رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

السفارات.. وطن يرافقنا

حين نزور سفارة وطننا في بلد شقيق، نحمل معنا شعورًا يتجاوز حدود المكان؛ نشعر أن جزءًا من الوطن ينتظرنا، وأن المسافات مهما اتسعت لا تقطع صلتنا به. فالسفارات تحمل اسم الدولة وعلمها، وتعكس قيمها في التواصل والاحترام، وتفتح نوافذ للتعاون بين الشعوب، وتمنح المواطن إحساسًا بالقرب والانتماء، وهو بعيد عن أرضه وأهله. بهذا الشعور، تشرفت بزيارة سعادة الشيخ جاسم بن عبد الرحمن بن محمد آل ثاني، سفير دولة قطر لدى جمهورية مصر العربية. ومندوبها الدائم لدى جامعة الدول العربية، وقد تركت حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، وما خصني به سعادته من وقته الثمين، أثرًا طيبًا في نفسي، وأكدت أهمية اللقاء المباشر في التعريف بالجهود الوطنية وتبادل الرؤى حول خدمة الإنسان والمجتمع. خلال اللقاء، عرّفت سعادته بمسيرة دعم وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم، وبالخدمات والبرامج التي يقدمها مركز الدوحة العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة. كما استعرضت أهداف زيارتي إلى مصر، وما أتطلع إليه من تبادل للخبرات، والاطلاع على التجارب والبرامج، وبحث فرص التعاون التي تساعدنا على تطوير خدماتنا والاستفادة من المعرفة والتجارب الميدانية. وقد دفعتني هذه الزيارة إلى التأمل في الدور الواسع الذي تؤديه السفارات. فهي تمثل دولها، وترعى مصالحها، وتعزز علاقاتها بالدول المضيفة، وتعمل على توطيد التفاهم والتواصل. ومن خلال هذا الحضور، يمكن أن تتسع مجالات التعاون لتشمل التعليم والثقافة والاقتصاد والبحث العلمي والعمل الإنساني، بما يعود بالنفع على المجتمعات ويدعم التقارب بين الشعوب. وللسفارات كذلك مكانة خاصة في حياة المواطنين خارج أوطانهم؛ إذ تسهم، عبر خدماتها القنصلية، في تقديم المساعدة والإرشاد ومتابعة شؤونهم ضمن اختصاصاتها. ويزداد تقدير هذا الدور حين يواجه الإنسان ظرفًا صعبًا، أو يحتاج إلى معلومة موثوقة وتوجيه مناسب. فالشعور بوجود جهة وطنية قريبة تستمع وتتابع يمنح المواطن طمأنينة، ويعمق ثقته بمؤسسات بلده. ومن وجهة نظري، تبرز قيمة أخرى للسفارات في قدرتها على التعريف بالكفاءات والمؤسسات الوطنية، وتيسير التواصل مع الجهات ذات الاهتمام المشترك. فكم من فكرة تحتاج إلى لقاء يوضحها، وكم من تجربة تستحق أن تعبر الحدود لتفيد الآخرين. وفي مجال الإعاقة، تتيح هذه الروابط فرصًا للتعلم وتبادل الممارسات وتطوير البرامج التي تراعي احتياجات الأشخاص وأسرهم. وتناول حديثنا المسؤولية الاجتماعية التي يحملها كل منا، وأهمية تحويلها إلى ممارسات ومبادرات ذات أثر ملموس. وأنا أؤمن أن خدمة المجتمع تبدأ بإدراك احتياجاته، وتنمو بالشراكة، وتستمر حين تقترن بالمتابعة والتقييم. ولهذا، فإن تبادل الخبرات بين المؤسسات والدول يكتسب قيمته الحقيقية عندما ينعكس على جودة حياة الإنسان، ويحفظ كرامته، ويوسع فرص مشاركته واستقلاله. وحين تتلاقى الدبلوماسية مع المبادرات المجتمعية، يصبح التعاون أقرب إلى الناس، وتجد الأفكار طريقها إلى شراكات مدروسة، تحمل الأمل وتفتح أبوابًا لخدمة الإنسان. غادرت اللقاء وأنا أكثر إيمانًا بأهمية أن تتكامل جهود الأفراد والمؤسسات والسفارات لخدمة القضايا الإنسانية. وأتطلع إلى أن تثمر زياراتنا وتواصلنا فرصًا عملية للتعاون، يستفيد منها الأشخاص ذوو الإعاقة وأسرهم. فكل الشكر لسعادة السفير على حسن الاستقبال وطيب الحوار، ولمن يجعل تمثيل الوطن رسالة تتجسد في الاحترام والاهتمام والعمل. وتبقى السفارات وطنًا يرافق أبناءه، وجسورًا تصل الشعوب ببعضها.

219

| 15 سبتمبر 2026

بين فرحة الجائزة وثقل المسؤولية

هناك لحظات نفرح فيها من القلب… لكن الغريب أن بعض لحظات الفرح تحمل معها مسؤولية أكبر من الفرح نفسه. وهذا بالضبط ما شعرت به وأنا أتسلّم جائزة الشرف الدولية للمسؤولية الاجتماعية لعام 2026 من الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية. وازدادت هذه اللحظة قيمةً بالنسبة لي عندما تشرفت في مركز الدوحة العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة بزيارة البروفيسور الدكتور علي إبراهيم، نائب الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية، والدكتور.أسلم بشير نائب رئيس مجلس الادارة للشؤون الدولية لتسليمي الجائزة. وبصراحة… كان لهذا الموقف أثر كبير في نفسي. أن يأتي إليك أشخاص لهم مكانتهم وعطاؤهم ليشاركونك لحظة تكريمك، فهذا شرف كبير لا يمكن أن يمر بالنسبة لي كمجرد مراسم لتسليم جائزة. فرحت… وشعرت بالفخر والامتنان… لكنني في اللحظة نفسها شعرت بثقل المسؤولية. وسألت نفسي: ماذا بعد الجائزة؟ هل نضعها على الرف ونفرح بها ونضيفها إلى قائمة الإنجازات؟ أم يجب أن تكون بداية لمسؤولية أكبر؟ بالنسبة لي، الإجابة واضحة جدًا: كل تكريم هو تكليف قبل أن يكون تشريفًا. فأنا لا أريد أن تكون الجوائز التي أحصل عليها مجرد شهادات وصور وذكريات جميلة، وإنما أريد أن أرى مقابل كل جائزة أثرًا حقيقيًا على أرض الواقع. طفلًا حصل على فرصة أفضل… شخصًا من ذوي الإعاقة أصبح أكثر استقلالًا وتمكينًا… أسرة وجدت من يسمعها ويدعمها… مؤسسة غيّرت طريقة تفكيرها… أو مبادرة لم تتوقف عند التنفيذ، بل تركت أثرًا يمكن أن نراه ونقيسه ونبني عليه. هنا فقط أشعر أن للجائزة معنى. وأنا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أؤمن أن المسؤولية الاجتماعية ليست فعالية نقيمها، ولا مبادرة ننفذها، ولا صورة ننشرها. المسؤولية الاجتماعية التزام تجاه الإنسان. أن نسأل أنفسنا دائمًا: ماذا غيّرنا؟ من استفاد؟ هل صنعنا فرقًا حقيقيًا؟ وهل سيبقى أثر ما قدمناه بعد أن تنتهي المبادرة؟ لهذا فإن هذه الجائزة، والزيارة الكريمة لتسليمي إياها، لم تزيداني فرحًا فقط، وإنما زادتاني إصرارًا على الاستمرار في تطبيق المسؤولية الاجتماعية وترسيخها، وخاصة في مجال الأشخاص ذوي الإعاقة، والانتقال بها من المبادرات إلى الأثر المستدام. وأشعر أن المسؤولية اليوم أصبحت أكبر. مسؤولية أن أتعلم أكثر… وأطوّر أكثر… وأقدم أكثر… وأن أظل أراجع نفسي وأسألها: هل ما أقدمه اليوم أفضل مما قدمته بالأمس؟ لأن التميز الحقيقي في رأيي ليس أن تصل إلى مكان ما… بل أن تعرف كيف تستحق البقاء فيه. وليس أن تحصل على جائزة… بل أن يكون ما بعد الجائزة أكبر مما كان قبلها. وأنا ممتنة من القلب للشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية على هذا التقدير، وللدكتور محمد بن سيف الكواري، والبروفيسور الدكتور علي إبراهيم، على هذه الزيارة الكريمة التي أعتز بها كثيرًا. وممتنة لكل إنسان كان جزءًا من رحلتي… لكل من دعمني، وعلّمني، وشجعني، وانتقدني بصدق، وفتح لي بابًا، أو منحني فرصة، أو قال لي في لحظة صعبة: استمري. لأنني أؤمن أن الإنسان لا يصنع رحلته وحده. وخلف كل نجاح نراه، هناك أشخاص ومواقف وتجارب وربما صعوبات لم يرها أحد. واليوم، وأنا أنظر إلى هذه الجائزة، لا أريد أن أسأل نفسي: ماذا حققت؟ بل أريد أن أسأل: ماذا سأقدم بعدها؟ لأن الجوائز قد تمنحنا لحظة فرح… والألقاب قد تمنحنا مكانة… والتصفيق قد يمنحنا لحظة جميلة… لكن الأثر وحده هو الذي يمنح كل ذلك معنى. الحمد لله على كل خطوة، وكل تجربة، وكل إنسان كان سببًا في خير في رحلتي. وأدعو الله أن يجعل القادم أكثر عطاءً، وأكثر مسؤولية، وأكثر أثرًا. ففي النهاية… لا أريد أن تُقاس رحلتي بعدد الجوائز التي حصلت عليها، بل بعدد الآثار الطيبة التي استطعت أن أتركها في حياة الآخرين. وتبقى بالنسبة لي أجمل قاعدة في كل تكريم: الجائزة لحظة فرح… لكنها في اليوم التالي تصبح مسؤولية.

