رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وقفنا سابقا عند اختراع الرصاصة وأنها غيرت شروط «العقد الاجتماعي» بين الشعب وحاكميه. فالأصل في العقد الاجتماعي أن الشعب يتنازل عن بعض حقوقه في تقرير مصيره لفئة منه مقابل أن تقوم تلك الفئة برعاية مصالحه على أكمل وجه. وبالمناسبة فالعقد الاجتماعي ليس تسمية اخترعها ما يسمى فلاسفة الغرب، بل هي معنى مستقر منذ فجر التاريخ، مهما حاولوا نسبته إلى أسماء مثل هوبز ولوك وروسو. وربما لم يعرف التاريخ فترة كان فيها ذلك العقد في أتمّ صوره وأعدل نماذجه من فترة حياة الرسول الكريم ﷺ ثم الخلفاء الراشدين. وقد حدثت انتهاكات كثيرة لذلك العقد في معظم فترات التاريخ، حتى في بلاد الإسلام، وقبله وبعده. لكن أخطر انتهاك لهذا العقد حدث باختراع الرصاصة وآلات القتل الجماعي.
فقديما كان اختراع البارود مهما ولا شك في حسم مصير الحروب والمواجهات بين القوى المتصارعة لكنه لم يكن مصيريا بتلك الدرجة لاستعباد الشعوب بالكلية، جماعات وأفرادا، حتى ظهرت آلات القتل الجماعي. فقد عرف العالم استخدام البارود في الحرب بشكل بدائي أواخر القرن التاسع للميلاد، وقيل إن الصينيين اخترعوه لكن باحثين موثوقين أكدوا أن المسلمين كان لهم ذلك الفضل. ومن ثم ظهرت المدافع التي تطلق ذلك البارود في القرون التالية. وفي أواسط القرن 15، ظهرت المدافع العملاقة التي برع فيها العثمانيون وكانت مفتاح السر في فتح القسطنطينية، وبالتوازي تم اختراع البندقية الشخصية البدائية التي تعمل بالحشوة في الأندلس، حوالي القرن الثالث عشر، والتي تطورت تدريجيا حتى وصلنا إلى الرصاصة التي غيرت كل معايير المواجهة العسكرية والشخصية ومعاني الشجاعة والجبن. لذلك قال الأمريكي صمويل كولت عندما نجح في اختراع المسدس عام 1835 «اليوم يتساوى الشجاع والجبان»، وهي عبارة تفتقر إلى شيء من الدقة فهنا لا يتساوى الشجاع بالجبان بل يصبح الجبان أشجع الشجعان وأقوى الأقوياء طالما كان المسدس في يده وليس في يد غيره.
لذلك، أحسب أن الشيء الذي غير، حقا، وجه التاريخ والبشرية وأفسد العقد الاجتماعي، بلا رجعة، ليس العجلة أو المطبعة كما تعلمنا قديما، وليس التلفزيون أو الكمبيوتر كما قيل حديثا، ولكن هذا الشيء هو الرصاصة، وما يلزم لإطلاقها، وكل ما تلى ذلك من أسلحة تقتل عن بعد ودون اشتباك مباشر مع الخصم. هذا هو الذي دشن حقا عصر «العبودية الجماعية» للبشر، إلا ما رحم ربي. فبعد الرصاصة والمسدس، وأخواتهما، بات بإمكان فرد واحد أو بضعة أفراد أن يسيطروا على جموع غفيرة من البشر بل ودول بأسرها ويسلبوهم حريتهم وقرارهم. بعد الرصاصة باتت المعادلة هي: العبودية أو الموت. وأصبح العقد الاجتماعي هو «الخضوع مقابل الحياة» وليس مقابل الخدمة المستحقة، إلا إذا امتلكت أسلحة مماثلة وبقدرات متناسبة (الردع). ولذلك كان من أهم بنود صلح ويستفاليا 1648، الذي أسس النظام العالمي الحالي، احتكار الحاكم للعنف (استخدام السلاح) داخل حدوده، أي حرمان الشعب من هذه القدرات.
