثالي، بل عن الاستمرارية، فالقليل الدائم أقوى من الكثير المنقطع. دعونا نعلّم أبناءنا أن الحركة حق، وأن الجسد أمانة، وأن الرياضة أسلوب حياة لا يُقاس بالسرعة ولا بالإنجاز، بل بالمواظبة. يوم واحد قد يلفت الانتباه، لكن يومًا نكرّره كل أسبوع يصنع الفرق الحقيقي. الخاتمة في اليوم الرياضي… لنحتفل بالحركة، ولنختَر الاستمرار، فالقوة الحقيقية ليست في يوم واحد، بل في عادة تدوم.

231

| 10 فبراير 2026

حين تغيرت الحياة.. وصارت المرأة ترى نفسها أولًا

أحيانًا لا نحتاج إلى دراسات أو أرقام لندرك أن الحياة تغيّرت، يكفي أن ننظر حولنا قليلًا. صالونات التجميل منتشرة، السوشيال ميديا حاضرة في كل يد، ومصطلح “حب الذات” لم يعد غريبًا أو مثيرًا للدهشة. لكن السؤال الذي يراودني دائمًا: هل تغيرت الحياة فعلًا؟ أم تغيرت نظرتنا لأنفسنا؟ أتذكر كيف كانت المرأة قديمًا، خاصة بعد سن الخمسين، تُقاس قيمتها بما قدمته للآخرين. كانت أمًا، زوجة، عمود بيت، ومصدر أمان للجميع، لكنها غالبًا آخر من يفكر بنفسه. الاهتمام بالذات كان مؤجلًا، مؤطرًا بجملة مألوفة: “خلص العمر” أو “مو وقته”. وكان التقدم في السن يُستخدم كذريعة للانسحاب الهادئ من المشهد، وكأن الظهور حكر على الشباب فقط. اليوم، المشهد مختلف. المرأة فوق الخمسين لم تعد تختفي، بل تظهر بثقة وهدوء. تدخل صالون التجميل لا لتُرضي الآخرين، بل لتشعر بالرضا عن نفسها. تهتم بمظهرها، بصحتها، بوقتها، لا لأنها تنكر عمرها، بل لأنها تصالحت معه. السوشيال ميديا لعبت دورًا مزدوجًا في هذا التحول. من جهة، كسرت الصور النمطية، وقدمت نماذج لنساء ناضجات، فاعلات، جميلات بحضورهن وخبرتهن، لا يخجلن من أعمارهن ولا من تجاعيدهن. ومن جهة أخرى، رفعت سقف المقارنة، وخلقت ضغطًا خفيًا، وكأن على المرأة أن تظل شابة شكلاً، حتى لو تعبت روحًا. أما “حب الذات”، فهو المفهوم الأكثر التباسًا في زمننا. في جوهره، هو وعي وشفاء، واحترام للنفس بعد سنوات طويلة من العطاء والتضحية والصبر. لكنه أحيانًا يتحول إلى شعار فارغ، أو استعراض خارجي يخفي فراغًا داخليًا لم يُعالَج بعد. الفرق ليس في الكلمات، بل في الصدق مع النفس. التحول الحقيقي اليوم لا يكمن في صالون تجميل، ولا في صورة جميلة، ولا في عدد المتابعين. يكمن في الجرأة على طرح الأسئلة الصعبة: هل أنا سعيدة؟ هل أعيش كما أريد، أم كما اعتدت؟ هل ما أفعله حب للذات أم هروب من مواجهة الداخل؟ المرأة الناضجة اليوم لم تعد تطلب الإذن لتفرح، ولا تعتذر عن اهتمامها بنفسها. تعلمت أن العطاء لا يكون صحيًا إلا إذا بدأ من الداخل، وأن الاهتمام بالذات ليس أنانية، بل ضرورة نفسية، خصوصًا بعد سنوات من الإنهاك الصامت. نعم، الحياة تغيرت. لكن الأهم أن المرأة تغيرت معها. أصبحت أكثر وعيًا، أكثر تصالحًا، وأكثر قدرة على الاختيار. لم تعد تخاف من العمر، بل تخاف من أن تعيش دون معنى. وفي زحمة الصور والفلاتر والضجيج، تبقى الحقيقة الأعمق: أن أجمل ما وصلت إليه المرأة اليوم. أنها صارت ترى نفسها، أخيرًا، جديرة بالاهتمام.

