رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سيدخل الذكاء الاصطناعي في المجال القانوني، وهو أحد مجالات العمل المستجدة، والتي ستلقي بظلالها على أجهزة العدالة مما يتطلب البحث والدراسة والاستخلاص في هذا المجال، وهو ما دفعني الفضول للبحث بمعرفة أكثر عنه، وارتأيت أن اطرح الموضوع من وجهة نظري العملية في المجال القانوني. وهذا ما يستدعي التساؤل عن الذكاء الاصطناعي، ومستقبل العمل في إطاره، ودور الفاعلين القضائيين ورجال القانون في حوكمة الذكاء الاصطناعي؟.
الذكاء الاصطناعي أو الذكاء الصناعي هو سلوك وخصائص معينة تتسم بها البرامج الحاسوبية، تجعلها تحاكي القدرات الذهنية البشرية وأنماط عملها، من أهم هذه الخصائص القدرة على التعلم والاستنتاج ورد الفعل على أوضاع لم تبرمج في الآلة، تقنية تحاكي الذكاء البشري على أداء المهام ويمكنه بشكل متكرر تحسين نفسه استنادا إلى المعلومات التي يجمعها، وهذا التعريف جدلي نظرًا لعدم وجود تعريف محدد له.
وقد وصل الذكاء الاصطناعي إلى الصناعة القانونية في دول العالم المتقدم وهو بلا شك قادم لا محالة إلى دولنا العربية وسيعمل الذكاء الاصطناعي على توفير الوقت بشكل عام والتخلص من أكوام الأعمال الورقية التي يتعين على المتخصصين القانونيين الغوص فيها كل يوم.
الذكاء الاصطناعي في المجال القانوني، هو أحد مجالات العمل التي تتضمن أكبر قدر من المهام المتكررة التي تستغرق وقتًا طويلاً لمعالجتها. الوقت هو أحد الأصول الأكثر قيمة للقانونيين، ومن الضروري استخدامه بحكمة. ويقضي المتخصصون القانونيون الكثير من الوقت في القيام بالمهام الإدارية مثل صياغة الاقتراحات، والمكالمات الهاتفية، وإجراءات مراجعة المصاريف القانونية للدعاوى، ومراجعة المستندات، وما إلى ذلك. والأمر لا يسير بسهولة على الإطلاق، فالقانون صارم تمامًا في إطاره الرسمي، لذا فإن فكرة إسناد العمل القانوني بالكامل إلى الكمبيوتر تثير القلق بشأن سؤال يطرح هنا يتعلق بآثار الذكاء الاصطناعي على حقوق الإنسان والمراقبة والمسؤولية والقرارات الدقيقة سواء المتعلقة بالأمن والمسؤولية الجنائية أو أوقات الحرب أو مسائل قانونية مهمة ومصيرية، وبالإضافة إلى ذلك، قد تستخدم النظم القضائية أيضا نظم الذكاء الاصطناعي في عمليات اتخاذ القرارات القضائية التي أثارت شواغل تتعلق بالإنصاف والمساءلة والشفافية في اتخاذ القرارات بواسطة نظم آلية أو نظم تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
ويجري بالفعل استكشاف إمكانات منظمة العفو الدولية من خلال العديد من النظم القضائية التي تشمل الجهاز القضائي ودوائر الادعاء وغيرهما من الهيئات القضائية الخاصة بمجالات محددة، في جميع أنحاء العالم، في ميدان العدالة الجنائية، وتوفير المساعدة في مجال التحقيق، وأتمتة/وتيسير عمليات صنع القرار.
