رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مع كل اعتبارات الإنصاف والاحترام لصانعي مسلسل عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – ومع كل الشك والعرفان لكل من أخرجوه إلى حيز المشاهدة والاستماع من علماء راجعوا النصوص إلى الكاتب والمنتج والمنفذ والمخرج وجميع الذين جسدوا شخصياته من فنانينا المحترمين إلى الفضائيات التي تبثه.. مع كل ذلك فإن هذا العمل يبقى عملا إنسانيا له مضمون علمي قصصي توثيقي تربوي تأثيري تنتابه الإجادة والإخفاق وتعتريه القوة في مواضع والضعف في مواضع، ويمكن النظر فيه ونقده وتصويبه.. ومن هنا يأتي تسجيلي هذه الملاحظات دون الحاجة لاستفاضة في سرد الأدلة والشواهد والنقول.. وأقول:
بداية وقبل الحديث عن المسلسل مدحا أو قدحا لا بد من تقرير أن الفن والإبداع الإعلامي الجاد من إسلامي ووطني وثقافي قد بلغ حدا من الرواج والإنجاز ما ينسب له الكثير من نجاحات حركة النهوض والإصلاح التي نراها تترسم على أرض الواقع في صورة فكر متفوق وروح مقاومة وحرية ووطنية مبثوثة في وجدان شباب الأمة وأجيالها الصاعدة.. رأينا ذلك في الثورات العربية الحديثة حيث تتلاقح أفكار الثوار وتفتح آفاقهم على ثقافة الحرية ورفض الفساد والاستبداد.. ما انتهى لتغيير أوضاع بائسة استمرت عشرات السنين وكان يظن أن تغييرها أبعد من المستحيل..
هذا التقويم للفن.. يؤدي لحقيقتين أو نتيجتين ؛ الأولى: أن إصلاحيي الأمة وعلى رأسهم الإسلاميون في الأعم الأغلب يشعرون بالتصالح مع هذا الإعلام ومع الفن والإبداع الثقافي ؛ بل ويعولون عليه – بعد الله تعالى - لإعادة الاعتبار لكثير من حقائق الدين والاستقلال والشفافية.. التي ران عليها غبار الجهل والشبهة والمنع والعزل لفترات سبقت ظن ظانو السوء بالأمة أنها ستكون نهاية التاريخ.. الحقيقة أو النتيجة الثانية هي: الاقتناع بضرورة مراعاة الموضوعية والإحساس بالمسؤولية الكبيرة كمحدد أساس عند نقد أو رفض ما يعرض على الناس من حيث مضمونه أو من حيث شكله..
أما الذين رفضوا تجسيد شخصيات الخلفاء الراشدين وأمهات وآباء الأنبياء وأزواجهم فأعتقد أنهم لم يرفضوها في الأعم الأغلب – وأنا منهم - لأنهم يختلفون على مبدأ التمثيل أو التجسيد وإنما خشية أن يقصّر نص أو شكل فني أو جهد مخرج أو ميزانية منتج في رسم الكاركتر لأشخاص صنعهم الله تعالى على عينه وحمى بهم البذرة الأولى للوحي المنزل، أحبهم واصطفاهم وورثهم الكتاب وصنع بهم التاريخ وعلى رمزيتهم وهالتهم وهيبتهم تربت أجيال الأمة منذ ذلك الزمن (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا).. هذا ما خشيه الرافضون ؛ وهو بالفعل ما حدث في مسلسل عمر والذي قصّر في خدمة هذه الشخصية الفذة وفي تسليط الضوء عليها في مواضع :
1- فقد رأينا عمر – رضي الله عنه - في المسلسل رجلا وسيطا في الرجال لا يكاد يمتاز عنهم لا بجسم ولا بأثر، طيبا تسيطر عليه الحكمة والأناة واللطف وطول الصمت والفكر، ورأيناه يتفوق عليه كثيرون ممن حوله سواء في أهلية اتخاذ القرار أو في التفات الناس إليه والتفافهم حوله أو في دوره كرأس في الجاهلية.. مع أن العكس من ذلك هو الصحيح فقد كان عمر فذا وفظا في الناس، وكان جسيما حكيما عاقلا مستعليا مهابا جبارا لا يناهزه في كل ذلك من الرجال إلا قلة أبرزهم أبو جهل - عمرو بن هشام – ولهذا لم يكن عجيبا ولا غريبا أن يدعو رسول الله - صلى الله عليه وسلم – " أن يعز الله الإسلام بعمر أو بأبي جهل ".. لقد كان عمر صخابا قاسيا شديدا على من يكره بل وحتى على من يحب، وقد جمع كل ذلك قبل الإسلام ضد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولإيذاء للمسلمين.. حتى قال قائلهم: "يسلم حمار الخطاب قبل أن يسلم عمر ".. نعم كان الفرق كبيرا بين عمر الكافر الجاهلي العتل القاسي وبين عمر المسلم القوي أيضا.. حتى صار هذا الفرق مثلا يضرب لأثر الإسلام في تغيير النفوس وترويض القساة الجواظين..
