رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في عالم يشهد تزايدًا غير مسبوق في التفاعل بين الثقافات، لم يعد تعلم اللغات الأجنبية يقتصر على اكتساب مهارة تواصلية فحسب، بل أصبح مدخلًا لفهم الآخر وبناء جسور من التعاون والمعرفة. ومن هذا المنطلق، يكتسب تعليم اللغة الإسبانية في دول مجلس التعاون الخليجي أهمية متنامية، ليس فقط لأنها من أكثر لغات العالم انتشارًا، بل أيضًا لما تحمله من روابط تاريخية وثقافية عميقة مع اللغة العربية تمتد منذ قرون. للوهلة الأولى، قد تبدو مدن مثل الدوحة ومدريد أو مكسيكو سيتي فضاءات بعيدة جغرافيًا وثقافيًا. ومن الطبيعي أن يعتقد الطالب في بداية تعلمه للإسبانية أن هذه اللغة لا تمت بصلة إلى بيئته العربية. غير أن هذا التصور يتغير تدريجيًا عندما يكتشف أن الإسبانية تحمل في بنيتها آثارًا عربية واضحة، سواء على مستوى المفردات أو في بعض الممارسات الثقافية الممتدة من زمن الأندلس. فاللغة الإسبانية تضم آلاف الكلمات ذات الأصل العربي، مثل azúcar (السكر)، وaceite (الزيت)، وalmohada (المخدة)، وalcalde (العمدة)، وojalá التي تعود جذورها إلى التعبير العربي «لو شاء الله». وهذه المفردات ليست مجرد بقايا لغوية، بل تشكل شواهد حية على تاريخ طويل من التفاعل الحضاري بين العالمين العربي والإيبيري، وهو تفاعل امتد أثره لاحقًا إلى العالم الناطق بالإسبانية في أوروبا وأمريكا اللاتينية. غير أن أهمية هذا الإرث لا تتوقف عند حدّ التاريخ، بل تمتد إلى الحاضر التعليمي. فكيف يمكن استثمار هذا الإرث في تغيير فلسفه تعليم الإسبانية في منطقه الخليج العربى؟ تُظهر مقاربات اللسانيات التطبيقية أن المتعلم يحقق نتائج أفضل عندما تُربط اللغة الجديدة بخبراته ومعارفه السابقة. ومن هنا، فإن إدراك المتعلم العربي لوجود جذور مشتركة بين اللغتين العربيه والإسبانية يخفف من الشعور بالغربة اللغوية، ويعزز الدافعية، ويساعد على تثبيت المفردات في الذاكرة بشكل أكثر فاعلية. ولا يقتصر هذا التقارب على اللغة فقط، بل يمتد إلى الثقافة أيضًا فكلاهما وجهان لعملة واحدة. هناك ملامح مشتركة في قيم الضيافة والكرم والتواصل الاجتماعي. فعندما يقول متحدثو اللغة الاسبانية “Esta es su casa” نجد صدى مباشرًا لها في التعبير العربي «البيت بيتك». كما أن مكانة الأسرة، واحترام الكبار، وأهمية الروابط الاجتماعية تمثل عناصر متقاربة في الثقافتين، ويمكن توظيفها في تعليم اللغة بطريقة أكثر إنسانية وعمقًا. وانطلاقًا من هذه الرؤية، أولت دولة قطر اهتمامًا متزايدًا بالدبلوماسية الثقافية بوصفها أحد مسارات تعزيز الحوار بين الحضارات. ويأتي تدشين كرسي تميم بن حمد لتعليم اللغة العربية والتراث الأندلسي في جامعة غرناطة ليجسد هذا التوجه، إذ يعكس اهتمامًا مؤسسيًا بإحياء الإرث الأندلسي بوصفه نموذجًا للتفاعل الحضاري بين العالمين العربي والإيبيري، كما يعزز البحث العلمي والتبادل