رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

هديل رشاد

صحفية فلسطينية

مساحة إعلانية

مقالات

276

هديل رشاد

تحيةٌ للجمعيات النسوية!

16 يونيو 2026 , 11:16م

أرى علامات الدهشة ترتسم على محياك عزيزي القارئ، وكأنك تتساءل: تحيةٌ لمن؟ وعلى ماذا؟ تحيةٌ لتلك الجمعيات والمنظمات النسوية التي أثبتت قدرةً استثنائية على رفع الصوت حين يتوافق الظلم مع أجنداتها، وإتقان الصمت حين تكون الضحية امرأةً مسلمة أيا كان موقعها.

فلو فُرض النقاب على نساء في قرية نائية، أو حُرمت طالبة من حقها في التعليم بسبب عرفٍ اجتماعي أو ممارسةٍ فردية لا تمت إلى الدين بصلة، لصيغت البيانات، وعُقدت المؤتمرات، وامتلأت المنصات بالحديث عن قمع المرأة في العالم الإسلامي، حتى يخال المتابع أن النساء في هذه المنطقة لا يعرفن سوى الاضطهاد.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: أين تختفي هذه الأصوات عندما تُنتهك أجساد الحرائر من الفلسطينيات والسودانيات في أتون الحرب؟ وأين هي عندما تتعرض نساء مسلمات في بعض بقاع العالم للتضييق بسبب حجابهن وهويتهن الدينية؟ ولماذا يخفت الصخب الحقوقي كلما كانت الضحية امرأة لا تنتمي إلى الدائرة التي تحظى بالاهتمام الإعلامي والسياسي الكافي؟

وإذا كان ذلك يحدث في أكثر من مكان، فإن صورة الازدواجية تتجلى بوضوح أكبر في قضية الأسيرات الفلسطينيات، فأين المدافعون عن حقوق المرأة عندما تُحرم نحو 90 أسيرة فلسطينية، غالبيتهن محتجزات في سجن الدامون وفق ما وثقه نادي الأسير الفلسطيني، من حقهن في الحجاب وملابس الصلاة؟ وأين بيانات الشجب والغضب عندما تتعرض الأسيرات للتفتيش الجسدي المهين، والاعتداءات النفسية والحرمان من أبسط حقوقهن الدينية والإنسانية؟ وأين الأصوات ذاتها عندما تُعتقل طالبات فلسطينيات من أمام مدارسهن وجامعاتهن تحت ذرائع أمنية فضفاضة؟، وكأنهنَّ يهددن الأمن القومي للكيان المحتل!؟

وأين كانت هذه المنظمات خلال الحرب المستمرة على غزة، حين حوصرت النساء تحت القصف والجوع والنزوح، وحُرمنَ من أبسط الاحتياجات الصحية الشخصية المرتبطة بالحيض والنفاس، في مشهد كان يفترض أن يهز ضمير كل من يرفع شعار الدفاع عن المرأة ؟

وما يزيد من الطين بِلَّة ومن خطورة هذه الانتهاكات أنها لا تتعارض مع القيم الإنسانية فحسب، بل تصطدم بصورة مباشرة مع قواعد القانون الدولي، فالمادة (18) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تكفل لكل إنسان حرية الفكر والوجدان والدين، بما في ذلك حقه في إظهار معتقده وممارسة شعائره، كما يؤكد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية هذه الحماية، فيما تلزم اتفاقية جنيف الرابعة القوة القائمة بالاحتلال باحترام الكرامة الشخصية للمحتجزين وحمايتهم من المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة، وعليه، فإن حرمان الأسيرات من الحجاب أو من أداء شعائرهن الدينية، وإخضاعهن لتفتيش جسدي مهين، لا يمكن النظر إليه بوصفه إجراءً إدارياً أو أمنياً، بل باعتباره انتهاكاً صريحاً لحقوق كفلتها المواثيق الدولية.

لستُ هنا لأدافع عن خطأ يُرتكب باسم الدين أو العُرف؛ فكلّ انتهاك لحقوق المرأة مدان، بلا استثناء أو تبرير. غير أنّ العدالة حين تُجزَّأ تفقد جوهرها، والحقوق حين تُستدعى لنصرة بعض النساء وتُهمل أخريات تتحوّل من قيمة إنسانية إلى أداة انتقائية، وعندها، لا يعود الدفاع عن المرأة دفاعاً عن كرامتها، بل انحيازاً يُفتِّش عن كل ثغرةٍ لاتهام الدين الإسلامي وتحميله وزر ممارساتٍ لا تمثّله، فيُدفع بالنساء المسلمات دفعاً إلى النفور من دينهنّ وتصويره كعقبةٍ في طريقهن، لا كمنظومةٍ تحفظ لهنّ حقوقهن وتصون إنسانيتهن.

ختاما...

لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس عن أوضاع الأسيرات الفلسطينيات أو عن النساء المسلمات اللاتي تنتهك أجسادهن فحسب، بل عن مصداقية الخطاب الحقوقي العالمي نفسه: هل حقوق المرأة حقاً حقوق عالمية لا تتجزأ، تُدافع عنها المنظمات والهيئات بصرف النظر عن دين الضحية أو جنسيتها أو موقعها الجغرافي؟ أم أنها امتيازات تُمنح لبعض النساء وتُحجب عن أخريات تبعاً للهُوية والدين والجغرافيا والسياسة؟

مساحة إعلانية