678

| 03 فبراير 2026

اكتشاف الذات بين الطريق والهدف

تناقشتُ أمس «اليوم» مع صديقٍ عزيز أفتخر بمعرفته؛ هو مستشار ومثقف، وبين ثنايا الحديث قال عبارة قصيرة لكنها عميقة: «الحياة رحلة فردية». صمتُّ أمامها، لا لأنني لم أفهمها، بل لأنني شعرت بثقل معناها. توقفت لحظة، وتأملت… كيف يمكن لعبارة بسيطة أن تفتح هذا الكم من الأسئلة داخلنا؟ الحياة رحلة فردية، رحلة لا تشبه أي رحلة أخرى، رغم التشابه الظاهري بين تجارب الناس. قد نسير في الطرق نفسها، ونمر بمحطات متقاربة، لكن كل واحد منا يحمل حقيبته الخاصة؛ تجاربه، أحلامه، مخاوفه، وآلامه. كل إنسان يكتب قصته بنفسه، ولا يمكن لأحد أن يعيشها عنه أو يكمل فصولها بالنيابة عنه. حين تأملت هذه العبارة، شعرت بثقل المسؤولية، لكنها كانت في الوقت نفسه فرصة عظيمة. فرصة لأن أعي أن اختياراتي، وطريقتي في التعامل مع الحياة، هي ما تصنع مساري الحقيقي. يمكن للآخرين أن يشاركوني النصيحة، أن يقترحوا الطريق، أن يحذروني من العثرات، لكن السير… السير لي وحدي. الرحلة الفردية لا تعني الانعزال أو القطيعة مع الآخرين، لكنها تعني تحمّل المسؤولية عن النفس أولًا. تعني أن أتوقف عن مقارنة حياتي بحياة غيري، لأن المقارنة ظلم صريح. نحن لا نرى إلا الواجهة؛ لا نرى الليالي الطويلة من القلق، ولا القرارات الصعبة، ولا الخسارات الصامتة التي سبقت أي نجاح نراه. في هذه الرحلة، أدركت أن الأخطاء ليست عدوًا، بل معلم صادم. كل فشل مررت به كان درسًا قاسيًا أحيانًا، لكنه ضروري. علّمني الصبر، وعلّمني أن النضج لا يأتي سريعًا، وأن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بسرعة الوصول، بل بالقدرة على الاستمرار رغم التعب والخذلان. هذه الرحلة تدعونا أيضًا إلى الاستماع لأنفسنا بصدق. أن نسأل: ماذا نريد حقًا؟ ماذا يناسبنا نحن، لا ما يُفرض علينا؟ اكتشاف الذات ليس رفاهية، بل ضرورة؛ أن نعرف قدراتنا وحدودنا، نقاط قوتنا وضعفنا، وأن نختار الطريق الذي يمنحنا السلام الداخلي لا التصفيق المؤقت. وفي النهاية، نعم… الحياة رحلة فردية، لكنها ليست رحلة وحيدة. يمكن أن نشارك الآخرين بعض الطريق، نتبادل الدعم، نتعلم من التجارب، نخفف عن بعضنا ثقل المسير. لكن جوهر الرحلة، ومعناها الحقيقي، يبقى في الداخل. الحياة ليست مجرد الوصول إلى هدف، بل هي كل خطوة نخطوها، وكل درس نتعلمه، وكل أثر نتركه خلفنا. وحين ندرك ذلك، نتعلم أن نستمتع بالرحلة نفسها، لا أن نؤجل الحياة حتى نصل.

351

| 25 يناير 2026

توثيق اللحظة... حين ننسى أن نعيشها

للأسف، جميعنا نمرّ بلحظات جميلة في حياتنا، لحظات كان من المفترض أن تترك أثرًا دافئًا في قلوبنا، لكننا كثيرًا ما نمرّ بها مرور العابرين. لا لأن اللحظة لم تكن جميلة، بل لأننا لم نمنحها انتباهنا الكامل، وانشغلنا بتوثيقها أكثر من عيشها. نعيش زمنًا غريبًا؛ نرفع الهاتف قبل أن نرفع رؤوسنا، ونوثّق اللحظة قبل أن نشعر بها، ونلتقط الصورة قبل أن يلتقطنا الإحساس. لم نعد نعيش اللحظة كما هي، بل كما ستبدو على الشاشات. كأن وجودنا الحقيقي مؤجّل، مرتبط بعدسة كاميرا، أو فيديو قصير، أو منشور ننتظر صداه. نخشى أن تمر اللحظة دون أن نُثبتها، وكأنها لا تكتمل إلا إذا شاهدها الآخرون وتفاعلوا معها. كم مرة حضرنا مناسبة جميلة؛ فرحًا، لقاءً عائليًا، أو جلسة بسيطة مع من نحب، لكن عيوننا كانت في الشاشة، وأصابعنا تبحث عن الزاوية الأفضل والإضاءة الأجمل، بينما القلب كان غائبًا عن المشهد؟ نضحك، لكن بوعيٍ ناقص، ونبتسم ونحن نفكر: هل التُقطت الصورة؟ هل وثّقنا اللحظة كما ينبغي؟ نذهب إلى المطعم، أو نسافر إلى مكان انتظرناه طويلًا، فننشغل بالتصوير أكثر من التذوّق، وبالتوثيق أكثر من الدهشة. نرتّب الأطباق لا لنستمتع بطعمها، بل لتبدو جميلة على صفحاتنا، ونصوّر الطريق والمنظر والغرفة، بينما الإحساس الحقيقي يمرّ بجانبنا بصمت. نملأ صفحاتنا بالصور، لكننا نفرّغ اللحظة من معناها، ونغادر المكان وقد وثّقناه جيدًا… دون أن نكون قد عِشناه حقًا. صرنا نعيش الحدث لنُريه للآخرين، لا لنعيشه لأنفسنا. نقيس جمال اللحظة بعدد الإعجابات، وقيمتها بعدد المشاهدات، ونشعر أحيانًا بخيبة إن لم تلقَ ما توقعناه من تفاعل. وكأن اللحظة خذلتنا، لا لأننا لم نشعر بها، بل لأن الآخرين لم يصفّقوا لها كما أردنا. ونسينا أن بعض اللحظات لا تُقاس بالأرقام، بل تُحَسّ في القلب. توثيق اللحظات ليس خطأ، فالذاكرة تخون أحيانًا، والسنوات تمضي، والصورة قد تحفظ ملامح ووجوهًا وأماكن نحب العودة إليها. لكن الخطأ حين تصبح الكاميرا حاجزًا بيننا وبين الشعور، وحين نغادر اللحظة قبل أن نصل إليها، وحين ينشغل عقلنا بالشكل بينما يفوتنا الجوهر. الأجمل أن نعيش أولًا. أن نضحك بعمق دون التفكير كيف ستبدو الضحكة في الصورة، أن نتأمل بصدق دون استعجال، وأن نشعر بكامل حضورنا. ثم – إن شئنا – نلتقط صورة للذكرى، لا أن نختصر الذكرى في صورة. بعض اللحظات خُلقت لتُعاش لا لتُوثّق، لتسكن القلب لا الذاكرة الرقمية. فلنمنح أنفسنا حق الاستمتاع، وحق الغياب المؤقت عن الشاشات، فالعمر ليس ألبوم صور، بل إحساس يتراكم… وإن فات، لا تُعيده ألف صورة.