321

| 11 سبتمبر 2026

الكبسلة المعرفية

ضحكوا عندما كتبتُ: «الكبسلة المعرفية»… ثم اكتشفوا أنهم بداخلها! حضرتُ مؤخرًا محاضرة لإحدى الزميلات، ولفت انتباهي تعبير استخدمته أثناء حديثها: «الكبسلة المعرفية». مرّت الكلمة على مسامع الجميع مرور الكرام، لكنني توقفت عندها وكتبت: المشكلة ليست في كبسلة المعلومات… المشكلة عندما نبدأ بكبسلة عقولنا. حاول البعض قراءة الكلمة، فعجزوا… فضحكوا. ربما لأن الكلمة بدت غريبة، أو لأنهم لم يعرفوا ماذا تعني. لكنني توقفت عند تلك اللحظة طويلًا، وفكرت: كم هي بسيطة هذه الكلمة في شكلها، وكم تحمل من معنى كبير في مضمونها! لكن للأسف، كثيرون يتجاهلون معناها؛ لأن كل شخص قد يعيش داخل صندوق صغير يضع فيه أفكاره، وقناعاته، وتجربته… ثم يغلقه بإحكام، ويعتبر أن ما بداخله هو الحقيقة كاملة. نحن نعيش اليوم في زمن لم تعد فيه المشكلة نقص المعلومات؛ فنحن في زمن أصبحت فيه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من حياتنا. بل أصبحت المشكلة الحقيقية هي كثرة المعلومات. كتب، وأبحاث، ومحاضرات، وأخبار، ومقاطع، ومنشورات، ومحتوى لا ينتهي. ولهذا جاءت التكنولوجيا بحل يبدو مريحًا: الكبسلة المعرفية باختزال المعرفة المعقدة وتبسيطها. فملخص بدل كتاب، نقاط بدل محاضرة، إجابة سريعة بدل ساعات من البحث، وفيديو قصير بدل موضوع يحتاج إلى قراءة وتأمل. وهنا لا يمكن إنكار الجانب الإيجابي للكبسلة المعرفية؛ فهي تجعل المعرفة أكثر سهولة، وتبسط المفاهيم، وتساعد على الوصول إليها، واختصار الوقت والجهد، كما أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على تحويل كثير من المعلومات المعقدة إلى لغة أبسط وأكثر وضوحًا. لكن… هل كل ما يمكن اختصاره يجب أن يُختصر؟ هنا تبدأ الحكاية الأخرى. عندما نعتاد على المعلومة المختصرة والجاهزة، قد نفقد شيئًا دون أن نشعر: الصبر على المعرفة، والتعمق أكثر، والاطلاع الموسع، والقراءة، والكتابة، وتدوين المعلومة؛ نفقدها جميعًا. فأصبحنا لا نريد قراءة الكتاب، نريد ملخصه. لا نريد البحث والمقارنة، نريد إجابة جاهزة. لا نريد التفاصيل، نريد الخلاصة. ومن ثم نريد كل شيء سريعًا وسهلًا. وهنا لا تعود الكبسلة مجرد طريقة لتبسيط المعلومات، بل تبدأ في تغيير علاقتنا بالمعرفة نفسها. فنستخدم التكنولوجيا لتوفير الوقت، ثم نعتمد عليها، ثم نعتاد عليها، ثم نشعر أننا لا نستطيع الاستغناء عنها. الهاتف يعطينا المعلومة، والمنصة تختار المحتوى، والخوارزمية تقترح ما نشاهد، والذكاء الاصطناعي يقدم الإجابة في ثوانٍ. وفجأة… نكتشف أننا وصلنا إلى الإدمان الإلكتروني لتكتمل الحلقة، لنعيش بداخلها في عالم خاص. وبذلك لم نعد فقط نكبسِل المعلومات، بل أصبحنا نعيش داخل كبسلة تكنولوجية. فننتقل من الاستخدام إلى الاعتماد، ومن الاعتماد إلى التعلق، وقد يصل الأمر إلى إدمان التكنولوجيا. وهنا تنتقل الكبسلة من المعلومة إلى الإنسان. تبدأ التكنولوجيا في السيطرة على انتباهنا ووقتنا، وعقولنا وتفكيرنا، وعلى الطريقة التي نحصل بها على المعرفة، حتى تصبح بيئة نعيش داخلها، لا مجرد أداة نستخدمها. مقطعًا بعد مقطع… إشعارًا بعد إشعار… إجابة بعد إجابة… حتى يصبح الصمت غريبًا، والانتظار مملًا، والقراءة الطويلة مرهقة، والتفكير العميق شيئًا نؤجله. وهنا علينا أن نسأل أنفسنا بصدق: هل ما زلنا نحن من نستخدم التكنولوجيا… أم بدأت التكنولوجيا تستخدمنا؟ أنا لا أرى التكنولوجيا عدوًا، ولا أرى الذكاء الاصطناعي خطرًا في حد ذاته. بل أراهما من أعظم أدوات الإنسان إذا استُخدما بوعي. لكن علينا أن نتذكر: التكنولوجيا أداة… وليست عقلًا بديلًا. تذكّروا: الإنسان هو من يقود التكنولوجيا، وليست التكنولوجيا من تقودنا. فلنستخدم الذكاء الاصطناعي ليس ليحل محل تفكيرنا، بل ليساعدنا على التفكير بصورة أفضل. لنقرأ الملخص، لكن لا نهجر الكتاب. لنأخذ الإجابة السريعة، لكن لا نتوقف عن السؤال. لنترك لأنفسنا وقتًا بلا شاشة، ونبحث أحيانًا عن الرأي المختلف، ونتعلم أن نتحمل صعوبة المعرفة بدل أن نطلب دائمًا اختصارها. فربما لا نستطيع أن نعيش خارج التكنولوجيا، ولا نحتاج إلى ذلك. لكننا نستطيع أن نقرر كيف نعيش معها. أن نستخدمها دون أن تستخدمنا. أن نستفيد منها دون أن نصبح أسرى لها. فالحل ليس أن نكسر الكبسولة… بل أن نتأكد أننا نستطيع الخروج منها متى أردنا. لأن أخطر لحظة ليست عندما ندخل كبسولة التكنولوجيا… بل عندما ننسى أننا بداخلها.

