رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شكلت سنة 1975 مفترقا كبيرا في التاريخ اللبناني الحديث ليس فقط في السياسة , وإنما في الاقتصاد والمال والاجتماع خاصة. قبل سنة 1975 كان الاقتصاد اللبناني يعتمد على النظام الحر "التقليدي" كاستثناء في منطقة عربية اعتمدت النماذج الاشتراكية في معظمها وأن يكون بأشكال مختلفة. كان لبنان "سويسرا الشرق الأوسط" وبيروت سميت باريس الشرق، وكان النمو قويا والتضخم ضعيفا. اعتمدت سياسات اقتصادية هدفت إلى تعزيز القطاع المصرفي والمالي عبر قانون النقد والتسليف الذي حمى سرية الودائع وأسهم في جذب الأموال العربية إلى لبنان. نجحت السياسات الليبرالية اقتصاديا لكنها فشلت اجتماعيا، إذ أنتجت سوء عدالة خطيرة من ناحيتي الدخل والثروة. شكلت هذه الفوارق الاجتماعية الكبيرة الأسس التي بنيت عليها النزاعات السياسية التي أصبحت أمنية فيما بعد.
بين سنتي 1960 و1970، نما الاقتصاد اللبناني عبر الناتج المحلي الفردي بمعدل سنوي قدره 5% ولم يصل مؤشر التضخم إلى أعلى من 1.5%. في مؤشرات المؤسسات الدولية، وضع لبنان في أعلى مستويات الدخل الفردي لمجموعة الدول ذات الدخل المتوسط أي مباشرة قبل مجموعة الدول الصناعية. هذه نتائج ممتازة ليس فقط بالمعايير العربية وإنما أيضا دوليا. نمت الزراعة سنويا ب 6.3% وكل من الصناعة والخدمات ب 5%. كانت هنالك توازنات اقتصادية خيرة أسهمت في خلق حيوية في كل القطاعات. لذا توزع الناتج المحلي الإجمالي على 12% للقطاع الزراعي و68% للخدمات والبقية للقطاعات المرتبطة بالصناعة. 38% من السكان كانوا يعملون في الزراعة و39% في الخدمات والباقي في الصناعة. لم يشكل سكان المدن إلا 44% من المجموع، فبقي الريف حيويا في السكن والعمل والإنتاج ووصلت إليه الخدمات الاجتماعية الأساسية. نمت الصادرات سنويا بمعدل 14.5% كما ارتفعت الواردات فقط ب 5.1% , مما أسهم في تحسن أوضاع الميزان التجاري. لم يستفد الريف اللبناني من التطور إلا في تلك الفترة، لكن ما استثمر في ذلك الوقت لم يعد كافيا اليوم ليس كميا فقط وإنما من ناحيتي التكنولوجيا والتقدم والتنوع والانتشار.
كانت سنة 1973 مفصلا مهما بسبب أزمة النفط وارتفاع سعر البرميل إلى حدود غير مسبوقة. أتت الأموال إلى المصارف اللبنانية وخرج اللبنانيون للعمل في دول الخليج المستثمرة في اقتصاداتها خاصة في البنية التحتية. حصلت في وقتها أيضا مشاكل سياسية واقتصادية في العديد من الدول العربية , مما سبب نزوحا للأغنياء إلى لبنان، فاستثمروا ووضعوا ودائعهم في مصارفنا. المشاكل السياسية معروفة، إلا أن الاقتصادية ارتكزت على التأميم مما دفع بالمواطنين العرب إلى اللجوء إلى لبنان. كان لعمل اللبنانيين في الخليج وما زال تأثير كبير على الأوضاع الداخلية إذ أسهمت التحويلات في تطوير الاقتصاد ورفع مستوى المعيشة في أوقات ضيق وتحديات صعبة. في هذا الوقت كانت الحكومات اللبنانية جدية في عملها المسؤول لمصلحة المواطنين، فوضعت برامج خماسية أولها لفترة 1964 – 1968 أسهمت في خلق مؤسسات عامة متعددة رقابية وغيرها وفي فهم دقيق لحاجات وإمكانات الاقتصاد. كان الاقتصاد اللبناني صحيا في نموه وتوزعه لكن بذور المشكلة الاجتماعية بدأت تظهر. لا بد وأن نذكر هنا أن الحد الأدنى للأجور كان 95 دولارا في سنة 1970 وكان مدروسا على عكس ما يحصل اليوم.
كانت الحرب اللبنانية وكان الاحتلال الإسرائيلي في سنة 1982 وكان سقوط الليرة في فترة 1984-1985 كنتيجة ودافع للسقوط النهائي للدولة حتى توقيع اتفاق الطائف الذي أعطى فرصة للخلاص لم نستفد منها كليا بعد. لم يكن حل الطائف فاضلا لكنه أوقف الحرب وهذا مهم إلا أنه نقل الخلل السياسي والمؤسساتي من أمكنة إلى أخرى. مشكلة "الطائف" هو عدم قدرتنا كلبنانيين على تعديل مكامن الخلل فيه حتى ولو بدت ظاهرة في العديد من بنوده. في سنة 1987 وكنتيجة لسقوط النقد تدولر الاقتصاد اللبناني وما وزلنا غير قادرين على الخروج من هذا المأزق المضر الذي يتعمق أكثر فأكثر في عاداتنا وتصرفاتنا. في فترة 1970-1981 بلغ مؤشر التضخم السنوي حوالي 14.6% وانحدر الناتج المحلي الفردي بنسبة سنوية قدرها 5.5%. وصل مؤشر التضخم إلى 120% في سنة 1992 مما سبب ربط الليرة بالدولار، أي عمليا نعتمد منذ ذلك الحين السياسة النقدية الأمريكية في اقتصادنا اللبناني.ارتفعت الكتلة النقدية بمعدل سنوي قدره 17% في فترة 1974-1982 وإلى 339% سنويا في فترة 1983-1986. حصل زلزال اقتصادي خطير ميز فترة ما قبل 1975 مع ما بعدها ولا بد من تحديد المسؤوليات في المستقبل ليس فقط للمحاسبة , وإنما خاصة للتعلم من أخطاء الماضي وتجاربه.