الأكاديمي في مجالات اللغة والثقافة والتاريخ. هذه المبادرات تؤكد أن العلاقة بين العربية والإسبانية ليست مجرد موضوع لغوي، بل مشروع ثقافي متجدد. ومن هنا، فإن هذا التوجه يفتح المجال أمام التفكير فى إعادة صياغة فلسفة تعليم اللغة الإسبانية في دول الخليج، بحيث لا يُقدَّم بوصفه انتقالًا إلى ثقافة بعيدة، بل بوصفه اكتشافًا لمساحات مشتركة ممتدة عبر التاريخ. إن إدماج هذا البعد في المناهج يجعل اللغة والثقافة أكثر قربًا من المتعلم، فحين يدرك المتعلم أن اللغة التي يتعلمها تحمل آثارًا من تاريخه الثقافي، يتحول التعلم من عملية خارجية إلى تجربة ذات معنى شخصي ومعرفي أعمق. وفي النهاية، يمكن القول إن العلاقة بين العربية والإسبانية ليست مجرد موضوع تاريخي، بل هي مورد تربوي حيّ يمكن استثماره في تطوير تعليم اللغات في الخليج. ومن خلال هذا المنظور، تصبح الإسبانية أكثر من لغة أجنبية، بل جسرًا حضاريًا يعيد وصل الماضي بالحاضر، ويفتح آفاقًا أوسع للتفاهم بين الثقافات فى المستقبل.
162
| 02 يوليو 2026
في عصر العولمة وما يشهده العالم من تزايد مستمر في التفاعل والتواصل بين الشعوب، أصبح الاحتكاك اليومي بأفراد ينتمون إلى خلفيات ثقافية متنوعة واقعًا لا يمكن تجاهله. فقد أسهمت عوامل عديدة، مثل السفر، والتعليم الدولي، والهجرة، وسوق العمل العالمي، والتطورات التكنولوجية المتسارعة، في جعل العالم أكثر ترابطًا وتقاربًا من أي وقت مضى. وفي ظل هذا الواقع الجديد، لم يعد تعلم اللغات الأجنبية يقتصر على اكتساب المفردات والقواعد اللغوية فحسب، بل أصبح يتطلب فهمًا أعمق للثقافات المرتبطة بهذه اللغات والقدرة على التفاعل معها بفعالية واحترام. ومن هذا المنطلق، برز مفهوم «كفاءة التفاعل بين الثقافات» بوصفه أحد المفاهيم الأساسية في مجالات تعليم اللغات والتواصل الإنساني، نظرًا لدوره المحوري في تعزيز التفاهم المتبادل وبناء جسور التواصل بين الأفراد المنتمين إلى ثقافات مختلفة. تشير كفاءة التفاعل بين الثقافات إلى قدرة الفرد على التفاعل والتواصل بفعالية مع أشخاص ينتمون إلى ثقافات مختلفة، مع احترام خصوصياتهم وفهم القيم والتصورات التي تؤثر في سلوكهم وتواصلهم. وهي لا تعني مجرد معرفة معلومات عن ثقافة معينة أو الاطلاع على عاداتها وتقاليدها، بل تتجاوز ذلك إلى القدرة على تفسير المواقف والسلوكيات من منظور ثقافي مختلف، والتعامل معها بمرونة وانفتاح بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو الصور النمطية. وتَكتسب هذه الكفاءة أهمية متزايدة، لأن كثيرًا من حالات سوء الفهم بين الأشخاص لا تنتج عن ضعف في المعرفة اللغوية، بل عن اختلاف في الخلفيات الثقافية. فقد يفهم شخص عبارة معينة على أنها مجاملة، بينما يراها شخص آخر تدخلاً في الخصوصية. كما تختلف أساليب التحية، والتعبير عن الاحترام، وإدارة الحوار، وإبداء الرأي من ثقافة إلى أخرى. فعلى سبيل المثال، يُعد