رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحالة المصرية الآن تبدو "جعجعة بلا طحن"، أصوات عالية دون إنجاز يمكن الإمساك به والقول إن الثورة مستمرة.
جيل الشباب الذي تصدى يوم 25 يناير 2011 للخطوة الأولى واخترق حاجز الخوف وأسقطه، تحمل صبر الساعات الأليمة ودفع ثمنها شهداء ومصابون، حتى انضم الشعب إلى حركة الثورة في الشوارع والميادين ليسقط رأس النظام، واستمر في بذل الروح والدم طوال الفترة الانتقالية، والآن يطرح أسئلة لا يجد لها إجابات:
ما هي العلاقة بين المجلس العسكري والإخوان؟
لماذا سقط من حساباتهم وجود الشعب وحاجاته؟
هل يدركون أن هناك شعبا؟
هل يدركون حاجاته ويقدرون غضبته؟
هل يستوعبون أن في مصر ثورة؟
لماذا تلاسن المجلس والإخوان فيما بينهم لينتهي التلاسن كزوبعة في فنجان؟
يتساءل الشباب ولكن في داخله آمل، ويتساءل الشغب ولكن لديه احتياج، والأمل يضيء المستقبل ويفتح أبواب الثقة بالنفس، والاحتياج، نتيجة الفقر وانصراف الدولة عن مهامها، يفتح أبواب الإحباط، والتمرد، وثورة الجياع.
ذهبت أصوات الناخبين في استفتاء 19 مارس 2011، والمجالس النيابية في اتجاه "التنظيمات الدينية" واختياراتها، تحت دعاوى تجربة أصحاب الأخلاق المتدينين الذين سيتقون الله في أمر الشعب، ولكن الناخبون، أو بعضا منهم، اكتشفوا أنهم وقعوا فريسة عملية خداع جعلت من الدين شعارا لتصورات ذاتية تسعى للسلطة المطلقة علي حساب الثورة.
وإنصافا للناخبين الذين هم الشعب صاحب المصلحة الحقيقة في التغيير ويحتاج إليه ليعيد مقومات الحياة في مصر إلي طبيعتها بعيدا عن الفساد والاستغلال والسلطة المطلقة، إنصافا لهم يجب أن نسأل سؤالا واجبا: ما هو البديل الذي كان مطروحا على الشعب حني يختاره؟ وما هي لغة الخطاب معه؟ وهل وصل إليه هذا البديل حتى وان عصت عليه لغة الخطاب؟.
ثورة يناير كانت عابرة "للأيديولوجيات" وعابرة لعجز الأحزاب وتصحر الحياة السياسية في مصر،ولكن حركة الشعب وإنجازه في مواجهة النظام وترسانته الأمنية وكل أجهزته، لم تكن كافية لإحداث التغيير داخل الأحزاب التي تكلست علي ماهي علية وعلي قياداتها التي انصرفت عن العمل الوطني وأهدافه إلى ذوات قيادات طالها الصدأ من طول معايشتها لنظام الفساد ورغبتها في استمرار الوجود حتى وإن كان الثمن التخلي عن الأفكار والرؤى التي تحملها، ولم تستجب النخبة في أغلبها إلى معني تحرير الإرادة الذي تحقق بثورة يناير، ولكنها راحت وفق انساق قديمة استولت علي عقلها وأوقفت قدرة الإبداع لديها، وأفقدتها التواصل مع الشعب، الى خيارات مهزومة، بينما الشعب في الميدان يرتقي بمطالب ثورته، ورأت في حينها أن ما تحقق من تعيين نائب أو تغيير وزارة أو إعلان عدم الترشح لمدة جديدة أمرا من الأحلام التي لم يكونوا يتصورونها، وما أن استدعوا إلى حوار مع رئيس جهاز المخابرات والنائب المعين حتى تهافتوا على الحوار، وبعضهم الآن مرشح للرئاسة، والبعض الآخر آثر أن ينسحب من الميدان، ليحتل بعد ذلك البرلمان ويصف نفسه بأنه الثورة الحقيقية وغيره لا علاقة له بها.
