رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في عصر العولمة وما يشهده العالم من تزايد مستمر في التفاعل والتواصل بين الشعوب، أصبح الاحتكاك اليومي بأفراد ينتمون إلى خلفيات ثقافية متنوعة واقعًا لا يمكن تجاهله. فقد أسهمت عوامل عديدة، مثل السفر، والتعليم الدولي، والهجرة، وسوق العمل العالمي، والتطورات التكنولوجية المتسارعة، في جعل العالم أكثر ترابطًا وتقاربًا من أي وقت مضى. وفي ظل هذا الواقع الجديد، لم يعد تعلم اللغات الأجنبية يقتصر على اكتساب المفردات والقواعد اللغوية فحسب، بل أصبح يتطلب فهمًا أعمق للثقافات المرتبطة بهذه اللغات والقدرة على التفاعل معها بفعالية واحترام. ومن هذا المنطلق، برز مفهوم «كفاءة التفاعل بين الثقافات» بوصفه أحد المفاهيم الأساسية في مجالات تعليم اللغات والتواصل الإنساني، نظرًا لدوره المحوري في تعزيز التفاهم المتبادل وبناء جسور التواصل بين الأفراد المنتمين إلى ثقافات مختلفة.
تشير كفاءة التفاعل بين الثقافات إلى قدرة الفرد على التفاعل والتواصل بفعالية مع أشخاص ينتمون إلى ثقافات مختلفة، مع احترام خصوصياتهم وفهم القيم والتصورات التي تؤثر في سلوكهم وتواصلهم. وهي لا تعني مجرد معرفة معلومات عن ثقافة معينة أو الاطلاع على عاداتها وتقاليدها، بل تتجاوز ذلك إلى القدرة على تفسير المواقف والسلوكيات من منظور ثقافي مختلف، والتعامل معها بمرونة وانفتاح بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو الصور النمطية.
وتَكتسب هذه الكفاءة أهمية متزايدة، لأن كثيرًا من حالات سوء الفهم بين الأشخاص لا تنتج عن ضعف في المعرفة اللغوية، بل عن اختلاف في الخلفيات الثقافية. فقد يفهم شخص عبارة معينة على أنها مجاملة، بينما يراها شخص آخر تدخلاً في الخصوصية. كما تختلف أساليب التحية، والتعبير عن الاحترام، وإدارة الحوار، وإبداء الرأي من ثقافة إلى أخرى. فعلى سبيل المثال، يُعد الإلحاح على الضيف لتناول القهوة العربية أو الطعام في المجتمع القطري علامة على الكرم وحسن الضيافة، ويعكس رغبة المضيف في الترحيب بضيفه وإكرامه. في المقابل، قد يفسر شخص قادم من ثقافة أخرى هذا الإلحاح على أنه ضغط غير مبرر أو عدم احترام لرغبته الشخصية. وهنا يتضح أن فهم المعنى الثقافي للسلوك لا يقل أهمية عن فهم الكلمات المستخدمة في التواصل.
ومن هذا المنطلق، أصبح الخبراء في مجال تعليم اللغات يؤكدون أن النجاح في التواصل لا يعتمد فقط على إتقان اللغة، بل يتطلب أيضًا فهم الثقافة المرتبطة بها. فالمتعلم يحتاج إلى معرفة كيفية استخدام اللغة في مواقف الحياة المختلفة، ومتى يستخدم تعبيرًا معينًا، وكيف يتصرف في سياقات اجتماعية متنوعة. ولذلك لم تعد المناهج الحديثة تركز على القواعد والمفردات فقط، بل تسعى إلى تنمية الوعي الثقافي لدى المتعلمين وتعريفهم بطرق التفكير والقيم وأنماط التفاعل السائدة في المجتمعات التي يتعلمون لغاتها.
