رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك مشاهد لا تغادر الذاكرة مهما مر عليها الزمن. بالنسبة لي، لم يكن ذلك المشهد رقماً في تقرير أو نتيجة دراسة علمية، بل كان في غرفة العلاج الكيميائي للسرطان.
كنت أرافق ابنة أخي في إحدى جلسات علاجها. شابة في مقتبل العمر، لم يمضِ وقت طويل على زواجها، وأم لطفلتين صغيرتين تنتظران عودتها إلى المنزل بعد كل جلسة. كنت أظن أن أصعب ما في ذلك اليوم هو مشاهدة أحد أفراد العائلة يصارع المرض، لكن ما ترك أثراً أعمق في نفسي كان ما رأيته داخل غرفة العلاج. وجوه كثيرة لشابات في أعمار متقاربة، لكل واحدة منهن قصة وأسرة وحياة كانت تسير بصورة طبيعية قبل أن تتوقف فجأة أمام تشخيص السرطان.
خرجت من المستشفى وأنا أحمل سؤالاً واحداً: هل ما رأيته مجرد مصادفة فرضتها تجربة شخصية، أم أن هناك تغيراً حقيقياً يستحق أن نتوقف عنده؟
هذا السؤال لم يدفعني إلى البحث عن إجابة عاطفية، بل إلى العودة إلى ما أعرفه جيداً؛ البيانات.
في تلك الليلة فتحت موقع وزارة الصحة العامة، وحملت تقارير السجل الوطني للسرطان، وبدأت أقرأها بعين الباحثة. لم أكن أبحث عن دليل يثبت ما شعرت به، لأن البحث العلمي لا يبدأ بالنتائج، بل بالأسئلة. كنت أبحث عن مؤشرات تساعد على فهم ما إذا كانت أنماط السرطان في دولة قطر تشهد تغيرات تستحق مزيداً من الدراسة.
أظهرت تقارير السجل الوطني للفترة ما بين 2016-2021 أن سرطان الثدي ما زال يحتل المرتبة الأولى بين السرطانات الأكثر شيوعاً لدى النساء، كما برزت تغيرات في توزيع عدد من السرطانات الأخرى، منها سرطان القولون والمستقيم وسرطان الغدة الدرقية، مع حضور أكبر لسرطانات الكلى والكبد والمعدة مقارنة بالتقارير السابقة. وبالطبع، فإن هذه الملاحظات لا تعني أن أسباب السرطان قد تغيرت، كما أن مقارنة أعداد الحالات لا تكفي وحدها لتفسير الاتجاهات الزمنية دون الاعتماد على معدلات الإصابة المعيارية حسب العمر، لكنها تثير سؤالاً علمياً مشروعاً حول ما إذا كانت عوامل الخطورة في المجتمع تستحق قراءة أكثر عمقاً.
ومع الانتقال إلى التقرير الصحي الموجز لدولة قطر 2024، اتضحت صورة أخرى لا تقل أهمية. فالسمنة والسكري وارتفاع ضغط الدم وتعاطي التبغ ما زالت تشكل تحديات صحية رئيسية، وهي عوامل ترتبط علمياً بزيادة خطر الإصابة بعدد من الأمراض المزمنة، بما فيها بعض أنواع السرطان. إلا أن المعرفة العلمية الحديثة تؤكد أن السرطان ليس نتاج عامل واحد، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين العوامل الوراثية والسلوكية والهرمونية والبيئية، يمتد أثره عبر سنوات طويلة قبل أن يظهر المرض.
هنا وجدت نفسي أعود إلى سنوات عملي البحثي في مجال الصحة البيئية. فعلى مدى سنوات، شاركت في أبحاث تناولت التعرضات البيئية المرتبطة بمياه الشرب في دولة قطر. تناولت إحدى الدراسات انتقال عنصر الأنتيمون من عبوات المياه البلاستيكية المصنوعة من مادة PET إلى مياه الشرب في ظروف تخزين مختلفة، بينما تناولت دراسة أخرى نواتج التطهير الثانوية في مياه الشرب المحلاة والعوامل المؤثرة في تكوّنها وسبل الحد منها.
