رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
روحي يا حرة ولا عليك مضرة..
القطرية بين حياء ابنة شعيب وشجاعة المُجادِلة
كم من امرأة خلَّد القرآن ذكرها، فلا تشرق شمس على الأرض أو تغرب إلا وقد تردد اسمها أو وصفها فيما يتلوه المؤمنون في أرجاء المعمورة، ومن هؤلاء ابنة شعيب التي صارت زوجة لكليم الله موسى عليه السلام.
يصفها القرآن بأجلّ الخصال التي تزين المرأة، الحياء، فبعد أن سقى لها ولأختها نبي الله موسى، جاءته تخبره بدعوة أبيها إياه، ليكافئه على حسن صنيعه مع ابنتيه {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا}( 1).
وها هو الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يبسط في إجمال المعنى ببيان التفصيل قائلًا: «جاءت تمشي على استحياء، قائلة بثوبها على وجهها، ليست بسلفع خَرَّاجة ولاجة»( 2).
وهنا يطالعنا جهابذة اللغة بمعنى السلفع، قال الجوهري: «السلفع من الرجال: الجسور، ومن النساء: الجريئة السليطة»(3 ).
هكذا تربت فتياتنا
وكأن هذه الآية نهجٌ تربت عليه الفتاة القطرية، فلم تكن يوما بالسلفع من النساء، ولم تكن يوما بالتي تطلق لسانها وتتجرأ على الرجال، أغدقت عليها أمها بالنصح حيال تبجيل الرجال، وخفض الصوت عندهم، والتزام وشاح الحياء أمامهم، والتحذير من الجدال معهم، فكان الرجل يحظى بما لم يحظ به مثله في المجتمعات الأخرى بتوقير النساء إياه، سواء كان رجلًا أو أخًا أو حتى ابنًا.
هذا الحياء إنما هو رفعة للمرأة إذ تتخلق بخلق هو من شعب الإيمان، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان) (4 ).
تربي الأم القطرية ابنتها على توقير الرجل والتزام أدب الحياء معه وعدم التجرؤ عليه، لأنها تعطي القوامة قدرها: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} (5 ).
فالقوامة تكليف للرجل، يقوم بمقتضاها برعاية المرأة أمًا وزوجة وابنة وأختًا، سواء بالنفقة أو بتقويمها لتكون على الجادة، فالمرأة القطرية تدرك عظم المهام المنوطة بالرجل تجاهها، ومن ثم تقدره وتُجلّه وتربي بناتها على الشيء ذاته.
لكننا لن نتجاوز إطار الحقيقة لو قلنا إن الفكر الذكوري في المجتمع القطري قد أساء التعامل مع هذه الخصلة والمكرمة التي تربت عليها القطريات، وأقول «الذكور» لا «الرجال»، فهناك بون شاسع بين من يتعامل مع المرأة بمنطق جنسه، وبين من يتعامل معها بمنطق شيمِهِ ومكارمه، فكل رجل ذكر، وليس كل ذكر رجلًا، والرجل الحق يكرم المرأة لا يهينها، يتواضع أمام ضعفها الفطري لا يتجبر عليها، فما أكرمهن إلا كريم، وما أهاههن إلا لئيم.
فهم خاطئ للحياء
وقطعًا أتحدث هنا عن شريحة من الرجال لا كلهم، فبعض الذكور أسأءوا التعامل مع حياء المرأة وتوقيرها الرجل، فتغولوا على حقوقها، ومنحوا أنفسهم سلطة لا يقرها شرع ولا قيم حيال المرأة، فكم من أخٍ هضم حقوق أخته في ميراث الوالد بعد وفاته، فقط لأنه رجل ولا يحق لأخته – وفق مزاعمه- أن تجادله في ميراثها من مال أبيها. كما أتى هذا التغول على المرأة المطلقة، فبدلا من جبر خاطرها المكسور، تعامل وفق قواعد ذكورية استبدادية، كأنها قد ارتكبت جريمة شنعاء، مع أن الطلاق أمر قد شرعه الله لئلا تتحول البيوت إلى جحيم حين يعيش الزوجان في تباغض وتنافر تحت سقف واحد.
بمقتضى هذه السلطة الذكورية منعت المرأة القطرية في بعض البيوت من إثبات وجودها كقسيم للرجل وشريك له، فإن قال فلا راد لقوله، وإن أخطأ لا يُراجع، وإن سلب حقوقها لا تُناقش، وهذا كله ليس من الإسلام في شيء.
من هنا كان قول أمهاتنا قديما «روحي يا حرة ولا عليك مضرة» إذا أرادت المرأة أن تُعرب عن نفسها، وتناقش وتجادل في حقوقها، وتعرض مشكلاتها وأزماتها، وقد يرى البعض في ذلك تغيرًا سلبيا في المجتمع القطري، لكن الأمر ليس كذلك، وليس أدل على هذا من قصة المُجادِلة.
هي واحدة من نساء الصحابة، علمت أن دينها يكفل لها السعي لنيل حقها وعرض مشكلاتها، يقول الله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ}( 6).