وفي هذا السياق، غالبًا ما تتضمن برامج تعليم اللغات والثقافات التعريف بعناصر تراثية وحضارية متنوعة، مثل المعالم التاريخية، والمأكولات التقليدية، والأزياء الشعبية، والاحتفالات الوطنية. ففي منطقة الخليج العربي، على سبيل المثال، قد يتعرف المتعلم على سوق واقف في قطر، وواحة الأحساء في المملكة العربية السعودية، أو على عناصر من التراث الثقافي مثل القهوة العربية، والمجالس التقليدية، والصقارة، وسباقات الهجن، وفنون العرضة والرزفة. ولا شك أن هذه المعارف تساعد على التعرف إلى جوانب مهمة من الثقافة الخليجية وتاريخها. غير أن هذه العناصر تمثل في الغالب ما يُعرف بالثقافة الظاهرة أو المرئية، أي الجوانب التي يمكن ملاحظتها بسهولة مثل الطعام والملبس والاحتفالات والمواقع التراثية. وقد انتقد عدد من الباحثين في تعليم اللغات الاكتفاء بهذا النوع من المحتوى الثقافي، فيما عُرف بمقاربة «الحقائق والفلكلور والطعام والمهرجانات (Facts, Folklore, Food and Festivals)، أو ما يسمى اختصارًا بـ (4Fs)، لأنها قد تقدم صورة سطحية أو مبسطة عن الثقافات المختلفة. لذلك تؤكد الأبحاث الحديثة في مجال التعليم بين الثقافات أن التعرف على المظاهر الثقافية الخارجية لا يمثل سوى الخطوة الأولى في فهم الثقافة، إذ إن الهدف الأعمق يتمثل في استيعاب القيم والمعاني والتصورات التي تشكل رؤية الأفراد للعالم وتؤثر في سلوكهم وأنماط تفاعلهم مع الآخرين. فالفهم الحقيقي للثقافة الخليجية، على سبيل المثال، لا يقتصر على معرفة القهوة العربية أو المجالس التقليدية، بل يشمل إدراك المعاني المرتبطة بالكرم، واحترام الكبير، ومكانة الضيف، وتوقير كبار القدر، وقوة الروابط الأسرية والتضامن المجتمعي. ومن هنا تنبع أهمية الانتقال من المعرفة الثقافية الوصفية إلى كفاءة التفاعل بين الثقافات التي تمكن الفرد من فهم الآخر والتفاعل معه بوعي واحترام.
وتتجلى أهمية كفاءة التفاعل بين الثقافات أيضًا في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها. فتعلم العربية لا يقتصر على اكتساب المفردات والتراكيب اللغوية، بل يشمل فهم القيم والعادات وأنماط التفاعل الاجتماعي المرتبطة بالمجتمعات العربية. فعندما يتعلم الطالب عبارات الترحيب أو أساليب التخاطب أو مفردات الضيافة، فإنه يتعرف في الوقت نفسه على قيم الاحترام والتقدير والكرم التي تشكل جزءًا من الثقافة العربية. وعلى سبيل المثال، قد يتعلم الدارس أن عبارات مثل «تفضل» أو «حياك الله» لا تؤدي وظيفة لغوية فحسب، بل تعكس أيضًا ثقافة الترحيب وحسن الاستقبال المتجذرة في المجتمعات العربية والخليجية. ومن هنا فإن إدماج كفاءة التفاعل بين الثقافات في تعليم اللغة يساعد المتعلمين على فهم المعاني الثقافية الكامنة وراء اللغة، ويجنبهم سوء الفهم، ويمكنهم من التواصل بصورة أكثر فاعلية واحترامًا مع الناطقين بالعربية، مما يجعل تعلم اللغة تجربة إنسانية وثقافية متكاملة تتجاوز حدود القواعد والمفردات.
وتسهم كفاءة التفاعل بين الثقافات كذلك في تعزيز قيم التسامح والانفتاح والتعايش المشترك. فعندما يتعلم الإنسان فهم الآخر واحترام اختلافه، يصبح أكثر قدرة على بناء علاقات إيجابية قائمة على الحوار والتفاهم. كما تساعد هذه الكفاءة على الحد من الصور النمطية والأفكار المسبقة التي قد تؤدي إلى سوء الفهم أو التوتر بين الأفراد والجماعات.