لم يكن الهدف من تلك الدراسات البحث عن علاقة مباشرة بالسرطان، ولم تدّعِ ذلك، لأن إثبات العلاقة السببية بين أي تعرض بيئي ومرض معين يتطلب دراسات وبائية طويلة الأمد تراعي جميع العوامل المؤثرة. لكنها أثبتت أمراً لا يقل أهمية، وهو أن التعرضات البيئية يمكن قياسها ورصدها وتحليلها علمياً، وأن لدينا القدرة على إنتاج بيانات دقيقة حول البيئة التي نعيش فيها.
ومن هنا بدأ يتشكل أمامي سؤال مختلف، لا يتعلق بالسرطان وحده، بل بمنهجية التعامل معه.
إذا كانت لدينا سجلات وطنية متقدمة ترصد الأمراض، وإذا كانت لدينا دراسات قادرة على قياس التعرضات البيئية، فلماذا يبقى كل مسار يعمل بمعزل عن الآخر؟ ولماذا لا ننتقل إلى مرحلة جديدة تربط بين البيانات الصحية والبيانات البيئية لفهم الصورة بصورة أشمل؟
لقد حققت دولة قطر خلال السنوات الماضية إنجازات كبيرة في بناء منظومة صحية متطورة، واستثمرت في السجلات الوطنية، وفي البنية البحثية، وفي الجامعات والمراكز العلمية، وأصبحت تمتلك قاعدة بيانات صحية تعد من الأفضل في المنطقة. واليوم، تبدو الفرصة مهيأة للانتقال إلى مستوى أكثر تقدماً، لا يقتصر على تشخيص المرض وعلاجه، بل يمتد إلى فهم العوامل التي قد تسهم في تشكيل أنماطه، بما يدعم الوقاية ويعزز جودة السياسات الصحية.
إن إطلاق برنامج وطني تقوده وزارة الصحة العامة بالشراكة مع الجامعات ومؤسسة حمد الطبية ومؤسسات البحث العلمي والجهات الوطنية ذات العلاقة، لربط البيانات الصحية بعوامل الخطورة البيئية والسلوكية والمهنية والوراثية، سيكون خطوة استراتيجية تتجاوز حدود مشروع بحثي منفرد. فهذا النوع من البرامج يوفر قاعدة معرفية متكاملة تساعد على تحديد الأولويات الصحية، وتوجيه البحوث نحو القضايا الأكثر تأثيراً، وتعزيز السياسات الوقائية المبنية على الأدلة، بما ينسجم مع رؤية دولة قطر في بناء نظام صحي رائد يعتمد على المعرفة والابتكار.
إن الدعوة إلى مثل هذا البرنامج لا تعني أن البيئة هي السبب، ولا أن نمط الحياة هو التفسير الوحيد، ولا أن الوراثة يمكن تجاهلها. بل تعني أن الأمراض المعقدة تستحق أن تُدرس بالمنهجية نفسها التي تتسم بها، منهجية تنظر إلى جميع عوامل الخطورة بوصفها أجزاءً من صورة واحدة، لا ملفات منفصلة.
لقد بدأت رحلتي مع هذا المقال من غرفة علاج، لكنها انتهت أمام قناعة مختلفة تماماً. فالقصة الإنسانية كانت الشرارة، أما الاتجاه فقد رسمته البيانات، وأما الوجهة التي ينبغي أن نتطلع إليها فهي العلم.
قد لا نستطيع أن نمنع جميع حالات السرطان، لكننا نستطيع أن نفهمها بصورة أفضل. وقد لا نملك اليوم كل الإجابات، لكننا نملك المؤسسات، والكفاءات، والبيانات، والإرادة التي تمكننا من طرح الأسئلة الصحيحة والبحث عنها وفق أعلى المعايير العلمية.
ولعل أعظم ما يمكن أن نقدمه لكل أم تغادر غرفة العلاج لتعود إلى أطفالها، ولكل أسرة تواجه المرض بالأمل، ليس فقط تطوير وسائل العلاج، بل الاستثمار في المعرفة التي تجعل الوقاية أكثر دقة، والسياسات الصحية أكثر استباقية، والمستقبل أكثر قدرة على حماية صحة الإنسان.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كاتبة قطرية - مستشار الصحة البيئية / تميز مؤسسي
falotoum@hotmail.com
@faalotoum
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
4836
| 03 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2337
| 01 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
1629
| 05 أغسطس 2026