ومع ذلك، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي يطرح مجموعة واسعة من التحديات التي يجب التصدي لها: من الاعتراف بالنمط، إلى الأخلاقيات، والقرارات المتحيزة التي تتخذها الخوارزميات المستندة إلى الذكاء الاصطناعي، والشفافية والمساءلة. على سبيل المثال، قد يتم تدريب خوارزميات التعلم الذاتي بواسطة مجموعات بيانات معينة (القرارات السابقة أو صور الوجه أو قواعد بيانات الفيديو، إلخ) التي قد تحتوي على بيانات متحيزة يمكن استخدامها من قبل التطبيقات لأغراض تتعلق بالسلامة الجنائية أو العامة، مما يؤدي إلى اتخاذ قرارات متحيزة.
ومثل الذكاء الاصطناعي في أي مجال آخر، سيركز الذكاء الاصطناعي في القانون على مجموعة متنوعة من الميزات، وهي ميزات يجب مراعاتها عند اختيار مساعدك القانوني المعتمد على الذكاء الاصطناعي، فعن طريق تبسيط المهام المتكررة، يمكن للقانونيين إعادة توجيه وقتهم نحو تأثيرات ذات قيمة أعلى مثل الإبداع القانوني. وسواء كنت تشارك في أي ممارسة قانونية، أو تعمل في مكاتب المحاماة أو ربما تريد ببساطة مقاضاة شخص ما، يمكن أن تساعد برامج الذكاء الاصطناعي القانونية في تسهيل هذه الأمور. وسوف يعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي للشؤون القانونية على الحصول على نظرة أعمق حول كيفية استخدام برامج الذكاء الاصطناعي في المجال القانوني، ومن ذلك صياغة المستندات التي يقوم برنامج الذكاء الاصطناعي القانوني بصياغتها في غضون دقائق، وسوف يتم تحسين إدارة المستندات القانونية المعقدة مثل القوانين واللوائح، وسجلات المحكمة من خلال المكتبات الإلكترونية، ودراسات حالة، ومصادر أخرى، للمعلومات القانونية، والتحليلات.
وسيوفر الذكاء الاصطناعي، الاطلاع على تحليلات البيانات القانونية ذات الصلة. والذي سوف يعمل على تحسين الاستراتيجيات من خلال الرؤى المستندة إلى البيانات في البيئات القانونية والمهنيين مثل المحاكم وشركات المحاماة مما يساعد القضاة والمحامين على دراسات الحالة عبر مجالات الممارسة القانونية المختلفة. فلم يعد هناك داع للانتظار لفترة طويلة، باستخدام أساليب علم البيانات التقليدية لجمع المعلومات الأساسية، البحث القانوني يستغرق وقتًا طويلاً إذا لم يكن لدى مكاتب المحاماة خبير متخصص في المجال الذي يتعين عليهم إجراء بحث قانوني فيه. والبحث القانوني ضروري لأي نوع من القضايا تقريبًا وهو أمر بالغ الأهمية لتحريك العملية القانونية في معظم الأوقات. ومن خلال البحث القانوني الآلي، يمكن للمحامين جمع المعلومات في بضع دقائق وطرح الأسئلة ذات الصلة بالقضية.
وكذلك توفر بعض برامج الذكاء الاصطناعي القانونية ميزات مراجعة المستندات، أتمتة مراجعة العقود. يؤدي هذا إلى القضاء على أي خطأ قد لا تلاحظه العين البشرية في المستندات وتعزيز المطالبات من خلال توفير الاستشهادات القانونية ذات الصلة.
وهناك مبادئ معينة تحكم الرقابة الأخلاقية للذكاء الاصطناعي، أهمها أن يتسم الذكاء الاصطناعي بالشفافية حيث يجب أن يكون خاضعا للتحكم المطلق للبشر، وتكون الأحكام والتطبيقات سليمة. ولأن الذكاء الاصطناعي لديه القدرة على اتخاذ قرارات مفاجئة، يجب أن تكون القرارات التي تتخذها الخوارزميات في متناول البشر وعدم إهمال العنصر البشري من منطلق قانوني وأخلاقي. وعليه يجب على الذكاء الاصطناعي إجراء مسح لقاعدة البيانات على نطاق واسع وفقا لأهمية القضايا التي تتم معالجتها.
