رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. قيس عبد العزيز الدوري

باحث وكاتب ومستشار أكاديمي

مساحة إعلانية

مقالات

306

د. قيس عبد العزيز الدوري

التأثيرات الخارجية للعقل البشري (تأجير العقول)

02 يوليو 2026 , 10:50م

في عالم يتسارع فيه تدفق المعلومات وتتنوع فيه مصادر المعرفة، يظل العقل البشري عرضة للتأثيرات الخارجية، سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة. وتأثر بعض الأشخاص بكلام الآخرين دون تدقيق أو تمحيص ليس مجرد ظاهرة اجتماعية، بل هو سمة نفسية معقدة تتداخل فيها عوامل الإدراك، والبيئة، والنية. ويأتي تناولنا لهذا الملف في وقت تولي فيه المؤسسات التعليمية والثقافية في دولة قطر أهمية قصوى لتعزيز مهارات البحث والتقصي، إيماناً بأن تحصين المجتمعات يبدأ من تمكين الفرد من أدوات التفكير الحر والمنهج العلمي الرصين.

العقل بين الاستقبال والانتقاء

أظهرت دراسة نشرتها مجلة “نورون” الأمريكية أن الدماغ البشري يمتلك القدرة على استبعاد الأصوات غير المرغوب فيها والتركيز على ما يعتبره ذا أهمية. هذا يشير إلى أن الدماغ ليس مجرد جهاز استقبال سلبي، بل هو نشط في اختيار المعلومات التي يتعامل معها. ومع ذلك، قد يؤدي هذا الانتقاء إلى تصفية بعض المعلومات التي قد تكون مفيدة أو ضرورية، مما يجعل الأفراد أكثر عرضة لتأثيرات الآخرين دون وعي.

الانحياز التأكيدي: فخ العقل البشري

يميل الأفراد إلى البحث عن المعلومات التي تؤكد قناعاتهم السابقة، متجاهلين أو مقللين من أهمية المعلومات المتناقضة. هذا ما يُعرف بـ "الانحياز التأكيدي"، وهو آلية نفسية تجعل الأفراد يصدقون ما يتوافق مع معتقداتهم، حتى وإن كانت تلك المعلومات غير دقيقة أو غير موثوقة.

تأثير الكلمات والأفعال على الدماغ

الكلمات والأفعال ليست مجرد تعبيرات سطحية؛ بل هي مؤثرات حقيقية على بنية الدماغ ووظائفه. فعندما يتعرض الفرد للكلمات السلبية، يمكن أن يؤدي ذلك إلى إفراز هرمونات التوتر، مما يؤثر سلبًا على صحته النفسية والجسدية. وعلى العكس، تعزز الكلمات الإيجابية والداعمة من صحة الدماغ وتزيد من قدرته على التكيف والنمو.

التلاعب بالعقول: بين الوعي واللاوعي

قد يمارس بعض الأفراد “التلاعب بالعقول” بهدف التأثير على آراء الآخرين، سواء عبر معلومات مغلوطة أو تلميحات خفية. والأفراد الذين يفتقرون إلى الوعي الذاتي أو القدرة على التفكير النقدي يكونون الصيد الأسهل لهذا النوع من التأثير، وهو ما نسميه "تأجير العقول" حيث يتخلى المرء عن سيادته الفكرية للغير.

كيف نحمي عقولنا؟

لحماية عقولنا من التأثيرات غير المرغوب فيها، يجب علينا اتباع منهجية واضحة تتسق مع معايير الجودة الفكرية التي تطمح إليها المجتمعات الحديثة:

1. تعزيز الوعي الذاتي: فهم معتقداتنا وقيمنا يساعدنا على التمييز بين المؤثرات النافعة والضارة.

2. ممارسة التفكير النقدي: السؤال والتشكيك في المعلومات قبل قبولها يعزز من القدرة على اتخاذ قرارات مستنيرة.

3. الابتعاد عن المصادر السلبية: تقليل التعرض للمعلومات السلبية يحمي الصحة النفسية والقدرة على الإبداع.

4. البحث عن المصادر الموثوقة: بناء قاعدة معرفية سليمة عبر مصادر مشهود لها بالدقة.

ختاماً، إن العقل البشري كائن نشط قادر على التمييز والاختيار، وإن ما نشهده اليوم في دولة قطر من نهضة تعليمية تشجع على إعمال العقل، يمثل النموذج الأمثل لتحصين الأجيال ضد التبعية الفكرية، وضمان بناء مجتمع معرفي قائم على التقصي والوعي لا على التلقي السلبي.

مساحة إعلانية