رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

خولة البوعينين


Khawla.life@outlook.com
@Khawlalbu3inain

مساحة إعلانية

مقالات

243

خولة البوعينين

العطاء الخالد.. إنفاقٌ من سعتك

03 فبراير 2026 , 01:59ص

من أبهى العطاءات أن يكون الإنسان سيّالاً في بذله، متدفقاً في عطائه، كالنهر الصافي الزلال، يمضي في سكينته، لا يلتفت إلى ضفافه إلا بقدر ما يهب الحياة والخصب لما يمرّ به. عطاؤه لا يغيض لأنه يمضي بلا افتعال، ومنحه لا ينضب لأنه متصل بأصل منبعه، يسقي ويروي ويفيض، فلا يلبث أن يحيل القفر إلى خضرة ناضرة، واليباس إلى جنانٍ خميلة وارفة، قد أينعت تسرّ الناظرين.

ولا يكون العطاء عذباً رقراقاً جارياً إلا إن كانت الروح مصدره الأول، حين ينبثق من البواطن، ويخرج من الصدق النقي دون فرضٍ أو ادعاء. عطاءٌ متفرد أصيل يشبه صاحبه، يحمل ملامحه، ويشي ببصمته، وموقّع بجمال باطنه الفطري، فلا يدوم الأثر خالداً إلا إن كان من روح صاحبه، بأصالة جوهره وبصمته. 

حينها يكون المرء منفقاً من سعته، فلا يثقل نفسه بما لا يحتمل، ولا يتصنّع ما لا يملك، إنما يمنح مما يسعه بذله بإحسان، وبما ينسجم مع بهجة خاطره، ومسرة جنانه، وبحبٍ نقي يوازي بشاشة روحه، وبجمالٍ يعكس صفاء سريرته. عطاءٌ يخرج من تلافيف المهجة، من مناطق الإتقان، ومن مساحات الرغبة الصادقة، فيقع نفعه حيثما حلّ، ويبارك أثره أينما وصل.

فالسعة ليست مقداراً واحداً عند الجميع، بل هي ما أُوتيه الإنسان من فضل الله، وما أودع في يده وقلبه وعقله من آلائه المخصوصة. فمن أُوتي مالاً، كانت سعته في إنفاقه، وفي حسن توجيهه، وفي جعله سبباً للسعة على نفسه وغيره، ومن أُوتي علماً، كانت سعته في نشره، وتبسيطه، وهدايته للناس بلا تعالٍ أو احتكار. ومن مُنح حنانا ورحمة، كانت سعته في الاحتواء، وفي الإصغاء، فلا يلبث أن يغدو ملاذاً آمناً للمتعبين، ومن وُهب جمالاً، كانت سعته في إشاعته، وبسط مسرّته، في الذوق، وفي الحضور، وفي الارتقاء بالعين والروح معاً.

*لحظة إدراك: 

كل ما تسعه الروح هو سعة صاحبها، وكل ما تطيب له النفس هو طاقتها وقدرتها، فالعطاء الحقّ غير قابل للتقليد أو الاستعاره، ولا يُستنزف قسراً، إنما يتدفق سيّالاً بطبيعته المتفرّدة التي تحمل بصمة روح صاحبها، يخرج مما هو متاح موجود، ويزدهر مما يُفضل ويُحب، ويثمر مما يُجيد ويُحسن، فلا يلبث أن يكون البرّ حيّاً نابضاً والإحسان متوهجاً مشرقاً، والعطاء إرثاً خالداً ممتداً، نهر لا ينقطع فيضه، ولا تبلى سخاءاته. 

مساحة إعلانية