الأحزاب كانت قد تآكلت، بينما الجماعات الدينية كانت تنظم صفوفها، وربما أن الضربات الأمنية بقدر ضررها على الأفراد، كانت تزيد من تاريخ الاضطهاد المشترك، وتفتح باب التكافل بين أعضائها، بل وتفتح باب التنمية للإمكانات المادية مما أدى إلى امتلاك هذه التنظيمات لكوادر متفرغة تعرف قيمة التكافل والاحتشاد والبقاء معا، خاصة وأن رؤيتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية تتوقف عند حد "السلطة"، إما حوارا، أو شعارا والنتيجة معايشة انتهازية للبعض منهم مع النظام السابق، بينما البعض الآخر في غياهب السجون يدفع ضريبة انتماؤه للتنظيمات، وينتظر في الأغلب الجزاء عند خروجه من محبسه. حتى أن فصيلا من التنظيمات الدينية كان يرعاه جهاز امن الدولة، ويعده لمواجهة محتملة مع باقي التنظيمات والحركة الشعبية.
الشعب لم يختر بالتصويت انحيازا بين بدائل مطروحة علية واضحة ومحددة وبلغة يستوعبها، ولكنه في اختياراته كان يلوذ بالله رافضا الإلحاد والكفر كما كانت تعرض له التنظيمات الدينية، فالجوع يمكن الصبر عليه رغم انه كافر كما يقول المصريون، ولكن الكفر لا يقبلون به، فاللص وهو يقوم بجريمته يسأل ربه: "استرها معانا يارب"!.
اختيارات الشعب بصندوق الانتخاب أدت إلى أن تحيد الثورة عن طريقها.
أعطى الشعب أصواته للتنظيمات الدينية واختياراتها، وفي ذات الوقت أخذ يستجيب للحرب النفسية التي يشنها الإعلام ضد الثورة وعناصرها، وانبري يردد اتهامات ضد عناصر شباب الثورة، بأنهم ليسوا الثوار الحقيقيين، ولكن هذا الشعب ذاته انطلق في مظاهرات فئوية مطالبا بحقوقه المهدرة، والتي لم ينتبه إليها أحد، بل إن هذا الشعب كان الجسم الرئيسي لمظاهرات يناير 2012 والتي أعادت للمشهد الحشود الشعبية في بداية الثورة.
معادلة الشعب الصعبة يجب إعادة اكتشاف مكوناتها حتى يمكن التعامل معها.
وتبقى مسؤولية الثورة البحث عن الحلقة المفقودة بين عناصرها وبين الزخم الشعبي:
فالعلاقة مريبة بين المجلس العسكري والإخوان، وكأنهما يعملان وفق رؤية واحدة، توزعت فيها الأدوار.
ويشرح رئيس حزب الحرية والعدالة التابع للإخوان سبب ترشيح خيرت الشاطر لمنصب رئيس الجمهورية ويقول "لأن هناك ما يهدد الثورة وأهدافها"!؟، تبرير لا نجد في الواقع مبررا واحدا لصدقه، فالإخوان تركوا الميدان، وابتعدوا عن مهام الثورة الملحة والتي كانت تستدعي أعلى حالات الاحتشاد، بل إنهم هم السبب الرئيسي في الأضرار ببعض ضباط الجيش من الشباب الذي تفاعل مع الثورة واستدعوهم بالزي العسكري إلى منصة بميدان التحرير، مما أدى إلى صدامات يوم 8 أبريل ومقتل البعض منهم ووجود البعض الآخر في السجن الحربي الآن، ولم يرجف لمن دعي جفن، وكأنهم كانوا ينصبون لهم فخا.
ثم مواقف الناخبين ليست انحيازا، ولكنها بالأساس اختيار لما وصل إلى وعيهم مباشرة، غير أن هذه الاختيارات أدت إلى دعم غير مبرر سياسيا واجتماعيا لمن خرجوا على الثورة ويواجهونها.