906

| 13 يناير 2026

حين ننتظر معاً... ونغيب عن بعضنا

وصلتني صورتان؛ تختلفان في المكان، لكنهما تتفقان في المعنى، وتكشفان واقع حياتنا اليوم. الأولى في صالة انتظار بمطار؛ أطفال وكبار، أشخاص من أعمار وثقافات مختلفة، لكن المشهد واحد: الجميع يحمل هاتفًا، والأطفال ممسكون بأجهزة الآيباد، رؤوس منحنية، وعيون غارقة في الشاشات. توقفت عند الصورة طويلًا. لم تكن مجرد لقطة عابرة، بل مرآة صادقة لحياتنا اليومية. مشهد مزدحم بالناس… لكنه فارغ من التواصل. في الماضي، كانت صالات الانتظار مساحة للحديث، لأسئلة الأطفال، لضحكات عفوية، للتعارف، أو حتى للصمت المشترك الذي يحمل دفئًا إنسانيًا. أما اليوم، فنحن ننتظر معًا جسديًا، لكن كلٌّ منا يعيش في عالمه الخاص. المنظر الثاني: مشهدٌ مؤلم… وصادق. نذهب يوم الجمعة للغداء في أحد المطاعم، فنجد كل طاولة تضم عائلة كاملة؛ الأم، الأب، والأبناء… لكن الجميع ممسكون بالهواتف، عيونهم إلى الشاشات، ينتظرون تجهيز الطعام. لا لغة حوار، لا ضحكة مشتركة، لا سؤال حقيقي، فقط صمتٌ رقميّ ثقيل. هنا يتسلّل السؤال بهدوء موجع: لماذا خرجوا من المنزل أصلًا؟ خرجوا بأجسادهم لا بأرواحهم، طلبًا للتغيير، لكنهم حملوا معهم العزلة ذاتها. كأن المكان تغيّر، لكن الغياب بقي واحدًا. الأسرة لا تُقاس بعدد المقاعد حول الطاولة، بل بعمق الحضور الإنساني. وجبة بلا حديث ليست اجتماعًا، وجلوس بلا تواصل ليس دفئًا. الأخطر أن هذين المشهدين يبدوان عاديين، بينما ينحتان فجوة صامتة في العلاقات، خصوصًا مع الأبناء الذين يتعلمون أن الصمت هو اللغة، وأن الشاشة أهم من الوجه. التكنولوجيا لم تدخل حياتنا بهدوء، بل تسللت إلى تفاصيلنا الصغيرة، وسرقت منا لحظات كان يمكن أن تتحول إلى ذكريات. الأطفال في الصورتين ليسوا مختلفين عن غيرهم، يجلسون قرب آبائهم، لكن بلا حوار، يحملون أجهزة تفوق أعمارهم، ويتعلمون مبكرًا أن الترفيه يأتي من شاشة، لا من إنسان. لسنا ضد التكنولوجيا، فهي سلاح ذو حدّين. إن أحسنّا استخدامها، فتحت أبواب المعرفة، وسهّلت التعلم، وقربت البعيد. لكن إن أسأنا استخدامها، عزلتنا عن بعضنا، وأضعفت مهارات التواصل، وسرقت من أطفالنا أهم ما يملكون: الطفولة والتفاعل الإنساني. ما يؤلم في الصورتين ليس وجود الهواتف، بل غياب النظرات، غياب الحديث، وغياب اللحظة المشتركة. كبرنا ونحن نلعب مع بعضنا، نتشاجر ونتصالح، نحكي ونستمع، أما كثير من أطفال اليوم، فيتعلمون الصمت الرقمي قبل أن يتقنوا لغة الحوار. الآن أصبحنا نمنح أبناءنا الأجهزة بدافع الراحة أو لإسكات الملل، وننسى أن كل دقيقة صامتة هي فرصة ضائعة لبناء علاقة، أو تعزيز ثقة، أو زرع قيمة. هاتان الصورتان، للأسف، تعبران عن خسارة: خسارة للتواصل، خسارة للطفولة، وخسارة للإنسان فينا. جمعة واحدة بلا هواتف… قد تعيد للأسرة ما لا تعوضه ألف رسالة. توصيات لاستعادة ما فقدناه: • اجعلوا للتواصل أولوية: خصصوا أوقاتًا خالية من الشاشات ولو قصيرة للحوار الحقيقي. • كونوا قدوة لأطفالكم: فالطفل يقلّد السلوك أكثر من سماع النصائح. • عَلِّموا أبناءكم أن التكنولوجيا وسيلة لا بديلًا: نستخدمها للتعلم، لا للهروب من الواقع. • أعيدوا إحياء اللحظات البسيطة: حديث، لعبة، سؤال، ضحكة… تصنع فرقًا كبيرًا. • تذكروا أن الحضور أهم من الاتصال: التواصل الإنساني لا يُقاس بسرعة الإنترنت، بل بصدق الوجود. أخيرًا… لن نستطيع إلغاء التكنولوجيا، لكننا نستطيع إعادة التوازن، وحماية إنسانيتنا قبل أن تذوب الكلمات والضحكات في صمت الشاشات، وقبل أن تصبح لحظات الحياة الحقيقية مجرد صور مرّت… دون أن نعيشها.