الإلحاح على الضيف لتناول القهوة العربية أو الطعام في المجتمع القطري علامة على الكرم وحسن الضيافة، ويعكس رغبة المضيف في الترحيب بضيفه وإكرامه. في المقابل، قد يفسر شخص قادم من ثقافة أخرى هذا الإلحاح على أنه ضغط غير مبرر أو عدم احترام لرغبته الشخصية. وهنا يتضح أن فهم المعنى الثقافي للسلوك لا يقل أهمية عن فهم الكلمات المستخدمة في التواصل. ومن هذا المنطلق، أصبح الخبراء في مجال تعليم اللغات يؤكدون أن النجاح في التواصل لا يعتمد فقط على إتقان اللغة، بل يتطلب أيضًا فهم الثقافة المرتبطة بها. فالمتعلم يحتاج إلى معرفة كيفية استخدام اللغة في مواقف الحياة المختلفة، ومتى يستخدم تعبيرًا معينًا، وكيف يتصرف في سياقات اجتماعية متنوعة. ولذلك لم تعد المناهج الحديثة تركز على القواعد والمفردات فقط، بل تسعى إلى تنمية الوعي الثقافي لدى المتعلمين وتعريفهم بطرق التفكير والقيم وأنماط التفاعل السائدة في المجتمعات التي يتعلمون لغاتها. وفي هذا السياق، غالبًا ما تتضمن برامج تعليم اللغات والثقافات التعريف بعناصر تراثية وحضارية متنوعة، مثل المعالم التاريخية، والمأكولات التقليدية، والأزياء الشعبية، والاحتفالات الوطنية. ففي منطقة الخليج العربي، على سبيل المثال، قد يتعرف المتعلم على سوق واقف في قطر، وواحة الأحساء في المملكة العربية السعودية، أو على عناصر من التراث الثقافي مثل القهوة العربية، والمجالس التقليدية، والصقارة، وسباقات الهجن، وفنون العرضة والرزفة. ولا شك أن هذه المعارف تساعد على التعرف إلى جوانب مهمة من الثقافة الخليجية وتاريخها. غير أن هذه العناصر تمثل في الغالب ما يُعرف بالثقافة الظاهرة أو المرئية، أي الجوانب التي يمكن ملاحظتها بسهولة مثل الطعام والملبس والاحتفالات والمواقع التراثية. وقد انتقد عدد من الباحثين في تعليم اللغات الاكتفاء بهذا النوع من المحتوى الثقافي، فيما عُرف بمقاربة «الحقائق والفلكلور والطعام والمهرجانات (Facts, Folklore, Food and Festivals)، أو ما يسمى اختصارًا بـ (4Fs)، لأنها قد تقدم صورة سطحية أو مبسطة عن الثقافات المختلفة. لذلك تؤكد الأبحاث الحديثة في مجال التعليم بين الثقافات أن التعرف على المظاهر الثقافية الخارجية لا يمثل سوى الخطوة الأولى في فهم الثقافة، إذ إن الهدف الأعمق يتمثل في استيعاب القيم والمعاني والتصورات التي تشكل رؤية الأفراد للعالم وتؤثر في سلوكهم وأنماط تفاعلهم مع الآخرين. فالفهم الحقيقي للثقافة الخليجية، على سبيل المثال، لا يقتصر على معرفة القهوة العربية أو المجالس التقليدية، بل يشمل إدراك المعاني المرتبطة بالكرم، واحترام الكبير، ومكانة الضيف، وتوقير كبار القدر، وقوة الروابط الأسرية والتضامن المجتمعي. ومن هنا تنبع أهمية الانتقال من المعرفة الثقافية الوصفية إلى كفاءة التفاعل بين الثقافات التي تمكن الفرد من فهم الآخر والتفاعل معه بوعي واحترام. وتتجلى أهمية كفاءة التفاعل بين