رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الزمن سنة كونية فُرضت على البشرية، فلا يوجد شيء إلا وكان خاضعاً لها، إذ يقول تعالى: (مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى..). وبذلك فإن الأشياء جميعها تخضع لآجال مسمَّاة، ومن تلك الأشياء: العقود القانونية التي نظمها المشرّع، ومن أشهر العقود التي تقع على عاتق الزمن هي: (عقد الإيجار).
ويرتبط عقد الإيجار بمدة محددة، وذلك من خلال قياس الانتفاع الذي سيحصل عليه المؤجر خلال وحدة زمنية، ونتيجة لهذا الاقتران والارتباط بعنصر الزمن الذي يصعب معرفة نهايته، يستمر العقد لأجل غير مسمى، خاصة إذا عمد طرفا العقد على ألَّا يضعا حداً ينتهي به، وبالتالي فإن الطريقة الوحيدة لمنع التأبيد والديمومة هي تفرد كل طرف في التعبير عن إرادته للآخر بإنهاء العقد، وذلك في حالة عدم وضع المشرع للحلول.
لا تثور أي إشكالية عندما يتفق الأطراف على مدة معينة للعقد، بل إنها تثار عندما يتم غض الطَّرف من قِبل الطرفين عن تحديد هذه المدة أو أنهما قد اتفقا على مدة محددة ولكن بعبارة غير واضحة، أو أنه قد تعذر إثبات هذه المدة التي اتُّفق عليها، فكيف وضع المشرع الحلول لتفادي هذه النزاعات التي تنشأ بهذا الخصوص؟ وهل رسم المشرع حدود هذا العقد عن طريق وضع حد أدنى أو أقصى لمدة الإيجار؟
أكد المشرع على توقيت عقد الإيجار في أكثر من موضع، ومن تلك المواضع نص المادة 588 من القانون المدني القطري حيث نصت على أنه:
1 - «إذا عقد الإيجار دون تحديد مدة، أو عقد لمدة غير معينة، أو تعذر إثبات مدته، اعتبر الإيجار منعقداً للمدة المحددة لدفع الأجرة.
2 - ينتهي الإيجار بانقضاء هذه المدة إذا نبه أحد المتعاقدين على الآخر بالإخلاء قبل نصفها الأخير على ألا يزيد ميعاد التنبيه على ثلاثة أشهر».
لا يمكن أن نتطرق إلى الاستثناء قبل بيان الأصل، وقد أورد المشرع تعريف عقد الإيجار، وذلك بنص المادة 582 من القانون المدني التي نصت على أن: «الإيجار عقد يلتزم المؤجر بمقتضاه أن يمكِّن المستأجر من الانتفاع بشيء معين لمدة محدودة في مقابل عوض مالي».
فالأصل هو اتفاق المتعاقدين على مدة معينة لعقد الإيجار، كأن تكون سنةً أو شهرًا أو أسبوعًا أو يومًا أو ساعةً، وهذا ما يجري عمله دائمًا، ولا سلطان عليهم في هذا وذلك فيما لم يرد به نص، ونجد أن المشرع لم يعين حدًا أدنى لعقد الإيجار في القانون المدني، ولذلك فإنه يجوز للمدة أن تكون ساعةً، كتأجير الدراجات النارية، أو يومًا، كتأجير الشقق السكنية. إلا أن المشرع جاء في نصوص خاصة ونص على حد أدنى كما في المادة 640 من القانون أعلاه، حيث نصت على أنه: «إذا ذكر في العقد أن الإيجار قد عقد لسنة أو لعدة سنوات، كان المقصود من ذلك أنه عقد لدورة زراعية سنوية أو لعدة دورات»، ونستخلص من ذلك أن الحد الأدنى لإيجار الأراضي الزراعية هو الدورة الزراعية السنوية -متوسط الدورة الزراعية سنتان، والمراد من ذلك هو أن نعلم: هل الأرض صالحة للاستزراع أم لا؟
وبالنسبة للحد الأقصى، فنجد أن المشرع قد قام بتقييد التأبيد كقاعدة عامة بمدة معينة في المادة 589 من القانون أعلاه، حيث نصت على أنه: « لا يجوز أن تتجاوز مدة الإيجار خمساً وعشرين سنة. فإن كان عقد الإيجار لمدة أطول أو كان مؤبداً ردت مدته إلى هذا القدر، ما لم يكن الإيجار معقوداً لمدة حياة المؤجر أو المستأجر، فيستمر العقد لهذه المدة ولو زادت على خمس وعشرين سنة»، واستنادًا الى ما سبق، فإن عقد الإيجار ليس من العقود المؤبدة، ولذلك قد وُجد حد أقصى يتمثل في خمسٍ وعشرين سنة، فإذا زاد عن ذلك ارتد إلى المدة القصوى المسموح بها، وهي خمسٌ وعشرون سنة، فلو اتفق المستأجر على تأجير منزل المؤجر لمدة خمسٍ وثلاثين سنة، فإن المدة ترتد إلى الحد الأقصى، وتصبح مدة العقد خمسًا وعشرين سنة، أي أنه يبطل ما زاد عن ذلك، ويأخذ الحكم نفسه في حالة تم التأجير على سبيل الـتأبيد، كأن يؤجر المؤجر منزله وينص على أن المدة دائمة مؤبدة.