603

| 06 يناير 2026

كيف نحمي لغتنا العربية وسط ضجيج العولمة؟

في الثامن عشر من ديسمبر، يحتفي العالم باليوم العالمي للغة العربية، لغة الضاد، ولغة القرآن الكريم، لغة لم تكن يومًا مجرد وسيلة تواصل، بل وعاء فكر، وهوية أمة، وذاكرة حضارية حيّة تسكن الكلمات قبل أن تُكتب. لكن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نواجه به أنفسنا ليس: كيف نحتفل باللغة العربية؟ بل: كيف نعيش بها في بيوتنا، وفي تفاصيل يومنا، وفي قلوب أبنائنا، كل يوم؟ في زمنٍ صارت فيه الكلمات تُكتب بنصفها عربي ونصفها أجنبي، وفي بيوتٍ ينادي فيها الطفل أمه بلهجة ليست له، نسأل بهدوء موجع: هل نخسر لغتنا، أم نتركها تبتعد بصمت؟ العولمة لم تطرق الباب، بل دخلت دون استئذان، من شاشة الهاتف، ومن لعبة إلكترونية، ومن أغنية يحفظها أطفالنا أكثر مما يحفظون نشيدهم الصباحي، ومن مدارس أجنبية صارت هي الخيار الأسهل. لسنا ضد الانفتاح، ولا نخاف من تعلّم اللغات الأخرى، فاللغة جسر لا غنى عنه في عالم مفتوح، لكن الخوف الحقيقي أن نُزيّن الجسر وننسى الجذر. العربية ليست مادة دراسية ولا دفتر واجب، هي صوت الأم حين تحكي، ونبرة الأب حين ينصح، وحكاية الجدة التي تختصر التاريخ في دعاء. لنكن صادقين مع أنفسنا: لغتنا ليست بخير. ولن ينقذها احتفال سنوي، ولا منشور نكتبه مرة ثم ننسى. العولمة لم تسرق لغتنا، بل عرضت خيارات، ونحن اخترنا الأسهل. اخترنا أن نخاطب أبناءنا بلغة هجينة، أن نضحك حين يُخطئون في العربية، ونفخر حين ينطقون كلمة أجنبية. هكذا نُربك الطفل، ثم نلومه حين يعجز عن التعبير، أو يشعر أن لغته أقل قيمة. اللغة ليست حروفًا تُحفظ، بل أداة تفكير، ومن يفكر بلغة ضعيفة، يفكر بوعي مرتبك.الخلل بدأ من البيت، حين ظن بعض الآباء أن العربية صعبة، وأن مخاطبة الطفل بلغة أجنبية تعني وعيًا وتقدمًا. الطفل لا يولد كارهاً للغته، نحن من نزرع ذلك حين نجعل العربية لغة أوامر وتصحيح وعقاب. اللغة التي لا نضحك بها، ولا نُخطئ فيها بأمان، لن يحبها الطفل أبدًا. ثم جاءت المدرسة، بمناهج مثقلة، وقواعد تُلقَّن بلا معنى، ونصوص بعيدة عن حياة الطفل، وتقييم يقيس الحفظ لا الفهم. كيف نطلب من الطفل أن يحب لغة تُقدَّم له كاختبار دائم؟ العربية ليست مادة دراسية، بل هوية معرفية.أما الإعلام، فمسؤوليته لا تقل خطورة، حين يقدّم لغة مكسّرة، ومحتوى سطحيًا، ويُسوّق للغربة اللغوية وكأنها أناقة. العولمة ليست العدو، لكن الخطر حين يتعلّم الطفل لغة العالم قبل أن يُحسن لغة نفسه. ويزداد الخطر على الأطفال ذوي صعوبات التعلّم، وذوي الإعاقات اللغوية، وأطفال التوحد، فاللغة عندهم ليست ترفًا ثقافيًا، بل أمان نفسي، وكل ارتباك لغوي هو ارتباك داخلي.نحمي لغتنا حين نتحدث بها في البيت بلا تكلّف، حين نُعيد الكلمة الخاطئة بحنان، حين نقرأ لأطفالنا قبل النوم، وحين نُشعرهم أن العربية لغة فخر لا لغة عقاب، لغة حكاية لا لغة اختبار. فضفضة أخيرة… اللغة التي لا نعيش بها، لن يعيش بها أبناؤنا. لغتنا قد لا تموت فجأة، لكنها قد تذبل بصمت… وهذا أخطر.