وهذا ما جعل رأس المال مضافا إليه قوة القتل الفتاكة «الرصاصة» يتحكم في البشر بلا رجعة. فأنت إن لم تقبل الأجر البخس الذي يحدده صاحب رأس المال فليس لك إلا الرصاصة. وإذا عارضت أهواءه وشذوذه وشذوذ أفكاره فليس لك إلا الرصاصة. ربما يرخون لك الحبل قليلا لإرهاقك واستنفاد طاقاتك من خلال مفاوضات شكلية مع عمال مضربين مثلا للمطالبة بزيادة الأجر (تحسين شروط العبودية) أو مع طلاب مطالبين بالعدالة للمظلومين (في غزة)، للتظاهر بأن ما تسمى «الديمقراطية» تعمل، لكنهم في النهاية لا يعطونك إلا الفتات وإن لم تقبل فالرصاصة جاهزة تنتظر ضغطة على الزناد.
ولطالما اختلف المفكرون بشأن معنى الحرية. ومن ذلك قول مونتيسكيو (أحد أنبياء العولمة) وصاحب كتاب (روح القوانين المقدس لدى أعداء الإنسانية): «ليست هناك كلمة كالحرية تعددت واختلفت معانيها». وأحسب أن خلافا لا يقل ضراوة كان وسيظل بشأن معنى العبودية. وقد يقول قائل إن الخضوع لأصحاب المال والقوة كان السمة الغالبة على المجتمعات البشرية منذ فجر التاريخ، وسيكون معه الحق. فقد استخف فرعون قومه فأطاعوه، ومثله نيرون. ثم تفنن الرومان في إلقاء الأبرياء للوحوش في ساحات الكولوسيوم (المدرجات الرومانية) لتفترسهم. واستمرت ثنائية «الظلم والخضوع» في عصور تالية من أبرزها وأعجبها قصة خضوع شعب كامل لحاكم نحو ستين سنة تخللتها شدة أكل الناس خلالها بعضهم بعضا أحياء من شدة الجوع ورغم ذلك بقي ذلك الحاكم 20 سنة كاملة بعدها يحكم ذلك الشعب، مع أنه بسياساته الفاسدة كان السبب وراءها. لكن الرصاصة هي التي رسخت وبلورت مبدأ استئثار من يملكها بالقوة والسلطة بغض النظر عن مسميات نظم الحكم الشكلية من ديمقراطية أو عسكرية أوغير ذلك. وهي التي مكنت أحفاد ابن سبأ من استعباد زنوج أفريقيا واقتيادهم إلى الأراضي الجديدة في أمريكا الشمالية. وجعلت مقاومة «العبودية» أمرا بعيد المنال إلا إذا كانت تلك مقاومة «صنعت في غزة».
أما الذي رسخ حالة الاستعباد التي يعيشها البشر حاليا وجعلهم يستسلمون لجبروت الرصاص وبهتان عبودية الأجور، وكأنهم تحت تنويم مغناطيسي، هو الإعلام بكل مشتقاته من صحافة وتلفزيون وسينما.. إلخ، لتنطبق على جموع البشر وليس على شعب بعينه آية «وسحروا أعين الناس واسترهبوهم». سحر الإعلام، وإرهاب الرصاصة. لذلك كان قول كلمة حق عند سلطان جائر جواز دخولك في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله، وكان الجهاد ذروة سنام الأعمال في الإسلام، وكانت رسالة الأديان والإسلام خاصة إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
هل يجاملنا الذكاء الاصطناعي أكثر مما ينبغي؟
تموضع الذكاء الاصطناعي في قلب العملية المعرفية الإنسانية، متجاوزًا وظيفته التقليدية كأداة للإجابة عن الأسئلة أو تسريع إنتاج... اقرأ المزيد
51
| 14 مايو 2026
كيف تُدار الحياة بين القوة والحيلة؟
في تاريخ الفكر السياسي، لم يكن الحديث عن السلطة يومًا حديثًا عن الحكم وحده، بل عن الإنسان نفسه؛... اقرأ المزيد
54
| 14 مايو 2026
حرب الشرق الأوسط بين الانفراج والانفجار!
لاحظنا أن عبارة "حرب عبثية" أصبحت متداولة في معاجم الدبلوماسية والإعلام بكل أصنافه: الورقي والإلكتروني، كما لا حظنا... اقرأ المزيد
63
| 14 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
2667
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
1206
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1134
| 13 مايو 2026