رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

خولة البوعينين


Khawla.life@outlook.com
@Khawlalbu3inain

مساحة إعلانية

مقالات

798

خولة البوعينين

من عرف نفسه عرف ربه

03 سبتمبر 2024 , 02:00ص

قد يعتاد المرء طبائعه حتى تغدو في مأمنٍ من مراقبته، فهي تجري على جوارحه وأفعاله، وتألف مدارات فكره

وكهوف شعوره، فيظل وكأنه مُسيّر الفكر والفعل، تتراوح مشاعره بين مدى قد استأنسه جيئةً وذهاباً، فلا يلبث أن يتبلد لديه الشعور تجاه نفسه، وينطفئ الشغف للتبّحر في تلافيف عقله وأحاسيسه، وكأن ما ألفه من الطبائع قدر موصوم به، عجز عن حتى ملاحظته!

لذا، ما أحرى بالمرء أن يدرك أن طبائعه جديرة بالتفحص والاستكشاف، وبإعادة النظر فيها لتشبه حقيقة روحه لا لتتخلق مع ما جُبل عليه بدافع التطبع والاعتياد، ودوام الممارسة والتكرار!

ولعل في ذلك شجاعة تراجع عن امتلاكها كثيرٌ من الناس، فالإقدام على التكشّف على حقيقة النفس في الخلوات أمر لا يعي أهميته غالب الجمهور، فضلاً عن شكيمة الإقبال عليه، وطول الصبر فيه، ودوام السعي لاستمرار ذاك الاتصال ومجاراة ما يعتريه من التحديات.

ولكني أزعم أن ثمرة ذلك تستحق تلك المخاطرة بترك الدارج المألوف، وتستوجب المغامرة لكشف الستار عن الغامض المكنون.

فالنفس كنزٌ لا يُثمنه سوى الحصيف، ولا يستطيع التعامل معه سوى الجسور الصنديد.

وما الثمرة إلا شجرة سامقة، وارفة الظلال، فمن عرف نفسه ثمّن عطية الخالق له، وأضحى عزيزاً كريماً قد علم قدرها، وسعى لتهذيبها، واستطاع أن يمتلك زمام أمرها، فهي مطواعة له في الخير، ملجومة تحت إمرته عن الشر، أبيّة مُدركة لا إمعّة، لا تحسن مع الناس إلا إن أحسنوا، قد اعتادت أن تجتنب إساءتهم، قريبة لحقيقة صنعتها، بعيدة عما ألفه الناس من العادات والطبائع والأقوال والأفكار والأفعال، فلا مفر لمن عرف نفسه إلا أن يزدهر، وأن يتميز لونه بين الألوان، ويبرز طبعه بين الطبائع، لأنه قد علم أنه صنيعه خالقه البديع، الذي قد أحسن إليه بإيجاده من العدم لا ليتشابه مع غيره، بل ليكون مختلفاً ألوانه، فلا يلبث بعد أن عرف نفسه إلا أن يعرف ربه.

 لحظة إدراك:

من عرف نفسه، جلّت في عينه جميل فعاله، وعظم في قلبه تميّز ذائقته، وفرادة مسلكه، ليس تفرداً يطلب فيه الانتصار لأناه، والتشامخ على خلق الله من حوله والتباهي عليهم، ولكنه تفرّد يتبين فيه روحه، ويشكر فيه ربه على عظيم صنعه، ويجلو به ران فؤاده عما استقر فيه من الأزل من الإيمان الفطري بما حمل.

مساحة إعلانية