إن قرارات المحكمة التي تتخذها الخوارزميات يجب أن تكون قابلة للتدقيق بواسطة الذكاء البشري، وحالة القصور التشريعي الحقيقي لفقدان النص يفترض تنظيمها لأنها من أكثر الأسباب التي تولد فجوة بين مصالح أفراد المجتمع والقانون، لأن الأخير ثابت والمجتمع متغير، وقد أطلق الشراح والباحثون على هذه الصورة من صور القصور تسميات متباينة منها (سكوت القانون، الفراغ في القانون، النقص في القانون، القصور في القانون، القصور في التشريع) ويتمثل بـ (عدم عثور القاضي الإداري على حُكم في نصوص التشريع يتناول النزاع المعروض أمامه والحاصل بين الإدارة وأحد الأفراد أو موظفيها) ففي هذه الحالة يستطيع القاضي الانطلاق من أي نقطة في استدلاله لما تستدعيه الحاجة إلى إنشاء قاعدة قانونية كاملة وإلا يستحيل عليه إصدار الحكم المطالب به في الدعوى، لذلك يُلاحظ بأن اختصاصات القاضي تتسع كثيراً في هذه الصورة من القصور الحقيقي الذي لا ينسب إليه كما في صورته الأخرى، إذ يصل إلى حد إنشاء القواعد القانونية وذلك لعدم قدرته على الامتناع عن إصدار الحكم في الدعوى التي يختص بالفصل فيها وإلا عُد منكراً للعدالة ( لا يجوز لأية محكمة أن تمتنع عن الحكم بحجة غموض القانون أو فقدان النص أو نقصه وإلا عُد القاضي ممتنعاً عن إحقاق الحق، ويعد أيضاً التأخير غير المشروع عن إصدار الحكم امتناعاً عن إحقاق الحق، وكذلك في السلطة التقديرية للقاضي الجنائي». وروح القانون يستخدمها القاضي لتخفيف العقوبة، أو النزول بها إلى حدها الأدنى، أو إيقافها حسبما يقتضيه القانون، بالنظر إلى ظروف المتهم والظروف المحيطة بالجريمة، وما إذا كانت هناك أسباب مرضية أو دوافع خاصة أدت إلى حدوث الفعل الإجرامي. وكذلك سلطة القاضي بتفسير النصوص الغامضة إذا وجد قصورا تشريعيا في النص لابد من الحكم بروح القانون وهي القشة التي يبحث عنها الغريق في لحظة أمل.
إن إدراج الذكاء الاصطناعي في النظام القضائي يساعد في جعل العقوبات أكثر اتساقا وفاعلية من حيث الكلفة المالية للقضايا المتراكمة وتسريع الإجراءات القضائية وأتمتة الروتين والمساعدة في اتخاذ القرارات في الإجراءات القانونية الروتينية، بما في ذلك رفع القضايا المتكررة البسيطة. ومعالجتها، ولكن علينا أن لا نهمل الذكاء البشري ودوره في التحكم بالذكاء الاصطناعي لتعزيز العدالة الناجزة أمام القضاء، وهذا يتطلب تأهيل الكوادر البشرية والمالية والتقنية في دولة قطر، وفرض رقابة على مستخدمي الذكاء الاصطناعي، ووجود مساعدين قانونيين معززين بالذكاء الاصطناعي لمنع توليد معلومات غير صحيحة وحاجة المستخدمين إلى تطبيق التفسير القانوني الصحيح.
ومن هنا نستخلص ضرورة التأني وعدم الإسراع بفرض الذكاء الاصطناعي على الرغم انه من الضروري مواكبة كل ما هو جديد، ولكن بخطوات سليمة ومدروسة، ومحاولة الاستفادة من تجارب الدول الأخرى لأخذ ما هو مفيد وسليم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5487
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3024
| 24 سبتمبر 2026