الثقافات أيضًا في تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها. فتعلم العربية لا يقتصر على اكتساب المفردات والتراكيب اللغوية، بل يشمل فهم القيم والعادات وأنماط التفاعل الاجتماعي المرتبطة بالمجتمعات العربية. فعندما يتعلم الطالب عبارات الترحيب أو أساليب التخاطب أو مفردات الضيافة، فإنه يتعرف في الوقت نفسه على قيم الاحترام والتقدير والكرم التي تشكل جزءًا من الثقافة العربية. وعلى سبيل المثال، قد يتعلم الدارس أن عبارات مثل «تفضل» أو «حياك الله» لا تؤدي وظيفة لغوية فحسب، بل تعكس أيضًا ثقافة الترحيب وحسن الاستقبال المتجذرة في المجتمعات العربية والخليجية. ومن هنا فإن إدماج كفاءة التفاعل بين الثقافات في تعليم اللغة يساعد المتعلمين على فهم المعاني الثقافية الكامنة وراء اللغة، ويجنبهم سوء الفهم، ويمكنهم من التواصل بصورة أكثر فاعلية واحترامًا مع الناطقين بالعربية، مما يجعل تعلم اللغة تجربة إنسانية وثقافية متكاملة تتجاوز حدود القواعد والمفردات. وتسهم كفاءة التفاعل بين الثقافات كذلك في تعزيز قيم التسامح والانفتاح والتعايش المشترك. فعندما يتعلم الإنسان فهم الآخر واحترام اختلافه، يصبح أكثر قدرة على بناء علاقات إيجابية قائمة على الحوار والتفاهم. كما تساعد هذه الكفاءة على الحد من الصور النمطية والأفكار المسبقة التي قد تؤدي إلى سوء الفهم أو التوتر بين الأفراد والجماعات. وتبرز أهمية هذا المفهوم بشكل خاص في المجتمعات متعددة الثقافات، حيث يلتقي أشخاص من جنسيات وخلفيات متنوعة في بيئة واحدة. وتعد دولة قطر نموذجًا متميزًا في هذا المجال، إذ تحتضن مجتمعًا يضم عشرات الجنسيات والثقافات التي تعيش وتعمل معًا في مختلف القطاعات. وقد جعل هذا التنوع من القدرة على التواصل بين الثقافات مهارة أساسية للحياة اليومية، سواء في المؤسسات التعليمية أو بيئات العمل أو الأنشطة الاجتماعية. كما أن رؤية دولة قطر القائمة على الحوار والتعاون الدولي والانفتاح على مختلف الحضارات تعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية بناء جسور التفاهم بين الشعوب. وتعمل المؤسسات التعليمية والثقافية في الدولة على تعزيز قيم الاحترام المتبادل والتعايش والتواصل الحضاري، بما يسهم في إعداد أجيال قادرة على التفاعل الإيجابي مع العالم مع الحفاظ على هويتها الثقافية والوطنية. وفي الختام، يمكن القول إن كفاءة التفاعل بين الثقافات لم تعد مهارة إضافية أو ترفًا فكريًا، بل أصبحت ضرورة أساسية في عالم يتسم بالتنوع والتواصل المستمر. فكلما ازدادت قدرة الإنسان على فهم الثقافات الأخرى والتفاعل معها بوعي واحترام، ازدادت فرصه في بناء علاقات ناجحة والمساهمة في نشر قيم الحوار والتفاهم والتعاون بين الشعوب. ومن هنا تبرز أهمية ترسيخ هذا المفهوم في التعليم والإعلام والمؤسسات الثقافية، باعتباره أحد المفاتيح الرئيسية لبناء مجتمعات أكثر انسجامًا وانفتاحًا.