وثالثا شباب يشعر أن ما دفعه من ثمن، يضيع من بين أيديهم، وليس أمامهم إلا أن يواجهوا التحدي ويدفعوا الثمن من جديد.
فما هي الحلقة المفقودة في معادلة الثورة؟
الحديث عن الإخوان وما يفعلونه هو لغط في القول. فلن يجدي اتهامهم بأي شيء لمصر والثورة والشعب، حتى اتهامهم بالكذب، والمناورة، فهذا أداؤهم وهؤلاء هم، فهل يدرك المتكلمة والناقدون أن المشكلة ليست في الإخوان ولكن فيمن ينتقد ويتكلم دون أن يفعل شيئا.
بات واضحا أن احتياج عناصر الثورة الرئيسي الآن هو امتلاك "تحليل سياسي" للواقع بعد 15 شهرا من الثورة، لتتمكن من تقدير صحيح للموقف، يمكنها من أن تضع رؤية للتعامل معه، وتحديد المهام المطلوبة لمواجهة تحديات استمرار الثورة.
كان واضحا منذ اللحظة الأولي لانطلاق بيان الإخوان ضد الحكومة ثم بيانات المجلس العسكري ردا علي هذا البيان وبيان ما بنتهددش الذي عادت وأطلقته الإخوان، ليذكرهم المجلس بصدامات بين ثورة يوليو وبينهم وكتب مدير صفحة المجلس عن التنظيم المسلح لدى الإخوان، كان واضحاً ان الطرفين يذران الرماد في العيون تغطية لشيء آخر قادم وقد اتفقا عليه.
والمواجهة مع تشكيل اللجنة التأسيسية لوضع الدستور، والاستيلاء عليها من الإخوان والسلفيين، جلبت مناوشات خارج الموضوع وعلي حساب الدستور، بينما الشعب صاحب الحق الأصيل فيه خارج الحساب.
ويدخل الأزهر إلى المعادلة، ويعلن انسحابه من اللجنة التأسيسية، ويخرج الصراع بينه وبين الإخوان حول دوره وقدرته وواجبه إلى العلن، وكأن الأزهر استعاد زمن ثورات القاهرة في مواجهة نابليون والحملة الفرنسية.
وعندما طلبت من مهندسة زميلة أن تسأل والدها الدكتور الأزهري لماذا هذه المواجهة، كفتني بإجابتها عن انتظار رد الأب وقالت "الأخونة"!، الإخوان يريدون السيطرة على الأزهر، كما هو موقفهم من المجلس الأعلى للمرأة عندما صدر به قرار من المجلس والحكومة دون سيطرة الإخوان، هاجمه الإخوان لأنه لم تتم "أخونته"!، وهذه المهندسة من الشباب، وهو ما يعني أن الشباب يدرك طبيعة ما يجري، ولكنه لا يملك تحليلا كاملا للوضع السياسي، وتوصيف القوي علي جانبي المواجهة داخل المجتمع، توصيف من نحن؟ وإلى أين نريد أن نذهب؟ وهي خطوة ضرورية تسبق إمكانية امتلاك الرؤية.
الجدل المحتدم حول لجنة الدستور والدستور وانتخابات الرئاسة يبدو في مجموعه جدل ثانوي خارج قضية الثورة. والجدل الواجب الآن بين العناصر التي تنتمي للثورة يجب ان يتجه إلى شعار "الثورة أولا"، ومؤداه ألا يغيب التعبير بالاحتشاد وفي مواجهة مؤامرات القصر التي تدور في الظلام وتظهر لنا نتائجها ونحاول الاستنتاج منها بأنهم معا رغم ادعاءاتهم بالاختلاف.
و"الثورة أولا" يعني أن يكون للثورة أدواتها التنظيمية وان تجد لمهامها العناصر البشرية والإمكانات لتحقيقها.