297

| 01 سبتمبر 2026

الانضباط الذاتي... كيف نُعيد أبناءنا إلى المدرسة ؟

مع اقتراب العودة إلى المدرسة، تبدأ الأسر في تجهيز الحقائب والكتب والزي المدرسي والأدوات، وننشغل بالتفاصيل التي نراها ضرورية لبداية العام الدراسي. لكن هناك استعدادًا أهم من كل ذلك… هل جهّزنا أبناءنا أنفسهم للعودة إلى المدرسة؟ فالعودة من الإجازة إلى المدرسة ليست مجرد تغيير في مواعيد الاستيقاظ، وإنما هي انتقال من مساحة واسعة من الحرية والمرونة إلى نظام يحتاج إلى انضباط ذاتي، وتنظيم، ومسؤولية. والانضباط الذاتي لا يعني أن يكون الطفل خائفًا من العقاب، أو ملتزمًا لأن والديه يراقبانه طوال الوقت، وإنما يعني أن يتعلم كيف يدير نفسه ووقته وسلوكه حتى عندما لا يكون هناك من يراقبه. ولهذا أرى أن الاستعداد للمدرسة فرصة تربوية جميلة لبناء استقلالية الطفل، وليس مجرد قائمة من المهام التي يقوم بها الوالدان نيابة عنه. ابدأوا بإشراك الطفل في تجهيزاته. دَعوه يختار حقيبته من بين الخيارات المناسبة، ويختار أدواته المدرسية وألوانها، ويشارك في اختيار مستلزماته والزي المدرسي، ثم اسألوه: ماذا تحتاج؟ هل تستطيع أن ترتب حقيبتك؟ ماذا ستضع فيها؟ وهل تتذكر أين وضعت أدواتك؟ هذه التفاصيل الصغيرة تعلم الطفل الاختيار، واتخاذ القرار، والتنظيم، وتحمل المسؤولية. ولا بأس أن يستغرق الطفل وقتًا أطول، أو ينسى شيئًا، أو يرتب حقيبته بطريقة مختلفة عن طريقتنا. لأن هدفنا ليس أن يقوم بالأشياء بالطريقة التي نريدها نحن، وإنما أن يتعلم أن يقوم بها بنفسه. ثم ننتقل إلى النوم. من الصعب أن نترك الطفل يسهر طوال الإجازة، ثم نطلب منه فجأة أن ينام مبكرًا ويستيقظ بنشاط في أول يوم دراسي. لذلك نحتاج إلى انتقال تدريجي؛ نقدم موعد النوم والاستيقاظ تدريجيًا، ونقلل السهر والخروج في الأيام الأخيرة من الإجازة، حتى يستعيد الطفل إيقاعه اليومي دون صراع. والغذاء جزء أساسي من الاستعداد أيضًا. بعد فترة من الوجبات غير المنتظمة والحلويات والوجبات السريعة، نبدأ تدريجيًا في العودة إلى نظام غذائي أكثر توازنًا، ونشرك الطفل في اختيار وجبة الإفطار والوجبات الخفيفة الصحية التي سيأخذها معه. لا نريد أن يكون الغذاء معركة يومية. نريد أن نعلمه: لماذا نحتاج إلى غذاء جيد؟ وكيف أختار ما يناسبني؟ أما الأجهزة الذكية والتلفاز، فهنا نحتاج إلى إعادة ضبط حقيقية. ليس الهدف أن نمنع التكنولوجيا، وإنما أن نعلم الطفل أن الجهاز جزء من يومه وليس كل يومه. نحدد أوقاتًا واضحة للاستخدام، ونقللها تدريجيًا، خصوصًا في المساء وقبل النوم، ونستبدل جزءًا من هذا الوقت بالقراءة، واللعب، والحركة، والحوار، والأنشطة الأسرية. والأهم ألا ننتظر حتى ليلة المدرسة الأولى لنفعل كل ذلك. الانضباط لا يُبنى في ليلة… وإنما يُبنى بالتدرج. نبدأ بعادة صغيرة، ثم أخرى. موعد النوم. ترتيب الحقيبة. تنظيم الملابس. اختيار الطعام. تحديد وقت الشاشة. ثم نبدأ في تعليم الطفل أن لديه مسؤوليات يومية يستطيع القيام بها دون أن نذكره في كل مرة. وهنا يأتي دورنا كآباء وأمهات. لا نريد أن نكون مديرين لحياة أبنائنا طوال الوقت. لا نريد أن نقول: نم الآن… استيقظ الآن… ضع هذا… خذ هذا… اترك الهاتف… رتب حقيبتك… اذهب للنوم. نريد أن ننتقل تدريجيًا من الرقابة الخارجية إلى الرقابة الذاتية. فالطفل الذي يلتزم لأنه يخاف من والديه، قد يتوقف عندما يغيبان. أما الطفل الذي يفهم لماذا يفعل الشيء، ويتدرب على القيام به بنفسه، فإنه يحمل هذه المهارة معه أينما ذهب. وأقول دائمًا: نحن لا نربي أبناءنا فقط ليحصلوا على درجات عالية، وإنما نربيهم ليكونوا قادرين على إدارة حياتهم. فالنجاح ليس في أن تكون حقيبة الطفل جاهزة لأن الأم رتبتها. النجاح الحقيقي أن يقول الطفل: «أنا رتبت حقيبتي.» وليس أن ينام مبكرًا لأن والده أمره، وإنما أن يقول: «غدًا لدي مدرسة، لذلك سأذهب للنوم في الوقت المناسب.» هذه هي اللحظة التي يبدأ فيها الانضباط الذاتي. ومع بداية العام الدراسي، فلنعطِ أبناءنا فرصة ليكبروا قليلًا… نقلل الأوامر، ونزيد المشاركة. نقلل الحماية الزائدة، ونزيد المسؤولية. نقلل الرقابة، ونبني الاستقلالية. فالاستعداد للمدرسة ليس شراء حقيبة جديدة فقط… بل إعداد طفل قادر على أن يحمل حقيبته، وينظم يومه، ويختار، ويتحمل مسؤولياته، ويبدأ عامه الجديد بثقة واستقلالية. فلنجهز أبناءنا للمدرسة… لا حقائبهم فقط.

570

| 24 أغسطس 2026

قالت لها: سفينة... فماذا فعلت السفيرة؟!

من المواقف التي لا تُنسى في ملتقيات القمم الدولية للمسؤولية المجتمعية، الذي أقامته الشبكة الإقليمية للمسؤولية المجتمعية ذلك الموقف الذي جمع بين العفوية والذكاء وسرعة البديهة، وكانت بطلته السفيرة نبيلة مكرم، السفيرة نبيلة مكرم هي وزيرة الهجرة وشؤون المصريين بالخارج سابقا، وحاليا تشغل منصب رئيس الأمانة الفنية للتحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي التي كانت راعيًا فخريًا لملتقيات القمم الدولية للمسؤولية المجتمعية. وأذكر أن إحدى مقدمات الملتقى أخطأت في تقديمها للسفيرة نبيلة مكرم، فقالت: «سعادة السفينة»، وكان خطأً عفويًا وغير مقصود. لكن رد السفيرة نبيلة مكرم كان أجمل من أن يكون مجرد تصحيح للخطأ؛ فقد حوّلت تلك الكلمة العابرة إلى لحظة جميلة تحمل معنى ورسالة. فبدل أن تتوقف عند الخطأ أو تصححه بطريقة مباشرة، استثمرت الكلمة بذكاء، وقالت بما معناه إن الله جعلها «سفينة»، ثم أخذت الكلمة إلى مساحة أعمق وأجمل، فربطتها بالسلام والعطاء والخير. وهنا أدركت أن بعض الشخصيات لا تكتفي بإدارة المواقف، بل تستطيع أن تصنع من الموقف رسالة، ومن الكلمة العابرة معنى يبقى في الذاكرة. فالسفينة لا تتحرك من أجل نفسها، وإنما تحمل من عليها إلى وجهة أكثر أمانًا. وسفينة السلام تحمل رسالة المحبة والتقارب، وسفينة العطاء تحمل الخير للآخرين، وسفينة المسؤولية المجتمعية تحمل هموم الإنسان والمجتمع، وتسعى لأن تترك أثرًا حقيقيًا أينما وصلت. كان بإمكان السفيرة أن تكتفي بتصحيح الخطأ وتنتهي اللحظة، لكنها اختارت أن تمنح الكلمة معنى جديدًا. وهذا في حد ذاته درس في القيادة والذكاء الاجتماعي: ليس المهم دائمًا ما يحدث لنا، بل كيف نتعامل مع ما يحدث. ومنذ ذلك الموقف بقيت في ذهني صورة جميلة للسفيرة نبيلة مكرم؛ امرأة استطاعت أن تحوّل كلمة عابرة إلى معنى، وموقفًا محرجًا إلى ابتسامة، وخطأً بسيطًا إلى رسالة تحمل قيمًا كبيرة. ولعل أجمل ما يمكن أن نقوله اليوم: هناك أشخاص يشبهون السفن فعلًا؛ لا يقيسون قيمتهم بما يحملون لأنفسهم، وإنما بما يستطيعون أن يحملوه للآخرين. سفينة السلام حين تنشر الطمأنينة والمحبة، وسفيـنة العطاء حين تمد يدها للإنسان، وسفيـنة المسؤولية حين تحمل قضية المجتمع، وسفيـنة الأمل حين تصل بالآخرين إلى شاطئ أفضل. وهكذا علّمتني تلك اللحظة أن الكلمة قد تكون صغيرة، لكنها في يد الإنسان الذكي يمكن أن تتحول إلى رسالة كبيرة. فكم من موقف عابر مرّ بنا وانتهى، وكم من موقف آخر استطاع صاحبه أن يصنع منه قيمة تبقى في الذاكرة. وهذه هي القيادة الحقيقية: أن تعرف كيف تحوّل اللحظة إلى أثر، والخطأ إلى فرصة، والكلمة إلى رسالة. وربما لهذا السبب ما زالت تلك العبارة عالقة في ذاكرتي: «سفينة السلام… سفينة العطاء». ففي عالم يحتاج إلى مزيد من السلام، ومزيد من العطاء، ومزيد من المسؤولية، نحن بحاجة إلى أشخاص لا ينتظرون أن تصل إليهم السفينة، بل يكونون هم السفينة التي تحمل الخير إلى الآخرين. ولعل أجمل ما في الحكاية أن السفن لا تُقاس بحجمها، وإنما بما تحمله، وكذلك الإنسان لا تُقاس قيمته بما يملك، بل بما يمنحه، وبالأثر الذي يتركه في حياة الآخرين. فهناك كلمات تُقال وتنتهي، وهناك كلمات تولد من موقف عابر، لكنها تظل تحمل معناها طويلًا، لأنها خرجت من إنسان عرف كيف يحوّل اللحظة إلى قيمة، والموقف إلى درس، والكلمة إلى أثر.