327

| 30 ديسمبر 2025

الانتماء والولاء للوطن

في هذا اليوم المجيد من أيام الوطن، الثامن عشر من ديسمبر، تتجدد في القلوب مشاعر الفخر والولاء والانتماء لدولة قطر، ونستحضر مسيرة وطنٍ بُني على القيم، والعدل، والإنسان، وكان ولا يزال نموذجًا في احتضان أبنائه جميعًا دون استثناء. فالولاء للوطن ليس شعارًا يُرفع، بل ممارسة يومية ومسؤولية نغرسها في نفوس أبنائنا منذ الصغر، ليكبروا وهم يشعرون بأن هذا الوطن لهم، وهم له. ويأتي الحديث عن أبنائنا من ذوي الإعاقة تأكيدًا على أنهم جزء أصيل من نسيج المجتمع القطري، لهم الحق الكامل في أن يعيشوا الهوية الوطنية ويفتخروا بانتمائهم، ويشاركوا في بناء وطنهم، كلٌ حسب قدراته وإمكاناته. فالوطن القوي هو الذي يؤمن بأن الاختلاف قوة، وأن التنوع ثراء، وأن الكرامة الإنسانية حق للجميع. إن تنمية الهوية الوطنية لدى الأبناء من ذوي الإعاقة تبدأ من الأسرة، حين نحدثهم عن الوطن بلغة بسيطة قريبة من قلوبهم، نعرّفهم بتاريخ قطر، برموزها، بقيمها، بعَلَمها، وبإنجازاتها، ونُشعرهم بأنهم شركاء في هذا المجد، لا متلقّين للرعاية فقط. فالكلمة الصادقة، والقدوة الحسنة، والاحتفال معهم بالمناسبات الوطنية، كلها أدوات تصنع الانتماء. كما تلعب المؤسسات التعليمية والمراكز المتخصصة دورًا محوريًا في تعزيز هذا الانتماء، من خلال أنشطة وطنية دامجة، ومناهج تراعي الفروق الفردية، وبرامج تُشعر الطفل من ذوي الإعاقة أنه حاضر، ومسموع، ومقدَّر. فالدمج الحقيقي لا يقتصر على الصفوف الدراسية، بل يمتد ليشمل الهوية، والمشاركة، والاحتفال بالوطن. ونحن في مركز الدوحة العالمي لذوي الإعاقة نحرص على تعزيز الهوية الوطنية لدى أبنائنا من ذوي الإعاقة من خلال احتفال وطني كبير نجسّد فيه معاني الانتماء والولاء بصورة عملية وقريبة من قلوبهم. حيث نُشرك أبناءنا في أجواء اليوم الوطني عبر ارتداء الزي القطري التقليدي، وتزيين المكان بأعلام دولة قطر، وتوزيع الأعلام والهدايا التذكارية، بما يعزز شعور الفخر والاعتزاز بالوطن. كما نُحيي رقصة العرضة القطرية (الرزيف) بطريقة تتناسب مع قدرات الأطفال، ونُعرّفهم بالموروث الشعبي من خلال تقديم المأكولات الشعبية القطرية، إلى جانب تنظيم مسابقات وأنشطة وطنية تفاعلية تشجّع المشاركة، وتنمّي روح الانتماء بأسلوب مرح وبسيط. ومن خلال هذه الفعاليات، نؤكد لأبنائنا أن الوطن يعيش في تفاصيلهم اليومية، وأن الاحتفال به ليس مجرد مناسبة، بل شعور يُزرع في القلب ويترجم إلى سلوك وهوية راسخة. ولا يمكن إغفال دور المجتمع والإعلام في تقديم صورة إيجابية عن الأشخاص ذوي الإعاقة، وإبراز نماذج ناجحة ومُلهمة منهم، مما يعزز شعورهم بالفخر بذواتهم وبوطنهم، ويكسر الصور النمطية، ويؤكد أن كل مواطن قادر على العطاء حين تتوفر له الفرصة. وفي اليوم الوطني المجيد، نؤكد أن الولاء للوطن مسؤولية مشتركة، وأن غرس الهوية الوطنية في نفوس أبنائنا من ذوي الإعاقة هو استثمار في مستقبل أكثر شمولًا وإنسانية. فهؤلاء الأبناء ليسوا على هامش الوطن، بل في قلبه، يحملون الحب ذاته، ويستحقون الفرص ذاتها، ويشاركون في مسيرته كلٌ بطريقته. حفظ الله قطر، قيادةً وشعبًا، وجعلها دائمًا وطنًا يحتضن جميع أبنائه… لكل القدرات، ولكل القلوب التي تنبض بحب الوطن كل عام وقطر بخير دام عزّها، ودام مجدها، ودام قائدها وشعبها فخرًا للأمة.