2- المعروض من المسلسل حتى الآن تناول أحداث السيرة بعمومها ما يخص منها عمر – رضي الله عنه - وما لا يخصه.. وبعض الأحداث لم يكن لعمر فيها دور ما أعطي الانطباع بأن الكاتب وقع في الإقحام والإطناب وأنه يبحث عن سعة لا يجدها في سيرة عمر.. فأغرق شخصية عمر في شخصيات أخرى لها تعلق بالسيرة النبوية (كأبي جهل، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، وسهيل بن عمرو..)
وكان على الكاتب أن يدور مع عمر قبل الإسلام وبعده، ولو فعل لوجد الكثير الذي يكفيه عما يعتبر حشوا وسردا محوره السيرة النبوية وليس السيرة العمرية.. صحيح أن داخل السيرة النبوية تدور السيرة العمرية وصحيح أن بين السيرتين تداخلا.. لكن هذا أيضا كان التحدي الأبرز للكاتب وقدرته على رسم السياق داخل السياق دون أن يغيب عن المحور الذي سمى المسلسل باسمه..
3- دارت شخصية عمر في المسلسل حول مجموعة من الأحداث جوهرها مواجهات بين الإسلام وخصومه مع إيقاعات من العداوة والشد والجذب.. ضمن المعروف المعهود من أحداث السيرة.. وفي ذلك ما فيه من تساوق مع الذين ينظرون للتاريخ الإسلامي على أنه حالة من الصراع والدماء والمواجهات المستمرة التي لا تنتهي منها جولة حتى تحل أخرى على ذات النسق..
كنت أود أن أرى عمر - رضي الله عنه – في حالاته الإنسانية العادية ؛ في بيته ومع أولاده ووالده وزوجته ومع جيرانه، وأرى تصرفه في الرضى والغضب، وعواطفه وخلجاته، ونومه ويقظته وعسره ويسره – إضافة لقوته وهيبته التي انتقلت معه في الإسلام.. كان ينبغي أن يشمل كاركتر عمر – رضي الله عنه – أبعاد علاقته مع أبي بكر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وكنت أتمنى لو أن الكاتب صدر من خلال الحوار الذي أداره لشخصية عمر رسالة التربية لأبنائنا ورسالة الحب لدعاة الكراهية المذهبية، ورسالة القوة والإصرار والحرية لثورات الربيع العربي، كنت أتمنى أن تصدر رسالة توعية وتجديد لدعاة الإسلام.. أرجو أن يتضمن الجزء المتبقي من المسلسل كل هذه الرسائل التي خلا منها تقريبا الجزء المعروض حتى الآن..
آخر القول: مع أننا نثمن ونشجع على الجرأة في تجسيد الشخصيات التاريخية المؤثرة التي تعتبر رموزا ومعاني للإسلام ذاته لكي تطرق السمع والبصر والفؤاد ؛ إلا أن هذه الجرأة يجب أن تمتزج بخوف على الصورة الذهنية الكبيرة المتخيلة لهم وأن تنضبط بإحساس بالمسؤولية خاصة إذا كان العمل الذي يتناول هذه الشخصيات أولا في مجاله ويرسم الصورة المرجعية لكل ما يأتي بعده.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5295
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4908
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
2985
| 24 سبتمبر 2026