رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. حسن بن راشد الدرهم

مساحة إعلانية

مقالات

1866

د. حسن بن راشد الدرهم

التعديلات الدستورية تتوافق مع احتياجات المجتمع

03 نوفمبر 2024 , 02:00ص

لدي يقين بأن الله خصَّ هذه الأرض الطيبة وأهلها بأمرٍ وقدّر أن يكون لها شأنٌ بين الأمم والشعوب. هناك سرٌ يكتنفها بحيث تُسبغ من يعيش على أرضها ويسكنها معاني الشرف والعزة والإباء.

القارئ لتاريخ قطر الحديث يجد التعاضد والتراحم بين أفراد المجتمع القطري بجميع فئاته منذ زمن المؤسس لهذه الدولة المباركة الشيخ جاسم بن محمد ومن اجتمع حوله من أبناء الوطن، كما يرى التضحيات الجسام ومعاني البطولة والإخاء من أجل بناء وتوريث وطن شامخ يستحقه أبناؤه وأجياله القادمة.

ولقد توارث أبناء قطر هذه المعاني والقيم فكانت علاقة الشعب بالحكم علاقة فريدة من نوعها، تميّزت بالصدق والعدل والتراحم، انعكست هذه المعاني في التلاحم القائم بين أفراد المجتمع خلال مراحل نهضته المتتابعة.

وحينما تولى سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة باني نهضة قطر الحديثة مقاليد الحكم كان عاقد العزم على أن يُرسخ مفهوم الدولة الحديثة بدستورها وتشريعاتها ومؤسساتها التي تضمن التنمية المستدامة للدولة، والرفاهية لمواطنيها وأفراد شعبها. لقد وعد سموه ( أمد الله في عمره وأسبغ عليه ثياب الصحة والعافية) بأن يتمنى كل شخص في هذا العالم لو كان مواطناً قطرياً. ولقد أوفى بما وعد. وبعزيمة الرجال حققت قطر في عهده نهضة غير مسبوقة في جميع المجالات.

ولقد كان إعداد الدستور الدائم واقراره بالاستفتاء الشعبي المباشر أحد تجليات تلك المرحلة من بناء الدولة الحديثة. هذا الدستور الذي أسس لدولة المؤسسات واستقلالية السلطات وضع حجر الأساس لهذه الدولة المباركة لانطلاقتها النهضوية الكبرى.

تسلم حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد الراية من سمو الأمير الوالد ومضى على نهجه ونهج آبائه الكرام خدمةً لوطنه وشعبه، فكان خير خلف لخير سلف، ومضى يشق طريق النهضة مسلحاً بإيمانه ورؤيته الوطنية، ومتدثراً بالتفاف شعبه حوله وتكاتف أبناء الوطن في جميع الظروف العصيبة التي مرّ بها وطننا الحبيب.

لقد جمع سمو الأمير بين حماسة الشباب وحكمة الشيوخ، وهو الذي يؤمن إيماناً راسخاً ببناء دولة القانون والدستور. وفي هذا الصدد كانت رؤية سموه ضرورة تفعيل مواد الدستور الدائم للدولة، وخصوصاً المتعلق منها بانتخاب ثلثي أعضاء مجلس الشورى، حيث أكد سموه عند افتتاحه دور الانعقاد التشريعي لعام ٢٠٢١ لأول مجلس منتخب ضرورة خوض هذه التجربة ومراجعتها فيما بعد عبر استخلاص العبر والدروس منها، حيث قال:

«كما تعلمون جميعاً، مر إصدار الدستور الدائم للبلاد والعمل بأحكامه بمراحل عدة منذ إنشاء لجنة إعداد الدستور الدائم التي تولت صياغته، وطرح مسودته للاستفتاء العام وموافقة الغالبية العظمى من المواطنين عليه. وقد توالى بعد ذلك صدور القوانين والأدوات التشـريعيـة الأخـرى اللازمـة للعمل بأحكـام الدسـتور. إن التشريعات، بما فيها التشريعات الدستورية الطابع، هي نتاج مرحلتها التاريخيـة، وهي تتطـور بتطـور الحيـاة. ومن منطلق حرصنا على تعزيز المواطنة القطرية المتساوية، وترجمتها عملياً بوصفها علاقة مباشرة بين المواطن والدولة تقوم على الحقوق والواجبات، فقد أصدرت تعليماتي لمجلس الوزراء للعمل على إعداد التعديلات القانونية اللازمة التي تضمن تحقيق هذه الغاية وعرضها على مجلسكم الموقر الذي بانتخابه وتشكيله يكتمل الإطار القانوني اللازم للنظر فـي إقـرار هـذه التعديـلات».

