رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. هلا السعيد

مساحة إعلانية

مقالات

153

د. هلا السعيد

رمضان وأبناؤنا بين الروح والتربية

16 فبراير 2026 , 02:00ص

يأتي رمضان كل عام ضيفًا عزيزًا، يحمل في طيّاته السكينة، ويمنح البيوت دفئًا مختلفًا. لكن السؤال الذي يشغل قلبي دائمًا: كيف نُدخل أبناءنا إلى روح رمضان، لا إلى شكله فقط؟

رمضان ليس امتناعًا عن الطعام فحسب، بل هو مدرسة تربوية متكاملة. مدرسة للصبر، وضبط النفس، وتنظيم الوقت، والشعور بالآخر. أطفالنا لا يتعلمون رمضان من الأوامر، بل من المشهد اليومي الذي يعيشونه. من طريقة حديثنا قبل الإفطار، من هدوئنا ونحن صائمون، من دعواتنا الصادقة، ومن علاقتنا بالقرآن.

كثير من الأسر تركّز على سؤال: متى يصوم الطفل؟ والأجمل أن نسأل: كيف نُحبّبه في الصيام؟

التدرّج هو المفتاح. ساعات صيام بسيطة، كلمات تشجيع، احتفاء بأول محاولة، شهادة تقدير عائلية صغيرة… كلها تصنع ذاكرة جميلة. لا نريد لطفلنا أن يرتبط رمضان لديه بالتعب والغضب، بل بالفرح والإنجاز والانتماء.

أما أبناؤنا من ذوي الإعاقة، فهم أولى بأن نمنحهم تجربة تناسب قدراتهم. ليس المطلوب تكليفًا يفوق طاقتهم، بل إشراكهم في الطقوس اليومية: ترتيب المائدة، توزيع التمر، تعليق الزينة، أو اختيار دعاء قصير. بعضهم قد لا يستطيع الصيام لأسباب صحية، وهنا تكون الرحمة أولى من المقارنة. يمكن تعويض ذلك بأعمال خير بسيطة أو مهام تعزز لديهم الشعور بالقيمة والمشاركة.

ورمضان فرصة ذهبية لغرس القيم الاجتماعية. حين نصطحب أبناءنا لإيصال وجبة لجار، أو نضع صندوقًا صغيرًا للصدقة في المنزل، أو نشرح لهم معنى الجوع بلغة الرحمة، فإننا نحوّل الصوم إلى وعي، والعبادة إلى سلوك. الطفل يتعلّم العطاء حين يراه ممارسة يومية لا درسًا نظريًا.

ولأن التربية في رمضان تحتاج وعيًا مقصودًا، فهذه بعض النصائح العملية للأسر:

أولًا: ضعوا روتينًا واضحًا لليوم الرمضاني، يتضمن وقت نوم كافيًا، ووقتًا للقراءة أو العبادة، ونشاطًا خفيفًا يناسب أعمارهم.

ثانيًا: خففوا التوقعات في الأيام الأولى، فالجسم يحتاج وقتًا للتكيّف مع الصيام.

ثالثًا: اجعلوا وقت الإفطار مساحة هدوء وامتنان، وابتعدوا عن النقاشات الحادة قبل الأذان.

رابعًا: خصصوا دقائق يومية لحوار رمضاني بسيط، سؤال مفتوح يجيب عنه كل فرد في الأسرة.

خامسًا: احتفلوا بالإنجازات الصغيرة، فالتقدير يصنع دافعية داخلية عميقة.

ولا ننسى أن أطفالنا يراقبون انفعالاتنا أكثر مما يسمعون كلماتنا. إن كان رمضان موسم توتر، فستترسخ لديهم صورة مشوشة عنه. وإن كان موسم طمأنينة وتسامح، فسيشتاقون له كل عام.

رمضان ليس سباقًا في عدد الختمات، بل سباق في عدد القلوب التي نُصلحها. وأقرب القلوب إلينا قلوب أبنائنا. فلنجعل هذا الشهر فرصة لنغرس فيهم معنى الصبر، والرحمة، والانتماء… ولنتذكر أننا نربي أنفسنا أمامهم قبل أن نربيهم.

مساحة إعلانية