366
| 04 يونيو 2026
منذ بدايات انتشار الإنترنت في العالم العربي، استُخدمت تسميات متعددة للإشارة إلى منصات مثل فيسبوك وإكس وإنستغرام وتيك توك وسناب شات. فأحيانا قيل: «الإعلام الجديد»، وتارة «الإعلام البديل»، ثم استقر الاستخدام الشعبي والإعلامي على مصطلح «وسائل التواصل الاجتماعي» أو «شبكات التواصل الاجتماعي». غير أن هذا الاستقرار اللغوي لا يعني بالضرورة أن المصطلح دقيق أو محايد، بل ربما يخفي وراءه تصورات ثقافية واقتصادية تؤثر في فهمنا لهذه المنصات ووظائفها. ظهر مفهوم "الشبكة الاجتماعية" (Social Network) أصلًا في علم الاجتماع خلال القرن العشرين لوصف العلاقات الإنسانية الواقعية، مثل الأسرة والأصدقاء والجيران وزملاء العمل، أي شبكة العلاقات التي تمنح الأفراد الدعم والانتماء والتفاعل المجتمعي. لكن مع ظهور المنصات الرقمية، انتقل المصطلح من مجال علم الاجتماع إلى المجال التقني دون مراجعة كافية لمعناه وحدوده. وهكذا أصبحت التطبيقات الرقمية تُوصَف بأنها «شبكات اجتماعية»، رغم أن بنيتها التقنية ووظائفها الاقتصادية تختلف جذريًا عن مفهوم الشبكة الاجتماعية في العلوم الإنسانية. من "التواصل" إلى "المنصة" قبل شيوع مصطلح "وسائل التواصل الاجتماعي"، كانت المنصات تُعرَّف بحسب وظائفها التقنية، كالمدونات والمنتديات وخدمات التراسل أو التدوين المصغّر. فعلى سبيل المثال، كان تويتر، قبل تحوله إلى «إكس»، يُعرَّف بوصفه خدمة للتدوين القصير بعدد محدود من الحروف، لا بوصفه شبكة اجتماعية بالمعنى المتداول اليوم. غير أن النجاح العالمي لفيسبوك في أواخر العقد الأول من الألفية أسهم في تعميم فكرة أن هذه التطبيقات تقوم أساسًا على "التواصل" وبناء "المجتمعات الرقمية". لكن هل ما يزال التواصل هو الوظيفة الأساسية لهذه المنصات؟ يشير الواقع إلى أن كثيرًا من هذه التطبيقات تحولت تدريجيًا من فضاءات للتفاعل بين الأفراد إلى أنظمة معقدة لإدارة الانتباه، وتحليل السلوك الرقمي، وجمع البيانات، وتوجيه المحتوى بواسطة الخوارزميات. فالمستخدم لا يرى دائمًا ما ينشره أصدقاؤه أو محيطه الاجتماعي، بل ما تختاره الخوارزمية وفق اعتبارات ترتبط بالتفاعل والاهتمام والعائد الاقتصادي. ومن هنا قد يصبح وصف هذه التطبيقات بأنها «وسائل تواصل» وصفًا غير مكتمل؛ لأنها لم تعد أدوات محايدة للتفاعل الإنساني فقط، بل أصبحت جزءًا من اقتصاد رقمي عالمي يقوم على إدارة الانتباه والبيانات. هل هي فعلًا «اجتماعية»؟ تكمن إحدى الإشكالات الأساسية في كلمة "اجتماعي" نفسها. فالمصطلح العربي، وفق ما يورده معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، يشير إلى "علاقات اجتماعية بين المتكلمين؛ سواء أكانت علاقة أُلْفَة أم علاقة رسمية"، وهو معنى يرتبط بطبيعة العلاقات الإنسانية داخل المجتمع وبُعدها التفاعلي والرمزي. غير أن استخدام هذا الوصف مع المنصات الرقمية يوحي ضمنًا بأنها تعمل لتعزيز المجال العام أو تقوية الروابط الاجتماعية بصورة طبيعية، بينما الواقع أكثر تعقيدًا. فهذه التطبيقات مملوكة غالبًا لشركات دولية خاصة تعتمد نماذجها الاقتصادية على الإعلانات، وتحليل البيانات، والاستهداف السلوكي. ولذلك فإن كلمة "اجتماعي" هنا لا تشير بالضرورة إلى التضامن أو الرعاية أو المنفعة العامة، بل