وتبرز أهمية هذا المفهوم بشكل خاص في المجتمعات متعددة الثقافات، حيث يلتقي أشخاص من جنسيات وخلفيات متنوعة في بيئة واحدة. وتعد دولة قطر نموذجًا متميزًا في هذا المجال، إذ تحتضن مجتمعًا يضم عشرات الجنسيات والثقافات التي تعيش وتعمل معًا في مختلف القطاعات. وقد جعل هذا التنوع من القدرة على التواصل بين الثقافات مهارة أساسية للحياة اليومية، سواء في المؤسسات التعليمية أو بيئات العمل أو الأنشطة الاجتماعية.
كما أن رؤية دولة قطر القائمة على الحوار والتعاون الدولي والانفتاح على مختلف الحضارات تعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية بناء جسور التفاهم بين الشعوب. وتعمل المؤسسات التعليمية والثقافية في الدولة على تعزيز قيم الاحترام المتبادل والتعايش والتواصل الحضاري، بما يسهم في إعداد أجيال قادرة على التفاعل الإيجابي مع العالم مع الحفاظ على هويتها الثقافية والوطنية.
وفي الختام، يمكن القول إن كفاءة التفاعل بين الثقافات لم تعد مهارة إضافية أو ترفًا فكريًا، بل أصبحت ضرورة أساسية في عالم يتسم بالتنوع والتواصل المستمر. فكلما ازدادت قدرة الإنسان على فهم الثقافات الأخرى والتفاعل معها بوعي واحترام، ازدادت فرصه في بناء علاقات ناجحة والمساهمة في نشر قيم الحوار والتفاهم والتعاون بين الشعوب. ومن هنا تبرز أهمية ترسيخ هذا المفهوم في التعليم والإعلام والمؤسسات الثقافية، باعتباره أحد المفاتيح الرئيسية لبناء مجتمعات أكثر انسجامًا وانفتاحًا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في ديسمبر 2025، أصدرت إدارة ترامب وثيقة الأمن الوطني الجديدة، والتي حوّلت بوصلة الأولوية الاستراتيجية صوب نصف الكرة الغربي في إطار إحياء مبدأ مونرو. وُصفت الاستراتيجية بأنها أكبر تحوّل في السياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأثارت جدالاً واسعاً بشأن مستقبل الهيمنة الأمريكية العالمية في سياق ذلك التحوّل. مبدأ مونرو في السابق كان مرادفاً للعزلة الدولية، ولم تنص الاستراتيجية على النكوص للعزلة صراحةً، لكنها كانت واضحة بشأن رفض فكرة الهيمنة الكونية الأمريكية ولعب دور شرطي العالم، كما أكدت بشكل قاطع على تقليص الاهتمام أو الانغماس الأمريكي في المحاور الست الاستراتيجية في العالم، بما في ذلك آسيا، لقاء التركيز التام على بسط الهيمنة الأمريكية التامة على نصف الكرة الغربي. والأدهى من ذلك أنها رفضت وصف الصين بقوة المراجعة المتحدية للهيمنة الأمريكية، إذ اكتفت بوصفها منافساً اقتصادياً قوياً فقط. ومعنى كل ذلك هو تخلٍّ أمريكي عن الهيمنة العالمية أو الهيمنة الليبرالية التدخلية، وبالتبعية تخلٍّ عن حرب الهيمنة الباردة على الهيمنة العالمية مع الصين، ولعل زيارة ترامب الأخيرة للصين، والتي تراجع فيها عن كثير من محاور الحرب التجارية ضد الصين، وأوحى بتصريحاته بتخلٍّ أمريكي صريح عن تايوان؛ تؤشّر على ذلك. المهيمن لن يتنازل أبداً: مونرو إعادة تموضع إقليمي ذكية للحفاظ على الهيمنة لم يعرف تاريخ العلاقات الدولية أن القوى المهيمنة عالمياً قد تنازلت عن وضعها المهيمن إلا