1224

| 22 ديسمبر 2025

الفرق بين البخل والشطارة... شعرة تفصلهما

في هذا الزمن الذي ارتفعت فيه الأسعار، وضاقت فيه الأرزاق، صار كثيرون يخلطون بين البخل والشطارة، حتى أصبح البخيل يلبس ثوب الذكاء المالي، ويبرّر شحّه بأنه “حسن تدبير”. تسمعه يقول بثقة: أنا ما أضيع ريالا بلا فايدة، أنا إنسان شاطر! لكن حين تقترب من حياته، تكتشف أن ما يسميه شطارة ليس سوى خوف متخفٍّ، وبخل يختبئ خلف أقنعة المنطق والحذر. البخل والشطارة بينهما شعرة… تلك الشعرة اسمها النية. الشاطر يُمسك ماله بعقل، أما البخيل فيُمسك به بخوف. الأول يرى المال وسيلة للحياة، والثاني يراها الحياة ذاتها. الشاطر يوازن بين الصرف والادخار، أما البخيل فيختصر كل شيء إلى كلمة واحدة: “لا”. لا يشتري، لا يُكرم، لا يُفرح من حوله، حتى نفسه لا يمنحها حقها من الراحة والبهجة. البخل لا يظهر في المال فقط، بل في كل زاوية من زوايا الحياة. البخل في المشاعر حين يُخفي الإنسان محبته خشية أن “يتعلق به الآخر”. البخل في الكلمة الطيبة حين يتردد أن يقول “شكرًا” أو “أحسنتِ” وكأنها تكلّفه ذهبًا. البخل في الوقت حين يبخل على أسرته بلحظات دافئة بحجة الانشغال أو التعب. والبخل في الروح حين يخاف أن يعطي لأن العطاء في نظره نقص، لا فضيلة. أما الشطارة الحقيقية فهي أن تعرف كيف تُنفق دون أن تُسرف، وأن تُمسك دون أن تبخل. أن تشتري ما تحتاجه وتُهدي ما يسعد غيرك، وتستثمر في الخير قبل أن تستثمر في البنوك. الشطارة ليست أن تجمع المال، بل أن تجعل المال يخدمك لا أن تخدمه. هي أن تبني بيتك بالحب، وتُحافظ على بركة رزقك بالرضا، وتتعامل مع النعمة كأمانة، لا كغنيمة. كم من بخيلٍ عاش يجمع ويكدّس، فلما رحل لم يترك إلا أرقامًا جامدة لا دفء فيها. وكم من شاطرٍ عاش معتدلًا، فأنفق بحكمة، فبارك الله في رزقه، وجعل ذكره طيبًا بعد رحيله. المال الذي لا يُسعدك ولا يُسعد من حولك، يتحول عبئًا لا بركة فيه. ومن ظنّ أن البخل يحفظ له ماله، نسي أن البركة وحدها هي التي تحفظ وتُضاعف. الحياة ليست اختبارًا في التوفير فقط، بل في الموازنة بين الأخذ والعطاء. اعرف متى تمسك ومتى تُعطي، ومتى تقول “يكفي” ومتى تقول “يستحق”. فلا تجعل خوفك من الغد يسرق منك متعة اليوم، ولا تجعل الحرص يغلب الكرم في قلبك. الشطارة أن تعرف قيمة المال دون أن تنسى قيمة الإنسان، وأن تُدير أمورك بعقلٍ دون أن تُطفئ حرارة القلب. أما البخل، فهو موت بطيء للروح، وإن كان الجيب ممتلئًا. الفرق بين البخل والشطارة… شعرة، يفصلها النُّبل، وتكشفها المواقف، ويُحددها القلب قبل العقل. من القلب… كلمة ووعي.

