رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

جمعان عبدالله السعدي

مساحة إعلانية

مقالات

258

جمعان عبدالله السعدي

عقوق الوالدين نخر في جسد المجتمع

02 أكتوبر 2026 , 12:00ص

في شاشة هاتف تومض في العتمة، تتكرر جريمة إنسانية صامتة: أمٌّ بصوتٍ مرتجف تسأل: "هل سنراك قريباً يا بني؟" فيأتي الرد قاسياً قاطعاً: "أنا مشغول". ينتهي الاتصال، لكن ما لا يُرى هو ذلك الشرخ العميق الذي يُحفَر في قلب أمٍّ، وفي وجدان مجتمع بأكمله.

عوق الوالدين ليس مجرد ذنب عابر أو تقصير فردي، بل هو نخر صامت يفتك بجسد المجتمع من داخله، ويحول حرارة "الرحم" إلى جفاف "المصلحة". إنه مؤشر خطير على خلل قيمي عميق، حين تتراجع الفطرة أمام زحف المادية والفردانية.

تحول مقلق في المعايير

تمر مجتمعاتنا اليوم بسيولة أخلاقية غير مسبوقة، حيث لم تعد القيم ثابتة كما كانت، بل باتت قابلة للتبرير والتأويل. ما كان يُستحى منه بالأمس، أصبح اليوم يُغلّف بأعذار جاهزة: "ضيق الوقت"، "ضغوط الحياة"، "الانشغال".

ترى الابن في أوج قوته، ممتلئ الجيب، لكنه فقير في برّه، عاجز عن رد الجميل لمن أفنوا أعمارهم في تربيته. أمٌّ أحرقت سنوات شبابها في العطاء، وأبٌ كافح بصمت، لتكون النتيجة إهمالاً بارداً، يختبئ خلف ستار الأعذار.

مكانة شرعية لا تقبل التهاون

لم يترك الإسلام هذا الباب لاجتهادات البشر، بل رفع بر الوالدين إلى منزلة عظيمة:

اقترن التوحيد بالإحسان إليهما في قوله تعالى:

﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23].

وجاء النهي حتى عن أدنى مراتب الأذى، والأمر باللطف في الخطاب:

﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23].

بل عدّ النبي ﷺ عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، مقروناً بالشرك بالله، في تحذير صريح لا يحتمل التأويل.

البر عند الاختلاف

قد يختبئ البعض خلف ستار الخلاف مع الوالدين، لكن القرآن حسم هذا الباب بأعلى درجات التوازن:

﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15].

حتى في أشد صور الاختلاف، لا يسقط حق الصحبة بالمعروف. البر ليس مشروطاً بالتوافق، بل هو التزام أخلاقي أصيل.

نداء إلى الضمير

أيها الابن.. أيتها الابنة

كان والداك يوماً عالمك كله. كنت ضعيفاً لا تملك لنفسك شيئاً، فكانا لك القوة والملاذ. واليوم، وقد انحنى ظهرهما، وخارت قواهما، أيكون الجزاء ثقلاً في القلب، أو تأجيلاً للزيارة، أو تجاهلاً للنداء؟

تذكّر أن الزمن لا يدور عبثاً. ما تزرعه اليوم في والديك، ستحصده غداً من أبنائك. العقوق دينٌ مردود، والبر استثمار لا يخسر.

خاتمة

صلاح المجتمع لا يبدأ من القوانين ولا من المنصات، بل من دفء البيوت. من نظرة حنان، من كلمة طيبة، من يد تُقبَّل لا تُهمَل.

استدركوا ما بقي، فالأعمار تمضي، والفرص لا تعود، ومن فقد والديه، يَذُقْ أن الندم لا يحيي لحظةً واحدة.

اللهم ارحم والدينا كما ربّونا صغاراً، وارزقنا برهم أحياءً وأمواتاً.

اقرأ المزيد

الأب.. ظِلٌّ لا يميل الأب.. ظِلٌّ لا يميل

هناك كلمة إذا نُطقت، اعتدل لها القلب قبل اللسان، وارتجف لها الوجدان قبل أن يفهمها العقل. كلمةٌ تحمل... اقرأ المزيد

1017

| 31 يوليو 2026

لم يكن رحيلاً عابراً لم يكن رحيلاً عابراً

في صباح الأحد، حين قرأت خبر النعي، لم أشعر أنني أقرأ عن أمير سابق. شعرت أنني أقرأ عن... اقرأ المزيد

321

| 14 يوليو 2026

الإجازة الصيفية.. فرصة للترابط لا للتفرق الإجازة الصيفية.. فرصة للترابط لا للتفرق

مع دخول فصل الصيف وانطلاق الإجازة المدرسية، تتغيّر إيقاعات كثير من بيوتنا؛ فالأبناء الذين اعتادوا طيلة العام على... اقرأ المزيد

978

| 09 يوليو 2026

مساحة إعلانية