قصة المجادلة
تحكي لنا الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته في الدارين عائشة رضي الله عنها قصة المجادلة فتقول: «تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ، إِنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ، وَهِيَ تَشْتَكِي زَوْجَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهِيَ تَقُولُ: يا رسول الله، أَكَلَ شَبَابِي، وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ سِنِّي، وَانْقَطَعَ وَلَدِي ظَاهَرَ مِنِّي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ. فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جبريل بِهَؤُلَاءِ الْآيَاتِ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ}»(7 ).
جاءت خولة تختصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتحاوره وترفع له شكواها من زوجها، الذي بعد أن قضت سنوات عمرها معه وأنجبت له الأولاد، ظاهر منها، أي قال لها: أنت عليّ كظهر أمي، وكان هذا القول في الجاهلية يعد طلاقا، فنزلت بشأن خولة آيات تبطل وقوع اعتبار الظهار طلاقا، وجعلت الشريعة له كفارة.
من حق المرأة أن تناقش وتحاور وتجادل وترفع شكواها ولا تسكت عن الظلم الواقع عليها، فلقد جاء الإسلام وأكرم المرأة وأعزها، بعد أن كانت في الجاهلية هملًا ومتاعًا يورث.
فعندما تجادل المرأة في حقوقها المشروعة، فليس في ذلك إساءة أدب أو تمرد على الرجل، طالما أن جدالها يدور في فلك التشريع الإسلامي الذي حدد لها الحقوق والواجبات.
وفي روايةٍ تقول عائشة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُكَلِّمُهُ وَأَنَا فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، مَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ: فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: «{قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا»}( 8).
نموذج من الحياء
ومع أن بيت عائشة كان صغيرًا لكنها لم تسمع كثيرًا مما تقول المرأة، وهذا يدل على حياء خولة، وتأدبها في الشكوى إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويظهر هذا الأدب كذلك في مضمون الشكوى والكلمات التي عبرت بها عن شكواها، فلم تسب زوجها أو تعيبه في شيء، بل صانت عشرته ولم تتجاوز في عرضها حدود المشكلة.
وقد يشكل هنا على البعض، ويرى تعارضًا بين المجادَلة الصادرة عن خولة بنت ثعلبة، وبين النصوص التي تذم الجدال، وتحض على تركه، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ)( 9).
فالجواب هنا من وجهين:
الوجه الأول: أن الجدال ليس مذموما مطلقا، بل منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، وضابطه كما قال الإمام النووي: «فإن كان الجدالُ للوقوفِ على الحقّ وتقريرِه كان محموداً، وإن كان في مدافعة الحقّ، أو كان جدالاً بغير علم كان مذموماً، وعلى هذا التفصيل تنزيلُ النصوص الواردة في إباحته وذمّه»( 10).
الجدال بالتي هي أحسن
فهناك الجدال بالتي هي أحسن، والذي يُبتغى به الحق وبالحق، لا ما يراد من جهة الخصومة والانتصار للذات والاستعلاء وطمس الحق، كما قال الله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ }( 11).
قال ابن كثير: «{وجادلهم بالتي هي أحسن} أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب»( 12).
الوجه الثاني: أن خولة بنت ثعلبة لو كانت ارتكبت خطأ وينطبق على حالها الجدال المذموم، لأنكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم وبين لها خطأها، فدل على أن جدالها لم يكن جدالا مذموما، لكنه كان بمعنى المحاورة والمراجعة، تذكر له من أمر محنتها وفعل زوجها معها، وهذا ما جاءت به التفاسير المعتبرة.
قال القرطبي: «(تجادلك) أي تسائلك»(13 )، وقال الماوردي: «المحاورة: مراجعة الكلام»(14 )، وقال الألوسي: «أي تراجعك الكلام في شأنه وفيما صدر عنه في حقها من الظهار»(15).
ومعاذ الله أن توجد هناك قطرية من الرعيل الأول تدعو إلى تمرد المرأة وخروجها عن تعاليم الدين والعرف المنضبط، بل كن يدعين المجتمع إلى الاستماع لها، ورعاية حقها بأن تخرج عن طور السلبية، وتنادي برفع أي ظلم وقع عليها، والحصول على أي حق مكفول لها شرعًاويقلن لها «روحي يا حرة ولا عليك مضرة».
فلطالما كانت المرأة القطرية كابنة شعيب في حيائها، لكنها كخولة المجادِلة في شجاعتها ومعرفتها بحقوقها.
- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
( 1) [القصص: 25].
(2 ) تفسير ابن كثير، (6/228).
(3 ) الصحاح في اللغة، للجوهري، (3/366).
(4 ) متفق عليه، البخاري، (9)، ومسلم، (35).
( 5) [النساء: 34].
(6 ) [المجادلة: 1].
( 7) سنن ابن ماجه، (2063).
(8 ) مسند أحمد، (24195).
(9 ) سنن أبي داود، (4800).
(10 ) الأذكار، للنووي، ص371
(11 ) [النحل: 125].
(12 ) تفسير ابن كثير، (4/613).
( 13) تفسير القرطبي، (17/272).
(14 ) النكت والعيون، (5/488).
(15 ) روح البيان، للألوسي، (14/198).
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
6942
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2601
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2361
| 15 أكتوبر 2026