ولا يعد العقد مؤبداً إذا اتفق أطرافه على أن يعقد طوال حياة المؤجر أو المستأجر، وبناء على ذلك فإنه يجوز أن يزيد على خمسٍ وعشرين سنة؛ «لأن حياة الإنسان مهما طالت هي مؤقته بطبيعتها»، وكما لا يمنع أن يشترط الأطراف على أن يكون العقد مبرمًا طوال حياة أي منهم، فبوفاة أحدهم ينقضي العقد، والعكس كذلك، فيظل العقد سارياً طوال مدة حياتهم، أي أنه عند وفاتهم ينقضي العقد، وأيضاً فإنه يجوز أن يعلق عقد الإيجار على حياة شخص ثالث.
واستثناءً لما سبق، فقد يحدث جدلًا أن يتفق المتعاقدان على عقد من عقود الإيجار ولكن دون تحديد مدة له، أو أنه قد تم الاتفاق على مدة غير محددة، أو أن يعجز من عليه عبء الإثبات عن بيان مدة العقد، فتتحدد المدة بنص القانون، وعليه فإن العقد الذي لا تحدد به مدة ليس باطلاً، في حين أنه لو لم يتفق الأطراف على مدة محددة من الأساس، فالعقد يعد باطلاً لتخلف ركن المحل.
جاءت المادة 588 بثلاثة فروض:
1 - عندما يهمل أطراف العقد ذكرَ مدة العقد.
2 - عندما تكون المدة غير معينة، كأن يتفق الأطراف على أن مدة العقد هي المدة المناسبة، أو عند تجديد عقد الإيجار فيتم عقده لمدة غير محددة.
3 -عند تعذر إثبات المدة.
في جميع الأحوال السابقة، يعد عقد الإيجار منعقداً، ومدته هي المدة المحددة لدفع الأجرة، فرضاً لو اتفق الأطراف على إبرام عقد إيجار إلا أنهم أهملوا ذكر مدته، فالحاكم هو موعد دفع الأجرة، ولذلك عندما تدفع أجرة السيارة مشاهرة، يصبح هنا العقد مبرماً لمدة شهر، أو عندما يكون موعد دفع أجرة الشقة هو كل ستة أشهر، تصبح مدة العقد ستة أشهر، وقس على ذلك.
وإذا أراد أحد الأطراف إنهاء العقد في الفروض السابقة قبل انتهاء المدة فيمكن ذلك بشرط وهو: إخطار الطرف الآخر قبل نصف المدة الأخير على ألا يزيد ميعاد التنبيه على ثلاثة أشهر، ومثال على ذلك: عقد إيجار لم يُتفق على مدته، واتفق الأطراف على أن تدفع الأجرة كل ستة أشهر، فإن مدة العقد في هذا الفرض تكون ستة أشهر، فإنه وفي هذه الحالة يجوز لأحد الأطراف إنهاء العقد بإخطار الطرف الآخر قبل ثلاثة أشهر من تمام الشهر السادس.
الكورة في ملعبك
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام... اقرأ المزيد
1038
| 02 يونيو 2026
عندما يُكتب تاريخ الرياضة القطرية فإن بعض الأسماء لا تُذكر بوصفها شخصيات رياضية فحسب، بل باعتبارها جزءًا من... اقرأ المزيد
195
| 02 يونيو 2026
البيروقراطية وإصلاحات "فلوتون"
لم تصل الدول المتقدمة إلى مرونتها الإدارية الحالية من فراغ، ولم تولد أنظمتها الحديثة كاملة منذ البداية، بل... اقرأ المزيد
207
| 02 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
4953
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2709
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2169
| 02 يونيو 2026