في حالات استثنائية نادرة؛ إذ تظل تنازع للحفاظ على هيمنتها ضد القوى المتحدية حتى وهي في أضعف حالاتها، ويصل الأمر في أغلب الأحيان إلى حرب عالمية لحسم مصير الهيمنة، وهذا ما يعرف في العلاقات الدولية بـ"فخ ثوسيديدس". وذلك المنطلق أو الافتراض العام الأصيل في روح السياسة الدولية الذي لا يتغير قط يشكل مرجعاً أساسياً للشك في الاستراتيجية رغم إطارها العام الموحي بالعزلة والتنازل عن الهيمنة الدولية. والمرجع الثاني هو القراءة الصحيحة المتأنية للاستراتيجية؛ إذ رغم إعلانها عن تقليص النفوذ الأمريكي في العالم، فإنها تعلن الهيمنة الأمريكية التامة الساحقة في نصف الكرة الغربي، وتؤكد حصرية تلك الهيمنة عبر عدم السماح قط بأي قوى أخرى لمنافسة الهيمنة الأمريكية هناك، وذلك بلا أدنى مجال للشك سلوك ولغة قوى إمبراطورية. علاوة على ذلك، لم تنص الاستراتيجية على انسحاب تام من تلك المناطق الاستراتيجية لا سيما أوروبا والباسيفيك، بل فقط تقليص التركيز مع إعادة ترتيب ذكي للحضور العسكري، ومشاركة الحلفاء بقوة في الحماية والعبء العسكري والاقتصادي، إذ في هذا الصدد أكدت الاستراتيجية على دور الناتو المحوري لكنها شددت في الوقت ذاته على ضرورة مشاركة أقوى للحلفاء، يضاف إلى ذلك تأكيد الاستراتيجية على مصالح وحضور واشنطن الاقتصادي في العالم، وخيار القوة لحماية تلك المصالح. أما المرجع الثالث الحاسم، وهو ما يقرؤه أدهياء التفكير الأمريكي من خلال الوثيقة ومن خارجها، يكمن في إعادة التموضع الإقليمي الذكي للحفاظ على الهيمنة الأمريكية. ثمة عدة وسائل للهيمنة العالمية والمحافظة عليها، واحدة من أشهرها وأهمها في الوقت عينه، "الهيمنة الإقليمية" للواقعية الهجومية لميرشايمر، والتي ترتأي أن الهيمنة العالمية تتأتى عبر إحكام الهيمنة الإقليمية التامة مع منع القوى المتحدة من هيمنة إقليمية موازية. في ذات السياق، يرى ميرشايمر أن فكرة الهيمنة العالمية الكونية بالمعنى الإمبراطوري -أي تمديد الحضور في كل أركان العالم- فمن الصعب حدوثها، وإن حدثت لن تدوم، بل ستؤدي إلى انهيار تلك الهيمنة. ولعل ذلك ما توصلت إليه الولايات المتحدة بأن مسألة الهيمنة العالمية الليبرالية قد وضعت الهيمنة الأمريكية على المحك، بل أسهمت في صعود الصين. ومن ثم، كان الحل هو التموضع في نصف الكرة الغربي، لأن ذلك يحافظ على ما تبقى من قوة للولايات المتحدة، أي عدم تبديد القوة عالمياً، ومن ناحية أخرى، يعزز القوة الأمريكية عبر الهيمنة والاستغلال التام لثروات نصف الكرة الغربي الممتد إلى جرينلاند، مع إعادة تموضع للقوة العسكرية هناك للحفاظ على القوة الأمريكية. وفي سياق ذلك، يتبقى الشق الأهم، وهو منع الهيمنة الإقليمية للصين في محيطها الآسيوي لكن عبر الأدوات غير المباشرة كما نصت الوثيقة، والتي تتمحور حول مشاركة الحلفاء لتعديل توازن القوى في آسيا، لا سيما اليابان والهند، والحفاظ على التفوق الاقتصادي لواشنطن هناك، وتقوية الدول الآسيوية المناهضة للصين عسكرياً، مع الحفاظ على توازن عسكري أمريكي ذكي دون الإيحاء بتحدي الصين عسكرياً أو دفعها لحرب عسكرية.