1263

| 17 أغسطس 2026

الحياة قطار لا ينتظر أحداً

الحياة تشبه قطارًا طويلًا ينطلق منذ لحظة ميلادنا، ولا يتوقف إلا عندما نصل إلى محطته الأخيرة. وبين محطة البداية ومحطة النهاية، تتعدد المحطات، ويصعد إليها أناس وينزل منها آخرون، وتتغير المناظر من حولنا، لكن القطار يواصل سيره دون أن ينتظر أحدًا. في طفولتنا، تكون أولى المحطات مليئة بالبراءة والاكتشاف. نتعلم المشي بعد التعثر، والكلام بعد المحاولات، ونكتشف العالم بعيون لا تعرف الخوف ولا التعقيد. هي محطة تؤسس لكل ما يأتي بعدها، ولذلك تبقى ذكرياتها محفورة في أعماقنا مهما تقدم بنا العمر. ثم نصل إلى محطة التعليم، حيث لا نتعلم القراءة والكتابة فقط، بل نتعلم معنى الالتزام، وتكوين الصداقات، وتحمُّل المسؤولية، والتعامل مع النجاح والإخفاق. في هذه المحطة يبدأ الإنسان في رسم ملامح شخصيته، ويكتشف شيئًا فشيئًا من يكون، وما الذي يحلم بأن يصبحه. بعدها تأتي محطة العمل وبناء المستقبل. يظن كثيرون أن الوصول إليها هو نهاية الطريق، لكنها في الحقيقة بداية رحلة جديدة. هنا نواجه التحديات، ونتخذ القرارات، ونبني الإنجازات، ونتعلم أن النجاح لا يأتي صدفة، بل يحتاج إلى صبر ومثابرة وإيمان بالقدرة على الاستمرار. ولا تخلو الرحلة من محطات الفقد والألم. قد نفقد شخصًا نحبه، أو فرصة تمنيناها، أو حلمًا سعينا إليه طويلًا. هذه المحطات مؤلمة، لكنها تعلمنا أن الحياة لا تسير دائمًا كما نشتهي، وأن القوة الحقيقية ليست في ألا نسقط، بل في أن ننهض كلما تعثرنا. وهناك أيضًا محطات الفرح؛ الزواج، وولادة طفل، ونجاح الأبناء، وتحقيق هدف طال انتظاره، ولقاء الأحبة بعد غياب. هذه المحطات تمنح الرحلة معناها، وتجعلنا ندرك أن التعب يزول عندما نقطف ثمرة الصبر. ومن أجمل ما في هذا القطار أن بعض الركاب يرافقوننا سنوات طويلة، بينما يغادر آخرون عند أول محطة. قد نحزن لرحيلهم، لكننا مع مرور الوقت ندرك أن لكل إنسان موعدًا للصعود وموعدًا للنزول، وأن استمرار الرحلة لا يعني نسيان من رحل، بل حمل ذكراهم معنا بكل حب وامتنان. المشكلة أن بعضنا يقضي عمره ينظر من نافذة القطار إلى الماضي، متحسرًا على محطة فاتته، أو نادمًا على قرار اتخذه، فينسى أن القطار ما زال يتحرك، وأن أمامه محطات جديدة تستحق أن يعيشها بكل أمل. الحكمة ليست أن نتمنى العودة إلى محطة مضت، فذلك مستحيل، وإنما أن نستفيد مما تعلمناه فيها، وأن نستقبل المحطة القادمة بقلب أكثر نضجًا وعقل أكثر حكمة. فكل محطة، مهما كانت صعبة أو جميلة، تترك فينا أثرًا، وتصنع جزءًا من شخصيتنا. وفي نهاية الرحلة، لن يكون السؤال: كم كانت سرعة القطار؟ بل كيف عشنا الرحلة؟ كم شخصًا أسعدنا؟ وكم يدًا أمسكنا بها؟ وكم أثرًا طيبًا تركناه في قلوب الآخرين؟ فلنجعل رحلتنا أجمل، ولنستمتع بكل محطة، لأن الحياة لا تعود إلى الخلف، وقطارها لا ينتظر أحدًا.