435

| 16 ديسمبر 2025

عندما يصبح العطاء أسلوب حياة

بمناسبة اليوم العالمي للتطوع، 5 ديسمبر، نحتفل بكل يد ممتدة وعطاء صادق يغير حياة الآخرين. هذا اليوم ليس مجرد تاريخ على التقويم، بل هو تذكير بأن لكل منا القدرة على صنع فرق في المجتمع، سواء بزرع بسمة على وجه طفل محتاج، أو مساعدة مسن، أو حماية بيئتنا. فالتطوع يجعلنا أكثر قربًا من الآخرين، ويمنح حياتنا معنى أعمق، ويؤكد أن السعادة الحقيقية تأتي حين نمنح بلا مقابل. في كل يد تمدّ الخير، وفي كل ابتسامة تُهدى من القلب، يكمن سر كبير للتغيير. العمل التطوعي يمنحنا فرصة لنكون جزءًا من حياة الآخرين، أن نشعر بما يشعرون به ونشاركهم لحظات الفرح والحزن. قد يكون التطوع بسيطًا كزيارة دار للمسنين، أو تعليم طفل محتاج، أو المشاركة في حملة نظافة بالحيّ الذي نعيش فيه، لكنه يحمل أثرًا أكبر مما نتخيل. الأمر الجميل في التطوع أنه يغيّرنا قبل أن يغيّر العالم. ففي كل مرة نمد يدنا للمساعدة، نتعلم الصبر، ونكتسب الإحساس بالمسؤولية، ونكتشف قوة القلب البشري على التضحية والعطاء. إنه شعور يجعلنا أكثر امتنانًا لما نملك، وأكثر تفهمًا لمعاناة الآخرين. والأجمل أن العمل التطوعي يربط القلوب ببعضها البعض. فالشباب، كبار السن، وحتى الأطفال يمكنهم أن يكونوا جزءًا من رحلة العطاء، فتتحول المجتمعات الصغيرة إلى مجتمع كبير نابض بالحب والاهتمام. وكل مبادرة مهما كانت صغيرة، تحمل رسالة تقول: “أنا هنا، أرى، أسمع، وأشارك”. العمل التطوعي.. قيمة وفوائد العمل التطوعي هو القيام بأعمال وخدمات مجتمعية دون انتظار مقابل مادي، بهدف مساعدة الآخرين والمساهمة في تطوير المجتمع. يعتبر التطوع من أسمى صور العطاء، حيث يجمع بين الخير للفرد وللآخرين على حد سواء. أهمية العمل التطوعي: 1. تنمية المهارات الشخصية: تطوير القيادة، التواصل، وتنظيم الوقت. 2. تعزيز الروابط الاجتماعية: بناء علاقات قوية وتعزيز التعاون. 3. المساهمة في تحسين المجتمع: دعم الفئات المحتاجة، مثل الأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة. 4. تعزيز القيم الإنسانية: غرس قيم العطاء، الرحمة، والتفاني في خدمة الآخرين. مجالات العمل التطوعي: • التعليم: تعليم الأطفال المحتاجين أو تقديم الدروس الخصوصية. • الصحة: المشاركة في حملات التوعية أو مساعدة المرضى. • البيئة: تنظيف الحدائق، التشجير، وحماية الحياة البرية. • الأنشطة الاجتماعية: زيارة دور الأيتام والمسنين، والمشاركة في الفعاليات الخيرية. دور الشباب في التطوع الشباب هم قوة دافعة للعمل التطوعي، يمتلكون الطاقة والحماسة لتقديم المبادرات الجديدة، كما تكسبهم المشاركة خبرة عملية وتزيد وعيهم بحاجات المجتمع. إذاً....العمل التطوعي ليس مجرد نشاط وقت الفراغ، بل هو رسالة إنسانية لبناء مجتمع متعاون. ومن يمارس التطوع يجد نفسه أكثر قربًا من الآخرين وأكثر قدرة على العطاء والالتزام بالقيم الإنسانية.