1554
| 04 يونيو 2026
.اسمه ارتبط بالتحول التاريخي الإيجابي القطري في مجال صناعات الطاقة لم يكن باحثاً عن مجد شخصي.. ولا منصب قيادي.. ولا مغنم مادي كان عميقاً في التاريخ.. عريقاً في السياسة.. رائداً في الرياضة اشتهر بموقفه القومي القوي.. وشعوره العروبي الأخوي كان نموذجاً في العطاء القطري عرف بالنزاهة الإدارية والاستقامة الوظيفية كان لبنانياً أكثر من اللبنانيين في مواجهة أزمات وانكسارات هذا البلد العربي بمشاعر عميقة، وأحاسيس دقيقة، تعتلج في النفس، وتذوب في الروح، ينبلج في حراكها الإحساس، وتزداد من خلالها الأنفاس، أقف اليوم على منصة «الشرق»، لرثاء رمز قطري، طيب السيرة، نقي السريرة، اشتهر بالنزاهة الإدارية، والاستقامة الوظيفية، وعدم استغلال المنصب، لتحقيق مآرب شخصية أو مصالح فردية. وكنت أعتقد، قبل شروعي في كتابة هذه «المرثية» أنني أمتلك موهبة الكتابة الاحترافية، بعد أكثر من (40) عاماً، قضيتها في أروقة الصحافة الورقية اليومية. لكن لأول مرة، أجد قلمي حافاً، ومداده جافاً، لا يطاوعني في السير الانسيابي على الورق! وأجده يفاجئني، خلال كتابة هذه «المرثاة»، وكأنه مركبة فقدت وقودها، أو حافلة، «تترنح» على حافة طريق عام، وتعاني من غياب قائدها! وأقولها بصراحة، من الصعب على أي كاتب، مهما أوتي من قدرة، على القيادة الصحفية، أو المهارة الأدبية، أو القوة البلاغية، أو الخبرة الإعلامية، أن يرثي الراحل الكبير، عبدالله بن حمد العطية، صاحب الضمير الوطني، الذي كان نموذجاً، في العطاء القطري. ولا أبالغ، عندما أقول، إن هذا الفقيد الكبير، الذي فقدناه، قبل أيام، ورحل عن عالمنا، كان نظيف اليد، وطاهر القلب، وعف اللسان، اشتهر بالانضباط الإداري، والالتزام التام بقواعد العمل، والاستقامة في المواقف، والاعتدال في الأقوال، والاتزان في الأفعال. ولا يختلف اثنان، داخل قطر وخارجها، أن سيرة هذا الراحل المضيئة، ومسيرته المشرقة، تضعه في المرتبة الأسمى، بين رواد النهضة القطرية، بعدما ساهم بكفاءة وعمل بإصرار، وشارك باقتدار، بجهده وعمله، في دفع عجلة التنمية في البلاد، خصوصاً في قطاع الطاقة. وقبل الاستغراق، في الكتابة، عن المرحوم «بوحمد»، أجد من واجبي الأخلاقي، وضميري الإنساني والمهني، والوطني، أن أعتذر أمام الرأي العام، عن كل كلمة كتبتها، وخرجت عن مسارها، وتجاوزت في مضمونها، ضوابط حرية الصحافة، وانتهكت بمحتواها ـ دون قصد ـ أخلاقيات المهنة. ويشهد الله، وأشهدكم جميعاً، أنني أفخر ـ ولا أنكر ـ بمواقفه النبيلة معي، على الصعيدين الشخصي والعائلي، حيث كان موجهاً ومعلماً ومسانداً وداعماً لي، في جميع فترات حياتي. وخصوصاً، عندما كنت رئيساً لتحرير «الراية» الرائدة، وكان بمثابة الأخ الكبير، والمعلم الأكبر والداعم الأكثر. وفي سياق مواقفه النبيلة معي، لا أنسى موقفاً إنسانياً، يعكس تواضعه، وتسامحه، ونبل أخلاقه، عندما بادر، وهو يشغل منصبه الرسمي، بزيارة