399

| 11 أغسطس 2026

حين لا يكذب الإعلام... لكنه يغيّر مفهوم الحقيقة

كثيرًا ما أتساءل وأنا أتابع نشرة أخبار، أو أقرأ تقريرًا صحفيًا، أو أشاهد محتوى متداولًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي: هل ما يصلني هو الحقيقة كاملة؟ أم أنني أرى جزءًا منها فقط؟ هذا السؤال لا يعني أن كل ما يُعرض علينا غير صحيح، لكنه يدفعني للتفكير في الطريقة التي تُقدَّم بها المعلومات، لأن الحقيقة أحيانًا لا تتغير، لكن طريقة عرضها قد تغيّر فهمنا لها. الإعلام لا يحتاج دائمًا إلى أن يكذب حتى يؤثر فينا، فقد يكتفي باختيار زاوية معينة لعرض الحدث أو المعلومة. قد ينقل حقائق صحيحة، لكنه يسلط الضوء على جانب واحد منها، بينما تبقى جوانب أخرى خارج المشهد. وهنا لا تكون المشكلة في صحة المعلومة، بل في كيفية تقديمها، وما يتم التركيز عليه، وما يتم إغفاله. فعندما نقرأ خبرًا عن حدث معين، أو نسمع إحصائية تتعلق بقضية اجتماعية أو اقتصادية، قد تكون المعلومات صحيحة، لكن السؤال يبقى: هل نعرف الصورة كاملة؟ وما السياق الذي جاءت فيه هذه الأرقام؟ وهل توجد بيانات أو آراء أخرى تساعد على فهمها بصورة أشمل؟ أحيانًا تكفي معلومة صحيحة لكنها ناقصة لتكوين انطباع مختلف لدى المتلقي. كما أن الكلمات لها تأثير كبير في تشكيل نظرتنا للأحداث. فاختيار وصف معين قد يجعلنا نرى القضية بطريقة إيجابية أو سلبية. وهناك فرق بين أن يُقال “تطور مهم” أو “تحول جذري”، وبين أن يُوصف موقف ما بأنه “أزمة” أو “تحدٍ”. في جميع الأحوال قد تبقى الوقائع كما هي، لكن اللغة المستخدمة تصنع انطباعات مختلفة وتؤثر في طريقة استقبالنا للمعلومة. ولا يقتصر الأمر على الكلمات، بل يشمل أيضًا العناوين، والصور، وترتيب الأخبار. فقد يجعلنا عنوان معين نكوّن فكرة مسبقة قبل قراءة التفاصيل، وقد يؤدي تقديم خبر في مقدمة النشرة إلى منحه أهمية أكبر من أخبار أخرى لا تقل عنه قيمة. وأحيانًا تكون المعلومة الأولى التي تصل إلينا هي الأكثر رسوخًا في أذهاننا، حتى وإن ظهرت لاحقًا تفاصيل تضيف إليها أو تعدّلها. ومن الأمور التي تستحق التأمل أن الإنسان بطبيعته يميل إلى تصديق الرسائل التي تُقدَّم بصورة جذابة ومنظمة. فالصورة المؤثرة، والمقطع القصير، والعبارة المختصرة قد تترك أثرًا يفوق أثر الحقائق المجردة أو التقارير المطولة. ولهذا أصبح الإعلام الحديث يعتمد على أساليب العرض التي تستقطب الانتباه وتثير التفاعل، وهو ما يزيد من مسؤولية المتلقي في التحقق والتفكير قبل إصدار الأحكام. ومن الأساليب التي قد تؤثر في فهمنا للحقيقة التركيز على الحالات الفردية أو الأمثلة الاستثنائية. فقد تُعرض قصة واحدة مؤثرة على أنها تمثل واقعًا عامًا، بينما تكون في الحقيقة حالة خاصة لا تعكس الصورة الكاملة. لذلك من المهم أن نميز بين المثال الذي يوضح قضية معينة، وبين المثال الذي قد يُستخدم لتكوين انطباع لا يستند إلى الواقع بأكمله. وهذا لا يعني أن وسائل الإعلام تهدف إلى تضليل الناس، فهناك الكثير من المؤسسات الإعلامية التي تلتزم بالمهنية، وتسعى إلى نقل المعلومات بدقة وموضوعية. لكن في عصر تتدفق فيه الأخبار بسرعة هائلة، وتتنافس فيه المنصات على جذب الانتباه، أصبح من الضروري أن يمتلك المتلقي مهارة التفكير النقدي، وأن يبحث عن أكثر من مصدر، وألا يكتفي بما يراه أو يسمعه للمرة الأولى. ربما لا يكون أخطر ما يواجهنا هو الكذب الواضح، بل أن نرى جزءًا من الحقيقة ونعتقد أننا رأيناها كاملة. لذلك من المفيد أن نسأل دائمًا: لماذا اختير هذا العنوان؟ ولماذا جرى التركيز على هذه الزاوية دون غيرها؟ وما المعلومات أو الآراء التي لم تُذكر؟ في النهاية، الحقيقة لا تتغير دائمًا، لكن الطريقة التي يعرض بها الإعلام الأحداث قد تؤثر في الطريقة التي نفهمها بها. وبين ما يُقال وما يصل إلينا، تبقى مساحة تحتاج إلى وعي، وتأمل، وتحقق، حتى نقترب من الصورة الكاملة. فالمتلقي الواعي لا يرفض كل ما يسمعه، ولا يصدق كل ما يراه، بل يبحث دائمًا عن المعرفة المتوازنة قبل أن يكوّن رأيه.

510

| 03 أغسطس 2026

أسبوع البنفسج... رسالة وعي تتجاوز حدود اللون

هناك مناسبات لا تأتي فقط للاحتفال، بل تأتي لتذكرنا بمسؤولياتنا الإنسانية تجاه بعضنا البعض. ومن هذه المناسبات أسبوع البنفسج، الذي يحمل رسالة مهمة لتعزيز الوعي بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وترسيخ مفهوم الدمج والمشاركة، والتأكيد على أنهم جزء أساسي وفاعل من المجتمع. إن أسبوع البنفسج ليس مجرد لون أو حملة توعوية مؤقتة، بل هو دعوة لتغيير نظرتنا إلى الإعاقة؛ من الشفقة إلى التمكين، ومن التركيز على التحديات إلى الإيمان بالقدرات والإمكانات. فالأشخاص ذوو الإعاقة لا يحتاجون فقط إلى التعاطف، بل يحتاجون إلى مجتمع يحترم حقوقهم ويوفر لهم فرص التعلم والعمل والاستقلال والمشاركة. وقد جاءت هذه المبادرة لتؤكد أهمية بناء مجتمع شامل لا يترك أحدًا خلفه، مجتمع يقدّر التنوع ويؤمن بأن اختلاف القدرات بين أفراده ليس عائقًا، بل هو جزء من ثراء المجتمع وقوته. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا اختير اللون البنفسجي رمزًا لهذه المناسبة؟ لأن البنفسجي يحمل معاني ترتبط برسالة هذه المبادرة؛ فهو يرمز إلى الكرامة والاحترام، وهي قيم أساسية في التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة. كما يعبر عن التنوع والاختلاف، ويذكرنا بأن لكل إنسان قدراته الخاصة التي تستحق الاكتشاف والدعم. ويرتبط اللون البنفسجي كذلك بالأمل والحكمة والهدوء، وهي معانٍ مهمة في رحلة دعم الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم، فالتقدم يحتاج إلى صبر ووعي وإيمان بأن كل إنسان قادر على التطور عندما تتوفر له البيئة المناسبة والفرص العادلة. وتعد مبادرة السبت البنفسجي في دولة قطر نموذجًا يعكس هذا التوجه، من خلال تعزيز مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم، وتشجيع المؤسسات على تقديم الخدمات والتسهيلات التي تدعم الدمج وتيسر مشاركتهم في مختلف مجالات الحياة. وأجمل ما يميز هذه المبادرات أنها توحد جهود مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع في رسالة واحدة: أن الأشخاص ذوي الإعاقة جزء أصيل من الوطن، وأن تمكينهم مسؤولية مشتركة. إن قيمة أسبوع البنفسج لا تكمن فقط في الفعاليات التي تقام خلاله، بل في الرسالة التي تبقى بعد انتهائه؛ وهي أن تصبح ثقافة الدمج واحترام الحقوق جزءًا من حياتنا اليومية في المدارس، والمؤسسات، وأماكن العمل، وفي تعاملنا مع الآخرين. ومن هذا المنطلق، يحرص مركز الدوحة العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة على المشاركة في أسبوع البنفسج من خلال تقديم خدمات مجانية توعوية وتأهيلية ودعم للأسر، تأكيدًا على دوره في نشر الوعي وتعزيز التمكين. فضفضة اليوم… البنفسجي ليس مجرد لون نراه في مناسبة، بل رسالة نحتاج أن نحملها في سلوكنا اليومي. رسالة تقول إن الاختلاف لا يقلل من قيمة الإنسان، وإن لكل شخص مكانًا ودورًا وقدرات تستحق أن تُرى وتُقدّر. رسالتي لكل أسرة لديها ابن أو ابنة من الأشخاص ذوي الإعاقة: لا تؤجلوا طلب الدعم أو التدخل المبكر، فكل خطوة تبدأ اليوم قد تصنع فرقًا كبيرًا في المستقبل. ورسالتي للمجتمع: اجعلوا البنفسجي أسلوب حياة، احترموا الاختلاف، وامنحوا الفرصة، وشجعوا القدرات، وكونوا جزءًا من بناء مجتمع لا يُقصي أحدًا. فأجمل المجتمعات ليست التي تخلو من الاختلاف، بل التي تعرف كيف تحتضن اختلافاتها وتحولها إلى مصدر قوة وإنسانية.