534

| 08 ديسمبر 2025

اليوم العالمي للإعاقة.. من الرعاية إلى الريادة

اليوم العالمي للإعاقة 3 ديسمبر 2026: من الرعاية إلى الريادة ويتم الاحتفال به سنويًا منذ عام 1992 بهدف دعم حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وتعزيز مشاركتهم في المجتمع وهذا العام سيكون شعاري....، كيف نصنع جيلاً يقود لا جيلاً يُقاد؟ اليوم العالمي للإعاقة… لحظة للتفكير هو اليوم الذي نتذكر فيه أننا جميعًا بحاجة إلى من يرى جمالنا قبل احتياجنا. في كل عام نحتفل بالأشخاص ذوي الإعاقة، لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم هو: هل نريد لهم حياة “جيدة”… أم حياة “عظيمة”؟ لسنوات طويلة ركّزت المجتمعات على الرعاية والخدمات، لكن العالم الآن يتغير. لم يعد التحول الحقيقي في عدد المراكز أو الأجهزة، بل في صناعة الفرص، وفي تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة ليكونوا أصحاب قرار، مبتكرين، قادة رأي، وروّاد أعمال. حكايات بصمت أحيانًا أجلس مع نفسي وأسأل: هل نحتاج يومًا عالميًا كي نلتفت لقلوب كان يجب أن نلتفت لها كل يوم؟ قلوب تعبر بصمت، وتحب بصمت، وتكبر رغم كل شيء… بصمت. في هذا اليوم، لا أتحدث عن الإعاقة كملف أو قضية أو ورقة عمل. أريد أن أتحدث عنها كحكايات… كوجوه أعرفها… كأيدٍ صغيرة تمسكت بأصابعي وهي تبحث عن طمأنينة، وكعيون كبار رأيت فيها قوة تفوق كل التحديات. الإعاقة لم تعد قضية “عطف”، بل أصبحت قضية ابتكار وتنمية. سر من القلب وفي خضم كل هذا، أسمح لقلبي أن يبوح بسرٍ صغير: 3 ديسمبر بالنسبة لي ليس مجرد يوم عالمي. إنه يوم ميلاد ابنتي دانيا… ملهمتي الأولى، التي علمتني أن القدرة قد تكون أعمق من الكلام، وأن القوة تظهر في أبسط التفاصيل، وأن الاحتواء ليس شعارًا… بل طريقة حياة. وفي اليوم نفسه، وُلد مركز الدوحة العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة، وكأن القدر أراد أن يخبرني بأن رسالتي لن تكون مجرد مهنة، بل امتدادًا لنبض دانيا… ومسارًا ستقوده كل خطوة قبل أن أدركه أنا. 3 ديسمبر بالنسبة لي… ميلادان: ميلاد روح وميلاد رسالة. القوة والتمكين في هذا اليوم، لا أحتفل بالإنجازات فقط، بل أحتفل بالفكرة التي تغيّر العالم: أن كل إنسان يحمل في داخله قوة… تحتاج فقط من يصدقها. لسنا هنا لنمنحهم صوتًا—فهم يملكون أصواتًا عالية—بل لنمنحهم منبرًا. لسنا هنا لنسير عنهم، بل لنمهد الطريق ليقودوا هم أنفسهم. هناك حقيقة لا نقولها كثيرًا: أقسى إعاقات البشر ليست في الجسد… بل في القلوب التي لا ترى، والعقول التي لا تفهم، والنفوس التي لا تحتضن. الأشخاص ذوو الإعاقة لم يطلبوا يومًا معاملة خاصة، هم فقط يريدون مساحة يتنفسون فيها بكرامتهم. يريدون أن نقابل قدراتهم قبل إعاقاتهم، وأن نسمع أصواتهم قبل أن نتحدث بالنيابة عنهم. الشكر للأمهات والآباء والأخصائيين قلبي يميل إلى الأمهات… إلى تلك التي تخبّئ دمعتها لتستيقظ أقوى، وتبتسم رغم خوفها، وتصبح مدرسة وممرضة ومعلمة حياة في آن واحد. وإلى الآباء… أولئك الذين يخفون تعبهم في الجيب الخلفي للصلابة. وإلى الأخصائيين الذين يزرعون بذورًا صغيرة من الأمل كل يوم، وإلى المراكز التي تحتضن وتعمل جاهدة من أجل التطوير، وإلى المجتمعات التي بدأت—أخيرًا—تفهم أن الدمج ليس بابًا يُفتح… بل قلب يُفتح. يوم للتذكير بأننا بحاجة للتغيير اليوم العالمي للإعاقة ليس يومًا لنذكرهم بما ينقصهم، بل يوم لنتذكر نحن ما ينقصنا نحن: الصبر، والاحترام، والذوق، والرحمة، والإنسانية. هو يوم نسأل فيه أنفسنا: هل نعاملهم كأفراد كاملين؟ هل نسألهم رأيهم؟ هل نعطيهم فرصة؟ هل نصنع لهم طريقًا… أم نكتفي بالكلام؟ الاحتواء أسلوب حياة أكتب وكأن قلبي يقول لي: “أجمل ما في الإعاقة… أنها تكشف أجمل ما في الإنسان.” تكشف الرحمة، والصبر، والقوة، وتُظهر أن النجاح ليس سباقًا بين من يصل أولًا… بل بين من لا يتوقف رغم كل شيء. العالم لا يحتاج مزيدًا من الشعارات، بل يحتاج مزيدًا من الإنسان. الدول تتقدم عندما تنتقل من سؤال: كيف نساعد؟ إلى سؤال: كيف نمكّن؟ وفي قطر… تعلمنا أن الدمج ليس قانونًا يُكتب، بل ثقافة تُمارس، وحياة تُبنى، وفرص تُمنح. وفي اليوم العالمي للإعاقة، نعيد الوعد: لن نصنع مستقبلًا للناس… بل معهم. وفي هذا اليوم… أتعهد لنفسي قبل أن أتعهد للعالم: أن أرى القدرة قبل الإعاقة، والقلب قبل التحدي، والإنسان قبل كل مسمياته. هذا وعد… من قلب يفضفض، ويدرك أن الاحتواء ليس مناسبة… الاحتواء أسلوب حياة.

453

| 03 ديسمبر 2025

alsharq
شعاب بعل السامة

تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما...

12045

| 23 فبراير 2026

alsharq
(زمن الأعذار انتهى)

الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة...

2505

| 27 فبراير 2026

alsharq
عندما كانوا يصومون

رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة...

2052

| 25 فبراير 2026

alsharq
الدهرُ يومان... يومٌ لك ويومٌ عليك

في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ...

981

| 26 فبراير 2026

alsharq
تفاصيل رمضانية

جوهر رمضان هو العبادة، وتخليص النفس للطاعة، والتقرب...

783

| 25 فبراير 2026

alsharq
رمضان.. شهر يُعيد ترتيب الخسائر

رمضان يأتي ليطرح سؤالًا ثقيلًا: ماذا تبقّى منك؟...

723

| 27 فبراير 2026

alsharq
من الحضور إلى الأثر.. نقلة هادئة في فلسفة التعليم

يشهد قطاع التعليم تطورًا مستمرًا في أدواته وأنظمته،...

642

| 24 فبراير 2026

alsharq
التجارب لا تُجامِل

استكمالا لما ورد في (مقالنا) الذي نُشر تحت...

609

| 24 فبراير 2026

alsharq
قفزة تاريخية في السياحة

كشف التقرير السنوي لقطر للسياحة أن عدد الزوار...

594

| 22 فبراير 2026

alsharq
سلام عليك في الغياب والحضور

لم أفهم معنى أن يكون للطفولة ظلٌّ يحرسها...

576

| 23 فبراير 2026

alsharq
هكذا يصنع الصيام مجتمعاً مترابطاً

لئن كان صيام رمضان فريضة دينية، إلا أن...

537

| 22 فبراير 2026

alsharq
الإمام بين المحراب والقيادة.. هل تراجعت هيبة المسجد

لم تكن المساجد في صدر الإسلام مجرد مساحةٍ...

516

| 26 فبراير 2026

أخبار محلية