والدتي المريضة، في المستشفى، قبل رحيلها عن عالمنا. ولا أكشف سراً، أنني عرفت الراحل الكبير عن قرب، منذ أن كنت طفلاً، ولعبت مع أشقائه في منزلهم، وكبرت معهم، وقضيت معظم طفولتي، ألعب مع أقاربه، الذين كانوا أقراني في «الخريطيات»، هناك حيث تم تشييع الفقيد الكبير إلى مثواه الأخير. وهكذا، عندما أرثي هذا الفقيد الراحل، لا أرثي رجلاً عادياً، أو شخصاً عابراً، وإنما هو أحد الرواد، الذين أنجبتهم قطر، ووهبتهم شمائل الإدارة الناجحة. وما من شك، في أن ما تركه هذا الرجل الفذ بين دفتي كتاب سيرته ومسيرته، يضعه حتماً في المرتبة الأعلى، التي لا يجاوره فيها، ولا يجاريه، إلا نفر قليل، من رواد النهضة القطرية، كل في مجاله. لقد كان الوجيه الراحل عبدالله بن حمد العطية شخصاً موثوقاً في محيطه الوطني، وفي وسطه العملي، وإطاره الوظيفي، وهيكله المجتمعي. وعندما أكتب عنه، فهذا يعني الكتابة، عن جزء لامع ساطع، من تاريخ قطر المعاصر، في مجال العمل التنفيذي. ويعني أيضاً، التوقف عند مرحلة مهمة، في مسيرة العمل الوطني، بحكم أن الراحل، شغل عدة مناصب مرموقة، أبرزها تولي منصب نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الطاقة، تحت القيادة الحكيمة، والإدارة الرشيدة، والإرادة القوية، والعزيمة الصلبة، لصاحب السمو الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أطال الله في عمره، ومتعه بالصحة والعافية. ولا تنبع مكانة العطية، من المواقف التي تقلدها، والمناصب الرفيعة التي تبوأها، بل اكتسب أهميته المجتمعية، باعتباره، بحق لا مبالغة فيه، أحد رموز النزاهة الوطنية، والشفافية الإدارية. إلى جانب أنه، أحد رواد النهضة القطرية، في مجال الطاقة وصناعة الغاز الطبيعي، وخصوصاً بعد ارتباط اسمه، بالتحول التاريخي الذي جعل قطر، أيقونة تصدير الغاز المسال في العالم. وهذا الإنجاز الحضاري، جعله من أهم الشخصيات العالمية، في هذا المجال الحيوي من خلال رئاسته، لمنتدى الدول المصدرة للغاز. وإذا أردت التعرف بحق، على إنجازات العطية، عليك التوجه بنظرك إلى شعلة الغاز المتوهجة، في رأس لفان، التي تقوم بحرق الغاز الفائض، في الغلاف الجوي، لمنع تراكم الضغط العالي. وهي الشعلة، التي ساهمت في وضع قطر، في صدارة الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال، وجعلتها تتبوأ مكانها اللائق بين الأمم، من ناحية ارتفاع معدلات التنمية في البلاد. ولعل ما يميز العطية، أنه لم يكن يوماً باحثاً عن مجد شخصي، ولا منصب قيادي، ولا مغنم مادي، بل كانت المناصب تأتيه تباعاً، تقديراً لكفاءته ونزاهته، وطهارة يده. ومثلما كان خبيراً في شؤون النفط، وحقول الغاز، كان ضليعاً في حقول العلم والمعرفة، وكان عميقاً في التاريخ، عريقاً في السياسة، خبيراً في الرياضة، عظيماً في مجال الطاقة، ورمزاً من رموز النزاهة، وعلما من أعلام الشفافية، ورائدا من رواد المصداقية. أما أكثر وأشهر مميزات المرحوم