رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منى الجهني

Munaaljehani1@gmail.com 

مساحة إعلانية

مقالات

318

منى الجهني

«ولكنني لست من هنا»

05 نوفمبر 2025 , 04:11ص

كم مرة جلست بين مجموعة، ومر بك ذاك الشعور بأن كل ما حولك غريب لا تنتمي له؟ كم مرة وجدت نفسك في عمل لا يشبهك لكنك كنت مضطراً للبقاء؟ كم مرة كانت تلك البيئة التي تعرفها لا تشبهك؟

تأتي تلك اللحظة التي يتوقف عندها وسط كل زحام التواصل والضجيج وينظر حوله.

ليدرك أن المكان الذي هو فيه في جوهره لم يعد يشبهه، وذلك يأتي ليس رفضًا للواقع، ولا نفيا له بل جرس إنذار للانتباه لهذه المرحلة التي هو فيها. 

من هنا يختار الكثير أن يسيروا في طرقٍ لم تكن يومًا طرقهم. كأن يعمل الطبيب في مهنةٍ راقية لكنه يشعر بخواءٍ داخلي، فيترك المشفى ليصبح رسامًا أو كاتبًا. وتغادر المعلمة صفّها لتؤسس مشروعًا صغيرًا يملأها شغفًا. هؤلاء لم يهجروا شهاداتهم كما يظن البعض، بل هاجروا نحو ذواتهم.

هنا لزاما علينا أن نعي أن المكان الحقيقي ليس بالجدران التي تحيط بنا، بل المسافات التي نشعر بها أننا نتنفس بصدق.

حتى في حياتنا اليومية، نصادف أشخاصاً تركوا مهنتهم الرئيسية ليجدوا ذواتهم في مهن مغايرة تماما عن الأولى. 

كلّنا نمرّ بأماكن كثيرة، بعضها عبور، وبعضها إقامة، بالتأكيد ليست كل الأماكن التي كنت فيها خطأ، فبعضها محطات عبورٍ أساسية لمرحلة قادمة جديدة. لم يهجروا شهاداتهم، بل هاجروا نحو ذواتهم.كثيرًا ما نخلط بين المكان الجغرافي والمكان الوجودي. نربط انتماءنا بالبقعة لا بالحالة، بالمهنة لا بالمعنى، بالعادات لا بالروح. غير أن الحقيقة أعمق. المكان الحقيقي هو حيث يكون الإنسان في حالة انسجامٍ مع ذاته، حيث يشعر أن وجوده يُثمر ويزهر.

قد يكون نداءً إلهيًا نحو التغيير. والله عز وجل يقول في سورة النساء (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) الآية تشير إلى أن الأرض واسعة لمن يبحث عن المعنى، وأن البقاء في المكان الخطأ – ما دام يؤذي الروح – فهو نوع من العجز.

فهجرة الأماكن مشروعة أن تهاجر من بيئة سلبية إلى بيئة بناء وحياة، من علاقة تُطفئك إلى علاقة تُلهمك.ليست هناك لافتةٌ لتخبرك: «اتجه إلى مخرج الطوارئ»، بل إشارات فاصلة، لكنها صادقة.

والذين أدركوا مبكرًا أنهم “ليسوا من هنا”، غادروا بجرأة قبل أن يقتلهم الروتين. تركوا المألوف ليكتشفوا المميز، فوجدوا أنفسهم في مسارات جديدة أكثر صدقًا وحياة. 

التحول منهج حياة، فاليوم لا يعد ترفا بقدر ما هو ضرورة. ليس عبئًا دائمًا، بل أحيانًا رسالة مفادها يقول: لقد آن الأوان لأن تكونوا أنتم، لا ما يريده العالم منكم أن تكونوا. «المكان» ليس دائمًا جغرافيا؛ بل بوصلة تعلن حالة انسجامٍ بين الروح والواقع. قد يكون مكانك في فكرةٍ، أو شهادة، أو حتى وظيفة أخرى.

هذه التحولات الصغيرة تذكّرنا أن المكان الصحيح ليس الأكثر استقرارًا، بل الأكثر صدقًا. والحضور فيه يشبهنا تماما.ويشير إلى أن المغادرة من مكان إلى مكان آخر تلقى به الترحيب وكل الحفاوة والتقدير، لا تعني خيانة الماضي، بل كل الوفاء للمستقبل.

بطبيعة الحال فالصوت الداخلي لا يخطئ فتلك البوصلة التي لم تفقد الاتجاه بعد، البوصلة التي تذكّرك أن هناك مكانًا آخر ينتظرك لتكون فيه على طبيعتك وعلى حقيقتك.ولكن إن لم نكن في الأماكن التي نحبها فنحن لاجئون على أية حال، والسعيد هو من يعرف متى يقول بثقةٍ وامتنان كما قال الشاعر محمود درويش «وأنا من هناك، ولي ذكريات، ولكنني لست من هنا»... كل هذا وبيني وبينكم. 

مساحة إعلانية