438

| 26 يوليو 2026

«أوصيكم بقطر».. كلمات لا تغادر الذاكرة

هناك كلمات تُقال في لحظة، لكنها تبقى حاضرة في الوجدان مدى الحياة. كلمات تختصر وطنًا، وتختزل مسيرة، وتحمل بين حروفها رسالةً للأجيال. ومن أكثر الكلمات التي تراودني كلما تذكرت سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، تلك الوصية الخالدة: “أوصيكم بقطر.” لم تكن مجرد عبارة، بل كانت منهج حياة. كانت رسالة قائدٍ أحب وطنه، وآمن بأن الإنسان هو أغلى ثرواته، وأن نهضة الأمم لا تُقاس بما تمتلكه من موارد، بل بما تبنيه من عقول، وما تغرسه من قيم، وما تتركه من أثر. لقد آمن بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار. فشهدت قطر نهضة تعليمية غير مسبوقة، وتطورًا في مؤسسات التعليم والبحث العلمي، إلى جانب اهتمام كبير بالصحة والتنمية البشرية، حتى أصبحت هذه المجالات من ركائز النهضة القطرية الحديثة. ولم يكن الاهتمام بالأشخاص ذوي الإعاقة جانبًا هامشيًا، بل كان جزءًا أصيلًا من رؤية قطر الإنسانية. فقد دعمت الدولة المبادرات التي عززت حقوقهم، ورسخت مفهوم الدمج والتمكين، باعتبار أن المجتمع المتقدم هو الذي يفتح أبوابه للجميع، ويؤمن بأن لكل إنسان حقًا في التعليم والعمل والمشاركة وصناعة المستقبل. وبوصفي متخصصة في هذا المجال، وعملت لأكثر من عقدين مع الأشخاص ذوي الإعاقة، فقد رأيت أثر هذه الرؤية على أرض الواقع، وكيف أصبحت ثقافة التمكين والدمج أكثر حضورًا، وكيف تحولت النظرة إلى الإعاقة من التركيز على العجز إلى الإيمان بالقدرات والإمكانات. وعندما أتأمل هذه المسيرة، أدرك أن ما تحقق لم يكن جهد فرد، بل كان ثمرة رؤية مشتركة، وإيمان عميق بأن الوطن يستحق أن تُبذل من أجله كل الطاقات، وأن الإنسان هو البداية والنهاية في أي مشروع حضاري. واليوم، تواصل دولة قطر هذه المسيرة المباركة بقيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الذي حمل الأمانة بكل اقتدار، واستكمل نهج البناء والتطوير، محافظًا على الأسس الراسخة التي قامت عليها النهضة، ومضيفًا إليها رؤى جديدة عززت مكانة قطر على المستويين الإقليمي والدولي. فاستمرت مسيرة الاستثمار في الإنسان، وتعززت الإنجازات في التعليم، والصحة، والتنمية، والابتكار، وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة، حتى أصبحت قطر نموذجًا في الاستدامة والطموح والتميز. وهنا أعود إلى تلك الكلمات التي لا تغادر وجداني: “أوصيكم بقطر.” أشعر أنها ليست وصية لجيلٍ بعينه، بل لكل من يعيش على هذه الأرض المباركة. أن نحافظ على وطننا، وأن نعمل بإخلاص، وأن نصون ما تحقق، وأن نؤمن بأن خدمة قطر ليست مسؤولية القيادة وحدها، بل مسؤولية كل مواطن ومقيم يعيش على أرضها. رحم الله سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وجعل ما قدمه لوطنه وأمته في ميزان حسناته. وحفظ الله حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وسدد خطاه، وأدام على قطر أمنها واستقرارها وازدهارها. فالعظماء قد يغيبون عن الأنظار، لكن أعمالهم تبقى حيّة في الأوطان، وتظل بصماتهم شاهدة في كل مدرسة، وكل جامعة، وكل مستشفى، وكل إنجاز، وكل ابتسامة على وجه طفل وجد فرصة للتعلم، أو شخص من ذوي الإعاقة وجد بابًا للتمكين، أو شاب وجد مستقبلًا يصنعه في وطن آمن بقدرات أبنائه. حفظ الله قطر… قيادةً وشعبًا… وجعلها دائمًا وطنًا للعز، والإنسان، والإنجاز.

552

| 20 يوليو 2026

الأمير الوالد ومسيرة الوفاء لذوي الإعاقة

لم يكن خبر وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، خبرًا عاديًا بالنسبة لي، بل كان لحظةً اختلط فيها الحزن بالامتنان، والدموع بالفخر. بكيت كما بكى كل محب لهذا الوطن، لكن دموعي كانت تحمل أيضًا ذاكرة سنوات طويلة عشتها بين الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم، ورأيت خلالها كيف تغيّرت حياتهم بفضل رؤية قائد آمن بأن الإنسان هو أعظم ثروة، وأن التنمية لا تكتمل إلا إذا شملت الجميع. في تلك اللحظة، مرّ أمام عيني شريط طويل من الذكريات؛ أطفال وجدوا فرصة للتعليم بعد أن كانت أبواب المدارس مغلقة أمامهم، وأسر شعرت لأول مرة أن أبناءها لهم مكان في هذا الوطن، ومراكز متخصصة أُنشئت لتقدم خدمات علمية وتأهيلية، ومتخصصون وجدوا الدعم ليواصلوا رسالتهم الإنسانية. لم تكن تلك مجرد مشاريع أو مبانٍ، بل كانت قصصًا حقيقية غيّرت حياة آلاف الأسر. لقد كرّست أكثر من أربعة وعشرين عامًا من حياتي للعمل مع الأشخاص ذوي الإعاقة، وكنت شاهدة على مرحلة مفصلية في تاريخ قطر، مرحلة انتقل فيها ملف الإعاقة من مفهوم الرعاية إلى مفهوم الحقوق والتمكين والدمج. لذلك، عندما رحل الأمير الوالد، شعرت أن من واجبي، وفاءً وعرفانًا، أن أكتب عن بعض ما قدمه لهذه الفئة التي كانت تحظى باهتمامه ودعمه. لم ينظر الأمير الوالد إلى الأشخاص ذوي الإعاقة باعتبارهم فئة تحتاج إلى العطف، بل رأى فيهم مواطنين لهم حقوق كاملة، وقدرات تستحق أن تُكتشف، وطاقة يمكن أن تسهم في بناء الوطن متى ما أُتيحت لها الفرصة. ومن أبرز الإنجازات التي تحققت في عهده: أولًا: ترسيخ مفهوم الحقوق والدمج حيث شهدت قطر تحولًا حقيقيًا في النظرة إلى الأشخاص ذوي الإعاقة، حيث انتقل الاهتمام من تقديم الرعاية التقليدية إلى ترسيخ مفهوم الحقوق، والمشاركة الفاعلة، والدمج في المجتمع والتعليم والعمل، بما يعكس احترام كرامة الإنسان وحقه في المشاركة الكاملة. ثانيًا: دعم التشريعات الوطنية فقد حظي ملف الإعاقة بدعم واضح في تطوير التشريعات والسياسات الوطنية، بما يكفل حماية الحقوق، ويعزز مبدأ تكافؤ الفرص، وعدم التمييز، وتوفير الخدمات التي تضمن الحياة الكريمة للأشخاص ذوي الإعاقة. ثالثًا: الانضمام إلى اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة فمع اعتماد الأمم المتحدة لاتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة عام 2006، كانت دولة قطر، في عهد الأمير الوالد، من الدول التي سارعت إلى المصادقة عليها عام 2008، في خطوة جسدت التزام الدولة بالمعايير الدولية، وحرصها على تعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في مختلف المجالات. رابعًا: دعم المؤسسات الوطنية حيث شهدت تلك المرحلة توسعًا كبيرًا في إنشاء وتطوير المؤسسات والمراكز المتخصصة، وتوفير الإمكانات اللازمة للتأهيل والتعليم والتدخل المبكر والعلاج، بما أسهم في الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة. خامسًا: تمكين القيادات الوطنية فمن المواقف التي ستظل راسخة في الذاكرة، ثقته في الكفاءات الوطنية، ومنحها الفرصة لقيادة هذا الملف الإنساني المهم. فقد حظيت الشيخة حصة بنت خليفة آل ثاني، رحمها الله، بثقته، وتولت مسؤوليات قيادية كان لها أثر كبير في متابعة تنفيذ اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز حضور دولة قطر في المحافل الدولية، والمساهمة في تطوير السياسات الوطنية الخاصة بهذه الفئة. سادسًا: دعم التعليم الدامج حيث شهد قطاع التعليم تطورًا كبيرًا في برامج التربية الخاصة، والتوسع في دمج الطلبة ذوي الإعاقة في المؤسسات التعليمية، إلى جانب الاهتمام ببرامج التدخل المبكر التي أثبتت أهميتها في تحسين جودة حياة الأطفال. سابعًا: تطوير الخدمات الصحية والتأهيلية فقد حظيت الخدمات الصحية والتأهيلية باهتمام كبير، من خلال تطوير مراكز العلاج الطبيعي، والعلاج الوظيفي، وعلاج النطق واللغة، وإدخال أحدث وسائل التشخيص والتأهيل وفق المعايير العالمية. ثامنًا: دعم المجتمع المدني حيث فتح المجال أمام الجمعيات والمراكز الخاصة للعمل في خدمة الأشخاص ذوي الإعاقة، وتشجيع المبادرات الوطنية، بما عزز الشراكة بين الدولة والمجتمع في تقديم الخدمات. تاسعًا: دعم الأسرة فلم يقتصر الاهتمام على الشخص ذي الإعاقة، بل امتد ليشمل الأسرة، من خلال برامج الإرشاد والتوعية، والخدمات المساندة التي ساعدت الأسر على أداء دورها في الرعاية والتأهيل. عاشرًا: الرياضة والثقافة حيث شهدت الرياضة البارالمبية والأنشطة الثقافية تطورًا ملحوظًا، وأصبح للأشخاص ذوي الإعاقة حضور مشرّف في المنافسات المحلية والدولية، في رسالة تؤكد أن الإعاقة لا تحد من الإبداع والتميز. الحادي عشر: تهيئة البيئة العمرانية فقد أولت الدولة اهتمامًا بتوفير بيئة أكثر سهولة للوصول، وتطوير المرافق العامة بما يراعي احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، تعزيزًا لاستقلاليتهم ومشاركتهم المجتمعية. الثاني عشر: تعزيز الحضور الدولي حيث أصبحت قطر، خلال تلك المرحلة، نموذجًا يُحتذى به في دعم حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، من خلال مشاركتها الفاعلة في المؤتمرات الدولية، والتزامها بتطبيق الاتفاقيات والمواثيق ذات الصلة. لقد كان الأمير الوالد يؤمن بأن بناء الإنسان هو أعظم استثمار، ولذلك لم تكن إنجازاته في مجال الإعاقة مجرد قرارات إدارية، بل كانت جزءًا من مشروع وطني متكامل، جعل من الكرامة الإنسانية أساسًا للتنمية، ومن العدالة الاجتماعية ركيزة لبناء الدولة الحديثة. وأنا أكتب هذه الكلمات، لا أكتبها من موقع الباحثة أو المتخصصة فقط، بل من موقع الإنسان الذي عاش هذه المرحلة، وشهد أثرها في وجوه الأطفال، وفي ابتسامات الأمهات، وفي قصص النجاح التي خرجت من رحم التحديات. لذلك، فإن الحديث عن الأمير الوالد هو حديث عن مرحلة صنعت الأمل لآلاف الأسر، ورسخت ثقافة جديدة تؤمن بأن الأشخاص ذوي الإعاقة جزء أصيل من المجتمع، وشركاء في نهضته. ختامًا رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فقد كان قائدًا آمن بأن نهضة الأوطان تُقاس بكرامة الإنسان، وأن المجتمع الحقيقي هو الذي يحتضن جميع أبنائه دون استثناء. وفي عهده وُضعت اللبنات الأساسية لمسيرة تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز حقوقهم، وفتح الأبواب أمامهم ليكونوا شركاء في بناء الوطن. اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واجعل ما قدمه لوطنه وللإنسانية في ميزان حسناته، واجزه خير الجزاء عن كل يدٍ امتدت بالعطاء، وكل حق أُعيد لأصحابه، وكل إنسان وجد في رؤيته فرصة لحياة أكثر كرامة وعدلًا. ونحن، أبناء هذا الوطن، والعاملون في خدمة الأشخاص ذوي الإعاقة، نعاهد الله ثم نعاهد وطننا أن نواصل هذه المسيرة بإخلاص وأمانة، وأن نحمل الرسالة التي آمن بها، فنستمر في الدفاع عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتطوير الخدمات المقدمة لهم، والعمل على تمكينهم وإبراز قدراتهم، حتى تبقى قطر كما أرادها وطنًا يحتضن الجميع. نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، ويسكنه الفردوس الأعلى، وأن يجزيه عن قطر وأهلها خير الجزاء، وأن يوفقنا جميعًا لأن نكون أوفياء للمسيرة التي بدأها، وأن نكملها بإخلاص، حتى يبقى الإنسان دائمًا هو أغلى ثروات هذا الوطن.