عبدالله بن حمد العطية، توهجاً، فهي تتمثل في موقفه القومي القوي، وشعوره العروبي الأخوي، تجاه الأشقاء في الوطن العربي، وعلى وجه الخصوص في «بلد الأرز»، وحبه المخلص، والداعم والدائم لهذا البلد، وأهله. ومعرفته الوثيقة والعميقة، بكل تفاصيل التفاصيل، عن لبنان، أرضاً وشعباً وأرزاً ورمزاً. وأستطيع القول، إنه في كثير من الأحيان، كان لبنانياً، أكثر من الساسة اللبنانيين أنفسهم، في مواجهة الأزمات وحلحلة التحديات ولملمة الانكسارات، التي تعرض لها هذا البلد العربي. وكان دوماً، مدافعاً عن وحدة وحرية واستقلال واستقرار لبنان. هكذا عاش «بوحمد»، وغادر عالمنا، مصلحاً، صالحاً، نقياً، طاهراً، طيباً، شريفاً، محباً للخير. ولأنه لا مفر من الموت، الذي لا يستثني كبيرا أو صغيرا، ولا يفرق بين غني وفقير. أتوجه إلى الخالق عز وجل، طالباً الرحمة، لفقيدنا الكبير. اللهم ارحم عبدالله بن حمد العطية، واجعل قبره مناراً مستضاء، لا يشكو فيه ظلمة ولا ضيق. وإلى جنات الخلد، أيها الرجل البار، الواصل بأعمالك الخيّرة، المتواصل بأفعالك النيّرة، والباقي معنا بروحك الجميلة، ومواقفك النبيلة، التي لا تنسى.
1437
| 04 يونيو 2026
• انقضى موسم الحج لهذا العام، ونجحت المملكة العربية السعودية في إدارة واحد من أكبر التجمعات البشرية في العالم بكفاءة واقتدار، بعد أن سخَّرَت إمكاناتها البشرية والمادية والتقنية لخدمة ضيوف الرحمن. وقد تكاملت الجهود الأمنية والصحية والتنظيمية والخدمية لتوفير بيئة آمنة وميسرة للحجاج، بما مكَّنهم من أداء مناسكهم في أجواء من الطمأنينة والسكينة. • وشهد موسم الحج هذا العام نجاحًا لافتًا في إدارة الحشود، حيث أسهم الالتزام بنظام التصاريح في تنظيم أعداد الحجاج والعاملين والسائقين داخل نطاق المشاعر المقدسة، الأمر الذي انعكس على انسيابية الحركة والتنقل وسهولة الوصول إلى المواقع المختلفة. وقد بلغ عدد الحجاج هذا العام 1,717,301 حاج وحاجة، وهو ما أتاح مستوى أعلى من التنظيم والمرونة في تقديم الخدمات وإدارة الحشود مقارنة بمواسم سابقة. • نجحت المملكة العربية السعودية في تطبيق المعايير الإدارية والتنظيمية والشرعية خلال أداء المناسك، فالحج ليس رحلة ترفيهية أو برنامجًا اجتماعيًا عائليًا، وإنما عبادة عظيمة وركن من أركان الإسلام يحتاج إلى إدارة مهنية وخبرة ميدانية وقدرة على توجيه الحجاج ومتابعتهم في مختلف المشاعر. ومن المهم أن استجابة الحملات لمتطلبات واضحة تتعلق بالكفاءة الإدارية، وخطط الأمن والسلامة، والتأهيل الشرعي للمشرفين، وآليات متابعة الحجاج وتوعيتهم بالمناسك وأوقاتها وأحكامها. كما أن زيادة عدد الحملات لا ينبغي أن تكون هدفًا بحد ذاته ما لم تقترن بمعايير جودة ورقابة فاعلة تضمن قدرتها على أداء رسالتها. فنجاح الحملة لا يقاس بمستوى الرفاهية أو الخدمات الإضافية التي تقدمها فحسب، بل بمدى قدرتها على تمكين الحاج من أداء نسكه على الوجه الصحيح وفق