«لقد مرت قطر في تاريخها الحديث بتجارب وتحديات صعبة. وكانت وحدتنا الوطنية مصدر قوتنا بعد التوفيق من الله سبحانه وتعالى. ولن نسمح بتهديدها مستقبلاً. ومن هنا علينا دائماً عند التفكير ومراجعة التجارب التي نخوضها أن نرفع تماسكنا كقطريين فوق أي اعتبـار وتجنـب كل ما من شأنـه أن يشكـل تهديـداً له».

احترام سمو الأمير للدستور والتزامه به هو أمرٌ يُحتذى به، ودعوة سموه في حينه إلى إجراء انتخاب ثلثي أعضاء مجلس الشورى بالاقتراع المباشر كما نصّت عليه المادة (٧٧) من الدستور واستخلاص العبر والدروس من هذه التجربة هو الأمر السليم، فكيف للدول الناهضة أن تعرف ما يناسبها سوى بالتجربة والممارسة؟

ولقد خاض الشعب القطري بكل فئاته تجربة الانتخاب المباشر بكل جسارة. وكما أن هذه التجربة أظهرت لنا العديد من الجوانب الإيجابية المشرقة، إلا أنها بيّنت بعض الجوانب السلبية التي مسّت وحدة وتكاتف مجتمعنا القطري، مثل تغليب بعض العصبيات البغيضة على الصالح العام أو على وحدتنا الوطنية. كانت هذه الجوانب السلبية مدعاةً لتدارس التجربة من قبل ولي الأمر ومناقشته مع أهل الحل والعقد للخروج بأفضل ما يناسب مجتمعنا القطري حيث إن درء المفسدة مُقدمٌ على جلب المصلحة.

وكما أن احترام الدستور واجب قانوني وأخلاقي على الجميع، إلا أنه ليس بقرآن مُنزل، بل إن هناك آليات تحكم أي مقترح لتعديله. لذا دعا سمو الأمير في افتتاح دور الانعقاد الحالي لمجلس الشورى إلى مناقشة اقتراح الحكومة على التعديلات المناسبة لبعض مواد الدستور وأحكام القوانين التابعة لتجنب بعض الظواهر السلبية التي اعترت التجربة السابقة بحيث تأمن البلاد مما يُنغص وحدة وتكاتف أبنائها، وكذلك ضمان مساواة الجميع في الحقوق والواجبات أمام القانون.

لقد أكد سمو الأمير على أن التعديلات المقترحة يجب ألا تمسّ من صلاحيات مجلس الشورى ودوره التشريعي والرقابي على الأداء الحكومي، وهو ما يضمن فاعلية المجلس وأداء دوره المناط به.

ولقد اطلعت (كما اطلع غيري) على التعديل المقترح وأرى شخصياً أن هذه التعديلات تتوافق مع احتياجات مجتمعنا القطري، وتراعي متطلبات نهضته، كما تتجاوب مع تطلعات الوطن للمرحلة القادمة، وتستجيب لما دعا سمو الأمير، له من تعزيز اللحمة الوطنية وتحقيق مبدأ العدالة والمساواة بين جميع أفراد الشعب.

إن دعوة سمو الأمير للمواطنين بالاستفتاء على هذه التعديلات لهي قمة الشفافية والمشاركة الشعبية . كان يكفي أن تُقرّ هذه التعديلات بموافقة ثلثي أعضاء المجلس، إلا أن سموه ارتأى أن يمارس كل مواطن حقه في إبداء رأيه عبر الاقتراع السري المباشر.

أما وقد أصبح الأمر الآن بيد المواطن ليقول كلمته فإنني أحث أبناء وطني على المشاركة في هذا الاستحقاق الوطني الكبير وتلبية نداء الأمير في هذا الشأن.

لقد أكد معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية في لقائه المتلفز أن قطر مقبلة على مرحلة جديدة من التنمية في سبيل تحقيق رؤية قطر الوطنية ٢٠٣٠، وهذه المرحلة تتطلب منا جميعاً التكاتف والعمل الجاد الدؤوب للعبور نحو مستقبلٍ مشرقٍ لنا وللأجيال القادمة بإذن الله تعالى.

وكما أن قطر الرجال الأولين تركوا لنا وطناً نفخر به ويفخر بنا، فنحن مطالبون بأن نورّث هذا الوطن العزيز لأجيالنا القادمة وقد تحققت تنمية حقيقة للوطن والمواطن.

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية