رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قبل البدء فإني أنصح أصحاب القلوب الرقيقة، ومن لم يصل حتى الآن إلى سن الرشد أن لا يقرأ ما سيرد في هذا المقال. فإنه، وبحسب ما وصل إلينا من علم، قد وصل إلى الظفرة العمانية، مركز قبيلة بني ياس، في حوالي 1550، شخص يسمى فلاح مع عائلته المكونة من أخويه (زايد وسيف) وأبناؤه (خالد وسلطان وسعدون "أو سعيد" وصقر ومحمد ونهيان). واختار فلاح واحة ليوا (في الأصل لجوا وتم استبدال الجيم بالياء) مقاماً لسكنه، وامتزج مع بني ياس، بل وحتى تمت المصاهرة معهم. إنه من الصعب تحديد المنطقة التي ورد منها فلاح بسبب ما مرت به منطقة الخليج العربي من غزوات عديدة، وتحرك أكبر لسكانها، ولالتجاء عدد من الأسر لقبائل أكبر بقصد الحماية من الغزوات والسلب والنهب مما أدى لاختلاط الأنساب. ومما زاد الأمر سوءاً هو قيام مجموعة من بعض النسابة والمؤرخين في نسب بعض الأسر إلى قبائل ليسوا بتابعين لها. فمثلاً نسب بعض المؤرخين بأن حكام أبوظبي هم من آل بو فلاح من الدواسر، إلا أن الشامسي ألحق نسبهم إلى بني هلال، أما السيابي فقد نسبهم إلى هوازن، وآخرون نسبوهم إلى قبيلة شمر. ولكن الواضح والأكيد أن فلاح عندما قدم إلى الظفرة لم يكن ينتسب إلى أي قبيلة (وثيقة واحدة تبين أصلهم ولكني لن أستخدمها، في الوقت الحالي، قبل التأكد من مصدرها). استغل الوافدون الجدد حب الأعراب للأموال والهبات فقاموا يقربون إليهم العديد من سكان تلك المنطقة حتى أحبوهم والتفوا حولهم. كان حاكم ليوا في تلك الفترة محمد بن سالمين السويدي، ولكن صقر بن فلاح قام بقتله وانتزع الزعامة منه، وبهذا دانت له رئاسة قبيلة بني ياس. وفي 1645 حدث خلاف بين صقر وإمام عمان ناصر بن مرشد اليعربي للجوء عدوه والي "ينقل" إلى حمى صقر. فقام صقر بالاستيلاء على إبل والي "ينقل"، الذي هو في حماه، فطلب منه اليعربي تسليم الإبل، ولكن صقر رفض، ودارت معركة بينهما انتهت بمقتل صقر وأخيه محمد. انتقلت الزعامة إلى زايد بن محمد. وفي ظروف غامضة تم قتل زايد وشقيقه سيف، وهرب أحفادهما إلى الشارقة (رجعوا في فترة زعامة ذياب). آلت الزعامة بعد ذلك إلى نهيان الذي شعر بالنقص لعدم انتمائه لنسب معروف، وتفتق ذهنه عن فكرة جهنمية وهي خلط الأنساب حتى يضيع أصلهم بين القبائل، ولكنه لم يستطع تنفيذها. خلف نهيان في زعامة ليوا، في 1729، ابنه عيسى الذي لم ينجب سوى ابن واحد وهو ذياب (بعض المصادر تذكر أن عيسى استلم الزعامة في 1759). المهم سعى عيسى لتحقيق حلم والده، وبحسب تقرير الضابط الإنجليزي هينيل، الذي كتبه إلى حكومة الهند، فإن عيسى بن نهيان هو من قام بتأسيس الحلف العشائري المسمى "حلف بني ياس". ودخل في الحلف قبائل عديدة ما عدا قبيلة المناصير القحطانية الذين كانوا يعرفون أصول فلاح وعائلته عندما كان يرعى فلاح مواشيه في حماهم، وأيضاً قبيلة بني قتب (بعض المصادر تكتبها بني كتب) القحطانية. وفي 1759 قام بنو قتب بشن حرب على تحالف بني ياس الذين هربوا بقيادة ذياب بن عيسى إلى جزيرة صير بني يأس، ومنها تحركوا إلى جزيرة أبوظبي. وتشير وثائق حكومة بومباي إلى أن ذياب استقر في جزيرة أبوظبي في 1761 لاكتشاف المياه العذبة فيها. وبهذا تكونت أول إمارة بقيادة ذياب بن عيسى بن نهيان الذي يعتبر أول حاكم على أبوظبي. استطاع ذياب، بمساعدة سعيد بن راشد بن شرارة الحميدي، لم شمل قبائل حلف بني ياس وتوحيدها في قيادة واحدة. وبعد ذلك تخلص ذياب من ابن شرارة الذي اضطر إلى النزوح باتجاه الوصل (دبي حالياً). وفي 1783 قام ابن عم ذياب، المدعو هزاع بن زايد، بمعارضة ذياب، واستطاع هزاع أن يؤلب عليه حلف بني ياس. انتهز ذياب فرصة سفر هزاع إلى البحرين فطرد كل أنصار هزاع وأقرباءه من ساحل عمان. رجع هزاع مسرعاً لتأديب ذياب، وبه انقسم حلف بني ياس إلى قسمين أحدهما مع ذياب والآخر مع هزاع. وتمكن هزاع، في 1793، من قتل ذياب والاستيلاء على أبوظبي. هربت عائلة ذياب إلى ليوا وتولى الزعامة عليهم شخبوط بن ذياب. وبعد سنتين، في 1795، شن شخبوط هجوماً على هزاع واستطاع القبض على عدد من أنصاره وأعدمهم، في حين استطاع هزاع الهروب إلى منطقة جبل الظنة وانقطعت أخباره. وما أن استقرت الأوضاع لشخبوط في أبوظبي حتى أتت، في 1799، قوات عبدالعزيز بن محمد آل سعود، بقيادة إبراهيم بن عفيصان، غازية لأراضي البريمي. ووقع صدام بينهم، وتمكن ابن عفيصان من الانتصار عليهم، وذهب وفد منهم إلى الدرعية لطلب الصلح ووافق عليه آل سعود بشرط انضمام قبائل ساحل عمان إلى ابن عفيصان للهجوم على عمان. وفعلاً تم ذلك ولكن بعد مدة انقلب شخبوط على آل سعود. وفي سنة 1816 قام محمد بن شخبوط بتنحية والده من ممارسة الحكم، ولكن لم يستقر الوضع له طويلاً حيث أطاح به، في 1818، أخوه طحنون مما أدى إلى هروب محمد إلى قطر لاجئاً، وبه لم يتمكن طحنون من اللحاق به خوفاً من القبائل القطرية. استمر طحنون في الحكم حتى قتل في عام 1833 على يد أخويه خليفة وسلطان. استلم خليفة حكم أبوظبي وعرف عنه أنه ظل عازباً إلى أن كبر في السن وبعدها تزوج وأنجب زايد وذياب. توفي خليفة بسبب وباء الجدري في 1845، ولأن زايد كان طفلاً فقد استلم الحكم أخوه سعيد بن طحنون. حكم سعيد من 1845 إلى سنة 1855 وفي هذه الفترة استمال قبائل الظواهر والنعيم وغيرها إلى جانبه، ولكنه قام بالتنكيل بأرملة خليفة وولديها زايد وذياب مما أجبرها على الهروب مع ابنيها إلى أخيها عبدالله السويدي بالشارقة. ترك سعيد الحكم إجبارياً، وقبل المغادرة نصب أخاه صقر ليتولى مكانه، ولكن الأهالي قاموا بطرد صقر ونصبوا زايد بن خليفة (الذي كان صغيراً عند وفاة والده). غضب سعيد من ذلك وقام بمهاجمة أبوظبي ونجح في الاستيلاء عليها بمساعدة القواسم. قام زايد (الذي يعرف أيضاً بزايد الأول أو زايد الكبير) وواجه قوات سعيد وانتصر عليها، وبعد ذلك توجه إلى الشارقة وقتل حاكمها خالد القاسمي. عرضت الإمارة، بعد وفاة زايد، في 1909، على ابنه خليفة فرفضها وأخذها أخوه طحنون الذي انتشرت في زمنه تجارة اللؤلؤ مما زادت مداخيله من ضرائب اللؤلؤ الأمر الذي قاد أخاه حمدان لقتله حسداً في عام 1912. عرضت الإمارة للمرة الثانية على خليفة ورفضها وأخذها حمدان. استمر حمدان في الحكم حتى قتل على يد أخيه سلطان في عام 1920. استلم سلطان الحكم حتى عام 1926 عندها قتل بيد أخيه الأصغر صقر بن زايد ثأراً لأخيه حمدان. وفي 1928 ثار الأخ الأكبر خليفة، الذي كان يرفض الحكم، ضد صقر وأرسل إليه رجالاً فقتلوه، ومن ثم نصب ابن أخيه شخبوط بن سلطان حاكماً لأبوظبي. اكتشف النفط في عهد شخبوط وزاد الرخاء ولكن في 1966 قام أخوه الأصغر زايد حاكم العين (الذي أقسم أمام والدته بالولاء لأخيه الكبير شخبوط) بالانقلاب على شخبوط. وفي العام 2004 توفى زايد وانتقل الحكم إلى ابنه خليفة الذي يقال إنه توفي مسموماً في عام 2013 ولكن لم يعلن عن وفاته حتى الآن.
وفي الختام أقول إنني لم أجد أسرة في الخليج يكثر فيها الخبث والدسائس وإراقة الدماء بين أفرادها مثل أسرة فلاح الذي جاء واستقر في عمان سوى عائلة واحدة وهي آل سعود في دولتهم الثانية. لقد حاولت تخفيف الأحداث وتلطيف الكلمات ولكن بعض الحقائق من الصعب تغيير حقيقتها .. فأرجو المعذرة
والله من وراء القصد ،،
المتقاعدون ولائحتهم التنفيذية
البيت يتطلب صيانة مستعجلة، وهذا يتطلب مبلغاً نقدياً، والمعاش التقاعدي وللأسف لا يتبقى منه شيء، وحلاً لهذه المشكلة... اقرأ المزيد
16229
| 23 أغسطس 2020
المتقاعد وحقوقه المهدورة
تكلمنا في المقالات الثلاث الأخيرة عن حقوق المتقاعد، وذكرنا في المقالة الأولى "المتقاعدون" (انظر الشرق 7/6/2020)، وركزنا فيها... اقرأ المزيد
10174
| 26 يوليو 2020
المتقاعدون وبدل السكن
عندما تدخل أي مجلس من مجالس أهل قطر ستسمع شكاوي المتقاعدين عما يكابدونه من مشقات المعيشة، ويتصدر شكاويهم... اقرأ المزيد
18171
| 12 يوليو 2020
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
38142
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7089
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5364
| 13 سبتمبر 2026