أن مهمة الوعي ضرورية، ومهمة الارتباط بالشعب وربط الشعب بثورته ضرورية، ومهمة توحيد المطالب الفئوية ضرورية، ومهمة التنسيق بين التنظيمات التي تنتمي لأهداف الثورة (فعلا وليس متاجرة) ضرورية.
وغير هذا فإن مهاما تفصيلية للدستور تلح علينا لدراستها ووضع الأسس للبناء عليها نصوصا تشريعية في الدستور الوطني، وأهمها العلاقة بين المؤسسة العسكرية وبين الدولة، ومهمة ماهية النظام الاقتصادي الذي يحقق التنمية والعدالة الاجتماعية، مهام واجب تفسيرها تفصيلا والتوافق عليها.
ومهمة الحوار المجتمعي حول الدستور مع فئات الشعب حيث هي جغرافيا ونوعيا، ضرورة لزيادة الوعي بالدستور وارتباط الشعب به.
إن مهمة تأمين عناصر الثورة ضد المواجهات الأمنية القادمة حتما خلال الفترة القادمة ضرورة لامتلاك الثورة لأدواتها، ولن تتحقق بغير وحدة عناصر الثورة والتنسيق بينها.
لم تكن عناصر الثورة باحثة عن مواجهة مع المجلس العسكري، ولعلهم يذكرون أن الشعب ليلة 10/11 فبراير 2011 توجه إلى القصر الجمهوري غير متحسب لمواجهة السلاح، وأن عناصر من الجيش كانت تحاول أن تعيده، محذرة من الحرس الجمهوري، ولكن الشعب كان يزداد إصراره ولم يكن يخشي الموت، وطوال الفترة الانتقالية كان المجلس العسكري يصدر أوامره بالتصدي بالسلاح للثوار فقتل من قتل وسحل وسجن.
وصمتت جماعة الإخوان عن كل هذا... بل وصلت إلى التبرير وإبراء الذمة كما فعل العريان يوم 25 يناير 2011 نافيا مشاركة الإخوان وقال إن الأمن يعرف من هم، وهو يعني المشاركين في أول مظاهرة في التحرير في اليوم الأول للثورة.
ولكن لا جدوى من توجيه الاتهامات، الجدوى الحقيقية في الخطوة الضرورية للتنظيم والوحدة على طريق الألف ميل.
اشتعل فتيل اللغم، ولكن أين سينفجر؟ ومتى؟ وفي وجه من؟.
هل سينفجر داخل الإخوان؟ أم أنه سينفجر داخل المجلس؟ أم أن اللغم سينفجر داخل المجتمع؟
الانفجار قادم لأنه لا تفسير منطقي يقبله العقل لما يجري. وهنا يكمن الخطر، لان الوضع الأمني هش، والاختراق للأمن القومي المصري واقع يجب التعامل معه، ولا عاصم من كل هذا سوى أن ينتظم أبناء الثورة في مصر في أداة تسترد المبادأة، واسترداد المبادأة لن يتأتي بخيارات نطرحها الثورة المضادة، ولكنها تتحقق بخيارات تضعها الثورة وتحققها حتى وان كانت انقلابا كاملا على كل ما هو قائم.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
871
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
625
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
528
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
4308
| 11 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1623
| 09 أغسطس 2026
خلق الله - عز وجل - آدم وجعله خليفته في الأرض وأوكل إليه مهمة إعمارها وإقامة العدل فيها؛ لكن ذريته من بعده هابيل وقابيل كانت قصتهم عبارة عن أول انقسام بين الخير والشر، وبين السمو والدنو؛ الأمر الذي يفسر لنا مآلات الحياة بعدهم من أحداث ماضينا وحاضرنا. إن الإنسان إذا تحلى بالإرادة القوية والإدارة السليمة يستطيع التحكم في الموارد التي أودعها الله في كونه، فالإنسان عبد لله سيد للكون، كما قال الله تعالى، وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡه إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ " (سورة الجاثية آية 13). في العصر الحديث