رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

27

سعدية مفرح

أصدقاء.. حتى إشعار آخر!

28 سبتمبر 2026 , 12:00ص

العلاقات التي تقوم على الانتقاء المزاجي، علاقات قصيرة النفس، مهما طالت ظاهريا. فقد يستمر شخصان في معرفة بعضهما سنوات، ويتبادلان الرسائل والزيارات والمناسبات، وتبقى بينهما صورة اجتماعية توحي بأن العلاقة راسخة، بينما يعرف كل واحد منهما في داخله أن الآخر لا يحضر إلا حين يناسبه حضوره.

هناك من يفتح باب العلاقة حين يكون في حاجة إلى الصحبة، ويغلقه حين تتغير حالته النفسية. يقترب حين يريد أن يتحدث، ويختفي حين يحتاج الآخر إلى أن يتحدث. يتذكر صديقه عندما يشعر بالوحدة، وينساه عندما تمتلئ أيامه بالآخرين. يشاركك فرحه حين يكون الفرح متاحا له، ثم لا يجد مكانا لك عندما تضيق به الحياة. ومع تكرار هذا السلوك، تصبح العلاقة شبيهة بمقعد في غرفة انتظار: نعود إليه حين نحتاج إلى الراحة، ونغادره حين نجد ما يشغلنا.

المشكلة هنا ليست في أن تكون للإنسان حالاته ومزاجه ومساحته الخاصة. كلنا نحتاج إلى العزلة أحيانا، ونحتاج إلى أن نغلق هواتفنا وأن نؤجل لقاءاتنا وأن نكون أقل قدرة على الكلام. العلاقة الناضجة تتسع لهذا كله. الفرق يكمن في أن المزاج يصبح في بعض العلاقات قانونا وحيدا يحكم القرب والابتعاد، فتتحول مشاعر الطرف الآخر إلى شيء تابع للحالة النفسية لصاحبها.

أعرف أشخاصا لا يتصلون بأصدقائهم إلا عندما يكونون في مزاج جيد، لأنهم يريدون من الآخرين أن يشاركوهم خفتهم وفرحهم. وحين يقع أحد أصدقائهم في مشكلة، تتغير اللغة فجأة، ويصبح الوقت غير مناسب، وتظهر الأعذار التي كانت غائبة تماما عندما كان الحديث عن مناسبة ممتعة أو سفر أو عشاء أو مشروع جديد. هذه التفاصيل الصغيرة تكشف أحيانا ما تعجز سنوات كاملة من المعرفة عن إخفائه.

العلاقة الحقيقية تظهر في الأيام العادية أكثر مما تظهر في المناسبات. تظهر عندما لا يكون لدى أحد الطرفين خبر مهم، ولا صورة جديدة، ولا دعوة، ولا مصلحة. تظهر في السؤال الذي يأتي من دون سبب، وفي تذكر موعد يعرف صاحبه أنه مهم، وفي الجلوس إلى جوار شخص يمر بيوم ثقيل من دون محاولة سريعة لإصلاح مزاجه. وتظهر كذلك في احترام المسافة حين يطلبها الآخر، من دون تحويلها إلى عقوبة أو ابتزاز عاطفي.

ولعل أكثر ما يرهق العلاقات أن يصبح أحد طرفيها دائما في موقع الانتظار. ينتظر اتصالا عندما يتحسن مزاج صديقه، وانتباها عندما ينتهي الآخر من مشاغله، وموعدا عندما تسمح له ظروفه، ثم يبدأ شيئا فشيئا في مراجعة نفسه: هل قلت شيئا أزعجه؟ هل أخطأت؟ هل تغيرت مشاعره نحوي؟ بينما قد تكون الإجابة أبسط وأقسى: أنت حاضر في حياته بالقدر الذي يسمح به مزاجه، وليس بالقدر الذي تستحقه العلاقة.

هناك فرق كبير بين شخص يحتاج إلى مساحة، وشخص لا يمنحك حضورا إلا عندما يحتاج إليك. الأول يعرف قيمة العلاقة ويحاول حمايتها من ضغطه الشخصي، والثاني يجعل العلاقة رهينة لراحته. الأول قد يغيب، لكنه يعرف كيف يعود ويحفظ مكانك في الغياب. والثاني يعود وكأن شيئا لم يحدث، ويتوقع منك أن تستأنف العلاقة من النقطة التي تركها فيها.

ومع مرور السنوات، نتعلم أن طول العلاقة لا يعني بالضرورة عمقها. بعض العلاقات تعيش طويلا لأن أحد الطرفين ظل يتنازل عن حاجته إلى المعاملة المتبادلة، أو لأن العادة أقوى من السؤال، أو لأن التاريخ المشترك يمنحها شكلا من الاستمرار. وقد يكون الإنسان قادرا على الاحتفاظ بشخص في حياته سنوات، مع أنه لا يمنحه في الحقيقة سوى فتات الوقت والانتباه.

العلاقات التي تستحق البقاء تحتاج إلى قدر من الاستمرارية، لا إلى حضور دائم. تحتاج إلى مرونة تسمح لكل طرف بأن يمر بأيامه الصعبة من دون أن يخسر الآخر، وإلى قدر من العدالة العاطفية يجعل السؤال متبادلا، والاهتمام متبادلا، والغياب مفهوما من الطرفين. نحن لا نحتاج أصدقاء متاحين طوال الوقت، وإنما نحتاج أشخاصا نعرف أننا نستطيع الوصول إليهم عندما تصبح الحياة أثقل من أن تحمل وحدها.

لهذا أعتقد أن بعض العلاقات لا تنتهي في اللحظة التي نبتعد فيها، وإنما تنتهي قبل ذلك بكثير، عندما ندرك أننا كنا نعيش داخل جدول مزاج شخص آخر. وحين نتوقف عن الركض وراء موعد يتغير كل مرة، أو عن تفسير الغياب المتكرر، أو عن اختراع الأعذار لمن اختار أن يكون حاضرا بشروطه وحدها، نرى العلاقة بحجمها الحقيقي.

العلاقة التي لا تستطيع احتمال أيامك العادية، لن تنقذها كثرة الصور والذكريات والسنوات. وما يبقى في النهاية ليس عدد الأعوام التي عرفنا فيها شخصا، وإنما الطريقة التي جعلنا بها بعضنا يشعر بأنه محفوظ في القلب، حتى عندما تتغير الظروف والمواعيد والمزاج.

اقرأ المزيد

اذهب إلى الله بقلبك الذي لديك! اذهب إلى الله بقلبك الذي لديك!

نؤجل أشياء كثيرة لأننا ننتظر اللحظة المناسبة. نؤجل الاعتذار حتى تهدأ نفوسنا، والكتابة حتى تصفو أفكارنا، والبدء حتى... اقرأ المزيد

318

| 30 أغسطس 2026

يدي الفارغة! يدي الفارغة!

أصعب العجز أن يضع أحدهم ثقته في يدي، وأنا أعرف أن يدي هذه المرة فارغة. هناك لحظات يصبح... اقرأ المزيد

711

| 23 أغسطس 2026

ماذا صنعت بنا الكتب؟ ماذا صنعت بنا الكتب؟

يمكن أن نعرف كثيرا من الكتب، ولا نعرف كثيرا عن الحياة. وقد نحفظ أسماء المفكرين والشعراء، ثم نكتشف... اقرأ المزيد

318

| 16 أغسطس 2026

مساحة إعلانية