441

| 15 يوليو 2026

حين يرحل الكبار.. تبقى آثارهم في القلوب

هناك رحلات في الحياة لا تنتهي بانتهاء أصحابها، فبعض الأشخاص لا يغيبون برحيلهم، لأنهم يتركون خلفهم أثرًا يتجاوز حدود الزمن، وسيرةً تبقى محفورة في ذاكرة الوطن وقلوب أبنائه. فالعظماء لا يُقاس حضورهم بطول سنوات بقائهم، وإنما بما قدموه من عطاء، وما حملوه من مسؤولية، وما زرعوه من قيم ومبادئ تبقى شاهدة على مسيرتهم. رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، وترك وراءه مسيرة وطنية حافلة بالعطاء والإنجاز، ستظل حاضرة في وجدان دولة قطر وأبنائها. فالقادة الحقيقيون لا تُقاس مكانتهم فقط بالمناصب التي تقلدوها، بل بما قدموه من رؤية، وما بذلوه من جهود، وما أحدثوه من تأثير في حياة شعوبهم ومسيرة أوطانهم. إن بناء الأوطان ليس طريقًا سهلًا، بل هو رحلة تحتاج إلى رؤية بعيدة، وإرادة قوية، وإيمان راسخ بأن الإنسان هو محور التنمية وغايتها. وقد ارتبطت مسيرة الأمير الوالد بمحطات مهمة في تاريخ قطر، أسهمت في تعزيز مكانتها، ودعم مسيرتها التنموية، وترسيخ حضورها على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. وعندما نتحدث عن الشخصيات العظيمة، فإننا لا نتحدث فقط عن الإنجازات التي تُرى، بل عن القيم التي تبقى؛ قيم المسؤولية، والالتزام، وخدمة الوطن، والحرص على بناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة. فالأثر الحقيقي للإنسان لا يُكتب في السجلات فقط، بل يُكتب في قلوب الناس، وفي ذكرياتهم، وفي كل حياة تأثرت بما قدمه من خير. في لحظات الفقد، تختلط مشاعر الحزن بالامتنان؛ نحزن على رحيل شخصية وطنية تركت مكانة خاصة، ونشعر بالامتنان لما قدمته من عطاء سيظل حاضرًا في مسيرة الوطن. فالأشخاص الذين يعملون بإخلاص لا يغيبون تمامًا، لأن أعمالهم تستمر في الحديث عنهم، ومواقفهم تبقى جزءًا من الذاكرة الوطنية. رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه لشعبه ووطنه وأمته في ميزان حسناته. نسأل الله أن يكتب له أجر كل إنجاز كان سببًا في رفعة الوطن، وكل خير امتد أثره إلى حياة الناس، وأن يجعل مقامه عاليًا في الجنة جزاء ما بذل وأعطى. إن الأوطان تحفظ أسماء من أحبوا أرضها وعملوا من أجل نهضتها، والتاريخ لا ينسى من حملوا مسؤولية البناء والتطوير. فالقيمة الحقيقية للإنسان ليست فيما يتركه من ممتلكات، بل فيما يتركه من أثر طيب، ومن ذكريات جميلة، ومن أعمال تستمر فائدتها بعد الرحيل. وسيظل الأمير الوالد حاضرًا في ذاكرة قطر، بما يمثله من مرحلة مهمة في مسيرتها، وبما تركه من إرث وطني وإنساني. وستبقى سيرته مصدر إلهام للأجيال القادمة، تذكرهم بأن خدمة الوطن والإنسان من أسمى الرسائل التي يمكن أن يحملها الإنسان في حياته. ومن قلب ابنة هذا الوطن، أرفع الدعاء لفقيد الوطن: اللهم اجعل ما قدمه لقطر وشعبها وأمته رفعةً له في جناتك، واجعل أثره الطيب ممتدًا، وأعماله الصالحة نورًا له، وأسكنه الفردوس الأعلى مع الصديقين والصالحين. فالوطن يحفظ أبناءه الأوفياء، والقلوب لا تنسى من كتبوا أسماءهم بحروف من محبة وعطاء ووفاء. ابنة وطن…