في مجتمعاتنا العربية برزت نماذج في عالم السياسة، منها ما كان له أثر سيئ مما أدى إلى حالات انفجار في بعض الدول كسوريا وغيرها، ومنها ما كان له أثر طيب في رفعة بلاده ووضعها في مقدمة الدول مع صغر حجمها، كحاكم دولة قطر الراحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - فقد كان صاحب مبدأ يستمده من المنهج السماوي الذي حدد للإنسان مهمته، وهي عمارة الأرض، كما قال الله تعالى " هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا"(سورة هود آية 61) فأحدث رحمه الله في دولة قطر نهضةً في العمران معتمداً على تنمية الإنسان. إن التطور الذي حدث في دولة قطر في عهد الراحل الكريم - يرحمه الله – يجعلنا نقف أمامه احتراماً وتقديراً، فقد كان صاحب رؤية نافذة سبقت عصره ومحيطه الإقليمي، وتجاوزت تحديات الجغرافيا الضيقة وعدد السكان، فدولة قطر قبل حكمه ليست هي بعد حكمه فهو باني نهضتها، ويتجلى ذلك في وضعها الإنساني والاقتصادي، ودورها المحوري في قضايا الأمة، والوساطة الإيجابية في حل بعض الأزمات الدولية. أدرك سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله – أهمية الإعلام وقيمته في العالم الحديث، وأنه أشرس أسلحة القوى الناعمة؛ لذلك قام بإنشاء قناة الجزيرة في منتصف تسعينيات القرن الماضي، وجعل لها كامل الاستقلالية المهنية التي هي معيار النجاح في عالم الإعلام الضخم والمتسارع، وأسهمت هذه القناة في رفع حالة الوعي في المجالات المختلفة والثقافة العامة في أرجاء العالم العربي. كان سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني داعماً لخيارات الشعوب، ويؤمن بأن كرامة الإنسان هي رأس المال الحقيقي للأوطان والأمم، الأمر الذي جعل دولة قطر والتي لقبت بكعبة المضيوم - كما أسماها الراحل - تدفع ثمناً باهظاً بسبب هذا الموقف الإنساني المشرف. إن الشعوب لا تنسى من يحكمها، والراحل الكريم - يرحمه الله – يكفي أنه كان يلقب بين أبناء شعبه بدفان الفقر أو باني قطر الحديثة، وكلا النوعين ذكرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثه الشريف:" خِيارُ أئمَّتِكُمُ الَّذينَ تحبُّونَهُم ويحبُّونَكُم وتُصلُّونَ علَيهِم ويصلُّونَ علَيكُم وشرارُ أئمَّتِكُمُ الَّذينَ تبغَضونَهُم ويبغَضونَكُم وتَلعنونَهُم ويَلعنونَكُم" (رواه مسلم ). لقد كان سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - يتسم بسعة الأفق والفكر المستنير والسلامة النفسية، وكان يجمع بين عمق الشخصية وبساطة الأسلوب. أدرك سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - حقيقة المنصب فكان أكبر من المنصب، ولم يتشبث بالكرسي إيمانا منه بضرورة التغيير لتعاقب الأجيال، فقام بالتنازل عنه طواعية وهو في قمة نجاحه لسمو الأمير تميم، وهو خير خلف لخير سلف. وأختم فأقول: الإنسان أثر وذكرى، والرجل أثره عظيم وذكراه طيبة، فقد كان صاحب مدرسة إنسانية راقية في عالم السياسة، ونموذجاً عربياً مشرفاً للحاكم في العصر الحديث، وصدق القائل: ما قـيمة الناس إلا في مبادئهم ** لا المال يبقى ولا الألقاب والرتب. قال الله تعالى:" إن الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"(سورة فصلت آية 8) سلام الله على روح سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في الخالدين، وغفر له وأسكنه جنات النعيم.
972
| 09 أغسطس 2026