نمت الصادرات بنسبة سنوية قدرها 2% في فترة 1970-1981 والواردات ب 3.3% مما سبب انحدارا كبيرا متواصلا في الميزان التجاري اللبناني بعد سنوات من التغير الإيجابي. انحدرت نسبة العاملين في الزراعة إلى 11% من السكان بسبب الأمن وتدني مستوى الخدمات الاجتماعية في الأرياف. ارتفعت نسبة العاملين في الخدمات إلى 62% مما سبب بداية الخلل السكاني الاقتصادي الذي ما زلنا نعاني منه حتى اليوم. انتقل السكان من الريف إلى المدن حيث بلغت نسبتهم 77% مقارنة ب 44% في سنة 1960 كما ذكرنا.
في الأمور المصرفية والمالية وبسبب الأوضاع المتدهورة تدريجيا ارتفعت الودائع 3.5 مليار دولار فقط في سنة 1987 مقارنة ب 12 مليارا في سنة 1982. انحدر الناتج المحلي الإجمالي فوصل إلى 2.5 مليار دولار في سنة 1988 أو 714 دولارا للفرد الواحد مقارنة ب ألفي دولار في سنة 1975. في الوقت نفسه تدنى سعر صرف الليرة من 4.5 للدولار إلى 500 ليرة في سنة 1988 أي وصل الحد الأدنى للأجور إلى 15 دولارا مما أسهم في دولرة الاقتصاد حتى تثبيت سعر الصرف في بداية التسعينات.
ما زال الخلل الهيكلي للاقتصاد مستمرا حتى اليوم إذ أن النزاع السياسي يمنع عمليا تحقيق الإصلاحات الحقيقية. نحتاج إلى حكومة جديدة ليس فقط للقيام بالتعيينات الإدارية ولاتخاذ القرارات العادية، إنما نريدها أن تساهم في تصحيح هيكلية الاقتصاد عبر تنشيط الزراعة والصناعة كما عبر تطوير الريف لوقف النزوح السكاني وربما العودة إلى المناطق. تصحيح الخلل ممكن في ظل حكومات متجانسة وفاعلة تتخذ قراراتها بسرعة بالتعاون مع مجلس نيابي يقر التشريعات والموازنات كي تصبح الدولة دولة. هل نقبل في لبنان مثلا أن يشكل الاستهلاك الخاص حوالي %80 الناتج أي نتفوق على الولايات المتحدة وهي الدولة الاستهلاكية بامتياز من دون أن تكون هنالك قوانين لحماية حقوق المستهلك نتيجة المنافسة الفوضوية وعدم رقابة الجودة حتى في الأدوية والسلع الغذائية. المجتمع اللبناني سيبقى استهلاكيا إذ هذه هي طبيعة اللبناني الراغب في العيش الهنيء، إلا أن المطلوب زيادة القدرات الإنتاجية ليس فقط في الخدمات وإنما خاصة في الصناعة والزراعة بحيث نخفف من الاستيراد ونستهلك السلع الداخلية. في مستوى الناتج الحالي أي 35 مليار دولار، يسير اقتصادنا في الاتجاه الخاطئ.
هل من الممكن تطوير الإنتاج في غياب التوفير الداخلي الكافي الذي تبتلعه الموازنات العاجزة؟ الحلول مترابطة، إذ أن بقاء عجز القطاع العام كبيرا يمنع تمويل القطاع الخاص بتكلفة تنافسية مقبولة. الأسواق المالية ما زالت غير متطورة، وبالتالي ما زلنا تقليديين في تمويلنا.لا يمكن تطوير الاقتصاد من دون تعزيز أوضاع الشركات الصغيرة التي تميز الاقتصاد اللبناني وتشكل القسم الأكبر من قطاعه الخاص. فالحلول للأوضاع الهيكلية تعتمد على وضع السياسات الاقتصادية التي تغير التوازنات الداخلية ليس إلى ما كانت عليه في السبعينات وهذا مستحيل وربما لا جدوى فيه، وإنما تصحح الخلل نحو أفضل الممكن.
رثاء في أخي عبدالعزيز
أكثر من ستة أشهرٍ مضت يا أخي وما زال الغياب يرفض أن يصبح حقيقة. ما زلتُ كلما اجتمعنا... اقرأ المزيد
462
| 07 يونيو 2026
لماذا أخفقت توقعات الـ 200 دولار للبرميل؟
أثقلت كاهلنا توقعات خبراء النفط والمحللين الاقتصاديين المتكررة منذ سنين؛ بأن أي مواجهة عسكرية، أو أزمة سياسية، أو... اقرأ المزيد
399
| 07 يونيو 2026
رفيق كل الدروب
في رحلة الحياة الطويلة، نلتقي بالكثير من الأشخاص. بعضهم يمر كنسمة عابرة لا تترك أثراً، وبعضهم يمر كفصلٍ... اقرأ المزيد
312
| 07 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2826
| 31 مايو 2026
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
2805
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2580
| 02 يونيو 2026