633

| 13 يوليو 2026

وراء كل شهادة... حكاية كفاح

هناك أفراح تمر في حياتنا كأي مناسبة، وهناك أفراح تترك في القلب أثرًا لا يمحوه الزمن. ومن أجمل هذه الأفراح فرحة التخرج من الثانوية العامة؛ تلك اللحظة التي لا تُقاس بورقة تحمل درجات، بل تُقاس بسنوات طويلة من التعب، والسهر، والقلق، والدعوات التي ارتفعت في جوف الليل، والأحلام التي نمت عامًا بعد عام حتى آن لها أن تُزهر. في كل موسم تخرج، لا أرى شهادات تُوزَّع، بل أرى حكايات تُروى. أرى طفلًا دخل المدرسة وهو يحمل حقيبة أكبر من قامته، ثم أقف أمام شاب أو شابة يحملان شهادة تفتح لهما أبواب المستقبل. وبين البدايات والنهايات رحلة طويلة، امتلأت بالاجتهاد، والتحديات، والنجاحات الصغيرة، والإخفاقات التي صنعت القوة، والدموع التي تحولت إلى ابتسامات، والخوف الذي أصبح ثقة بالنفس. ولعل أجمل ما في هذه الفرحة أنها لا تخص الخريج وحده، بل يعيشها كل من أحبه. فالأم التي سهرت تتابع، وتوقظ، وتدعو، تشعر وكأنها هي التي تخرجت. والأب الذي حمل هم المستقبل، وبذل كل ما يستطيع ليهيئ لأبنائه أسباب النجاح، يقف في ذلك اليوم مرفوع الرأس، يرى في أعينهم ثمرة سنوات من الكفاح. وحتى الإخوة والأصدقاء والمعلمون، لكل منهم نصيب من هذه الفرحة، لأن النجاح لا يولد من فراغ، بل تصنعه أيادٍ احتضنت، وقلوب آمنت، وأشخاص وقفوا إلى جانبنا حتى في اللحظات التي شككنا فيها بقدراتنا. وفي هذا العام، اكتسبت فرحة التخرج بُعدًا إنسانيًا مميزًا، حين بادرت سعادة وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي، لولوة بنت راشد الخاطر، بالاتصال بعدد من الطالبات المتفوقات لتزف إليهن بنفسها خبر حصولهن على المنح الدراسية. لم يكن ذلك مجرد اتصال هاتفي، بل كان رسالة صادقة من وطن يعرف قيمة الاجتهاد، ويؤمن بأن أبناءه وبناته هم ثروته الحقيقية. وربما كانت تلك المكالمة بالنسبة لبعض الخريجات لحظة لا تقل فرحًا عن لحظة التخرج نفسها، لأنها حملت اعترافًا بالتميز، وفتحت أمامهن أبوابًا جديدة لتحقيق طموحاتهن. إنها لفتة راقية تؤكد أن الأوطان العظيمة لا تحتفي بالنجاح فحسب، بل تحتفي بأصحابه أيضًا. مثل هذه المبادرات ليست أخبارًا عابرة، وإنما رسائل ملهمة لكل طالب وطالبة، تؤكد أن الاجتهاد لا يضيع، وأن التميز يجد دائمًا من يقدّره ويحتفي به. وهي أيضًا رسالة وفاء لكل أسرة سهرت وتعبت وضحت، بأن ثمرة الصبر قد تأتي في لحظة واحدة، لكنها تساوي سنوات طويلة من الانتظار. لكن ما أتمناه من كل خريج وخريجة ألا يجعلوا التخرج محطة الوصول، بل نقطة الانطلاق. فالحياة لا تتوقف عند شهادة مهما بلغت قيمتها، وإنما تبدأ بعدها رحلة جديدة، أكثر اتساعًا وأكثر مسؤولية. رحلة لاكتشاف الذات، واختيار الطريق، وصناعة المستقبل، وتحويل الأحلام إلى إنجازات تخدم الفرد ووطنه. كم هو جميل أن نفرح بالنجاح، لكن الأجمل أن نحافظ عليه، وأن نجعل من العلم رسالة، ومن الأخلاق منهجًا، ومن الاجتهاد أسلوب حياة. فالعالم لا يحتاج إلى أصحاب الشهادات فقط، بل يحتاج إلى أصحاب المبادئ، وإلى شباب يؤمنون بأن النجاح الحقيقي هو أن يكون الإنسان نافعًا لوطنه، ومجتمعه، ولكل من حوله. وفي خضم هذه الاحتفالات، لا ينبغي أن ننسى أولئك الذين لم يحالفهم الحظ هذا العام. فالنتائج ليست نهاية الأحلام، والتعثر ليس فشلًا، بل قد يكون بداية طريق مختلف يقود إلى نجاح أكبر. كم من شخص لم يحقق ما أراده في أول محاولة، ثم أصبح فيما بعد نموذجًا يُحتذى به في النجاح والتميز. فلا تجعلوا رقمًا في كشف الدرجات يحدد قيمتكم أو يرسم مستقبلكم، فالقيمة الحقيقية للإنسان تكمن في إرادته، وعزيمته، وقدرته على النهوض بعد كل تعثر. وإلى أولياء الأمور، أقول: لا تجعلوا أبناءكم يقيسون أنفسهم بدرجة أو نسبة مئوية فقط. احتضنوهم في يوم النجاح، وساندوهم في يوم التعثر، فالحب غير المشروط هو أعظم هدية يمكن أن تقدم للأبناء. فكم من كلمة تشجيع صنعت طبيبًا، أو مهندسًا، أو معلمًا، أو قائدًا، وكم من كلمة إحباط أطفأت حلمًا كان يمكن أن يغيّر حياة صاحبه. إلى كل خريج وخريجة… مبارك لكم هذا الإنجاز. احتفلوا، وافرحوا، وامنحوا أنفسكم حق الفخر بما بذلتموه من جهد. ثم افتحوا صفحة جديدة بعزيمة أكبر، فالمستقبل لا يُبنى بالأمنيات، بل بالعمل، والإصرار، والإيمان بأن القادم يحمل فرصًا أجمل. ويبقى التخرج رسالة تقول لنا إن لكل تعب نهاية، ولكل صبر ثمرة، ولكل حلم يؤمن به صاحبه موعدًا مع الحقيقة. وما أجمل أن يتحول هذا اليوم إلى بداية جديدة، لا تحمل الأحلام الشخصية فقط، بل تحمل أيضًا مسؤولية رد الجميل لهذا الوطن الذي آمن بشبابه، واحتفى بتميزهم، وفتح أمامهم أبواب المستقبل. فهنيئًا لكل من حصد اليوم ما زرعه بالأمس، وهنيئًا لكل قلب عرف أن الطريق إلى القمة يبدأ بخطوة، ويستمر بالإرادة، ولا ينتهي إلا بتحقيق الحلم. التخرج… بداية الحلم لا نهايته

1458

| 07 يوليو 2026

لماذا تفشل الخطط الجيدة عند التنفيذ؟
لماذا تفشل الخطط الجيدة عند التنفيذ؟

في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع...

8847

| 20 سبتمبر 2026

المفاوض القطري والياباني.. دروس في بناء الثقة
المفاوض القطري والياباني.. دروس في بناء الثقة

في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي...

7188

| 15 سبتمبر 2026

كيف يكسب رجل الأعمال ثقة الناس قبل الصفقات؟
كيف يكسب رجل الأعمال ثقة الناس قبل الصفقات؟

قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل...

3918

| 22 سبتمبر 2026

حين ندفع المعلم إلى الانسحاب
حين ندفع المعلم إلى الانسحاب

بين تعميمين أسبوع واحد. في الثالث من سبتمبر...

3291

| 16 سبتمبر 2026

كابوس الديون يبدأ من ليلة الزفاف
كابوس الديون يبدأ من ليلة الزفاف

«وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا...

2637

| 18 سبتمبر 2026

لم نعد نمر بالأحساء
لم نعد نمر بالأحساء

لم نعد نمر بالأشياء كما كنا، تلك الطرق...

2328

| 16 سبتمبر 2026

سطوة الهاتف المحمول
سطوة الهاتف المحمول

نتقلب في نعم الله تعالى المنعم ليلا ونهارا،...

1419

| 17 سبتمبر 2026

باب المندب.. خطر يحدق بالعالم
باب المندب.. خطر يحدق بالعالم

لا تكمن خطورة ما يجري في منطقة باب...

1224

| 20 سبتمبر 2026

العزوف عن الزواج.. خطر صامت يهدد النمو السكاني في قطر
العزوف عن الزواج.. خطر صامت يهدد النمو السكاني في قطر

عندما نتحدث عن التحديات التي تواجه الأسرة القطرية،...

1098

| 15 سبتمبر 2026

شكراً قطر الخيرية.. أيتام الصومال على منصة التتويج
شكراً قطر الخيرية.. أيتام الصومال على منصة التتويج

بدعوة كريمة من السيد يوسف بن أحمد الكواري،...

657

| 16 سبتمبر 2026

عودة أصالة إلى سوريا
عودة أصالة إلى سوريا

شهدت دمشق الأسبوع الماضي حدثًا ثقافيًا وفنيًا استثنائيًا،...

603

| 21 سبتمبر 2026

رقبتي سدّادة
رقبتي سدّادة

يُحكى أن رجلًا عُرف بين أهله وأصدقائه بأنه...

564

| 17 سبتمبر 2026

أخبار محلية