السنة النبوية، وتحقيق الطمأنينة والتنظيم والسلامة طوال رحلة الحج. • كما أن نجاح حملات الحج لا يقاس فقط بجودة السكن أو وسائل النقل أو الوجبات المقدمة، بل يقاس أيضًا بمدى اهتمامها بالجانب الشرعي والتوعوي للحجاج. فالحج عبادة عظيمة تقوم على الاتباع والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هنا تبرز أهمية التذكير المستمر بسنة النبي في أداء المناسك، وشرح الأحكام الشرعية للحجاج بأسلوب مبسط وواضح، والحرص على توحيد التوجيهات الشرعية قدر الإمكان. • ومع التوسع في بعض الآراء الفقهية المعاصرة التي تستند إلى التيسير ورفع الحرج، يبقى من المهم التأكيد على أن التيسير الشرعي لا يعني التوسع في الأخذ بالرخص دون حاجة أو عذر معتبر. فالأصل أن يؤدي المسلم نسكه وفق هدي النبي صلى الله عليه وسلم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وأن يتعلم مناسكه قبل الحج وأثناءه، مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم». • وعاد حجاج بيت الله الحرام إلى أوطانهم وأهليهم سالمين غانمين، يحملون معهم ذكريات لا تنسى ومواقف إيمانية تبقى راسخة في الوجدان. ومع عودتهم تبدأ مظاهر الفرح والتهنئة التي اعتادت عليها المجتمعات الإسلامية، فمنهم من يستقبل الحاج بالزينة، ومنهم من يقيم مأدبة للأهل والأصدقاء، ومنهم من يجتمع للسلام عليه وتهنئته بأداء الركن الخامس من أركان الإسلام. • ولا شك أن هذه المظاهر تحمل معاني المحبة والتقدير، لكنها في بعض الأحيان تتحول إلى نوع من التنافس والمبالغة التي تطغى على روح الحج ومعانيه. فجوهر الحج ليس في حجم الاستقبال ولا في عدد المهنئين، بل فيما عاد به الحاج من إيمان وخشوع وتوبة ومراجعة للنفس. • ومن أجمل ما في عودة الحاج جلساته مع الأهل والأصدقاء وهو يروي لهم مواقفه في عرفات ومزدلفة ومنى والطواف والسعي، فتنتقل إليهم مشاعر الإيمان والسكينة، ويتذكر الجميع أن الحج ليس مجرد رحلة، بل محطة تربوية وروحية عظيمة تذكر الإنسان بالآخرة والوقوف بين يدي الله تعالى. • وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». وهو دعاء عظيم يحمل معاني الشكر والعودة إلى الله بعد إتمام النسك. • آخر جرة قلم: ألقى الله سبحانه وتعالى محبة الحج في قلوب المسلمين جميعًا، ولذلك يظل الشوق إليه حيًا مهما بلغت المشقة وطالت سنوات الانتظار. والحج ليس موسمًا للصور ولا للمظاهر ولا لصناعة المحتوى، بل موسم للتوبة والإنابة والتجرد لله سبحانه وتعالى. وما أحوجنا أن نحافظ على روح هذه الفريضة العظيمة، وأن نغرس معانيها في الأجيال القادمة، وأن يكون حديثنا عن الحج حديث عبادة واقتداء وعبرة، لا حديث مظاهر ومنافسة. فالحج المبرور ليس رحلة تنتهي بالعودة إلى الوطن، بل بداية جديدة مع الله. تقبَّل الله من الحجاج حجهم، وأعظم أجورهم، وأخلف عليهم نفقاتهم، وجعل حجهم مبرورًا وسعيهم مشكورًا وذنبهم مغفورًا بإذن الله.
1311
| 03 يونيو 2026