إلى وجود تفاعل بشري يمكن تحليله واستثماره اقتصاديًا. أزمة التعريب والنقل المفاهيمي تشير دراسات عربية عديدة إلى أن ترجمة مصطلحات الإعلام الرقمي من الإنجليزية إلى العربية جرت في كثير من الأحيان بصورة سريعة ومن دون تأصيل معرفي كافٍ. فقد تُرجم مصطلح (Social Media) إلى "وسائل التواصل الاجتماعي"، وإلى "الإعلام الاجتماعي"، كما استُخدمت صيغ أخرى مثل "الوسائط الاجتماعية" و"الشبكات الاجتماعية". ولا يعكس هذا التعدد بالضرورة ثراءً لغويًا، بقدر ما يكشف غياب اتفاق مفاهيمي واضح حول طبيعة هذه الظاهرة. فالمشكلة لا تكمن في الترجمة بوصفها نقلًا للكلمات، بل في نقل التصورات الفكرية المصاحبة لها. فعندما نستعمل عبارة «وسائل التواصل الاجتماعي»، فإننا نعيد بصورة غير مباشرة إنتاج تصور يرى أن التفاعل الإنساني هو الوظيفة الأساسية لهذه المنصات، في حين أن الأبعاد الاقتصادية والخوارزمية قد تكون أكثر تأثيرًا من التواصل ذاته. المنصات ليست محايدة بالكامل غالبًا ما تُقدَّم هذه التطبيقات باعتبارها أدوات مفتوحة للتعبير والتفاعل، إلا أن الواقع المعاصر يكشف أنها تؤثر كذلك في تشكيل الرأي العام، وأنماط الاستهلاك، والسلوك الرقمي، وحتى الصحة النفسية للمستخدمين. فخوارزميات الاقتراح وإعادة النشر والموضوعات الرائجة لا تعمل بطريقة محايدة تمامًا، بل تميل إلى إبراز المحتوى القادر على جذب الانتباه وتحقيق أكبر قدر من التفاعل. ومع ذلك، لا يعني هذا أن هذه المنصات ذات أثر سلبي فقط، فقد أسهمت أيضًا في نشر المعرفة، وتعزيز المبادرات المجتمعية، وإبراز المشروعات الثقافية والتعليمية، كما استفادت مؤسسات عديدة من البيئة الرقمية في توسيع الوصول إلى الجمهور وتعزيز المشاركة المجتمعية. أي بديل لغوي ممكن؟ إذا كان مصطلح «وسائل التواصل الاجتماعي» غير دقيق بصورة كاملة، فإن البدائل المقترحة لا تهدف إلى استبداله فحسب، بل إلى إعادة توصيف الظاهرة بصورة أكثر اتزانًا. فقد يقترح بعض الباحثين استعمال تعبير «المنصات الرقمية» لأنه يركّز على البنية التقنية لهذه التطبيقات دون تحميلها دلالة اجتماعية مسبقة. ويقترح آخرون مصطلح «المنصات الاجتماعية التجارية» لإبراز الطبيعة الاقتصادية لهذه البيئة الرقمية، بينما يذهب اتجاه ثالث إلى استخدام تعبيرات مثل «وسائط التفاعل الرقمي» أو «منصات المحتوى الرقمي» لأنها تصف الوظيفة الاتصالية دون افتراض وجود دور اجتماعي خالص. وقد تبدو هذه الاختلافات بسيطة من الناحية اللغوية، لكنها في الواقع تعكس اختلافًا في فهم طبيعة الظاهرة نفسها، فاختيار المصطلح ليس عملية حيادية، بل يمثل جزءًا من بناء المعرفة وتوجيه الإدراك العام. قد يبدو النقاش حول المصطلحات قضية لغوية فرعية، لكنه في الحقيقة يمسّ طريقة فهمنا للعالم الرقمي. فالكلمات لا تصف الواقع فحسب، بل تسهم في تشكيله وإعادة إنتاجه. وعندما نصف هذه المنصات بأنها «شبكات تواصل اجتماعي»، فإننا نمنحها ضمنيًا صورة إيجابية بوصفها فضاءات للتقارب الإنساني، بينما هي في الوقت ذاته أنظمة رقمية اقتصادية وإعلامية معقدة تتجاوز مجرد التواصل، وتهدف إلى إدارة الانتباه والبيانات والسلوك وتحويلهم إلى قيمة تجارية داخل فضاء عالمي شديد التعقيد. وفي ظل التحول الرقمي العالمي المتسارع، ربما أصبح من الضروري إعادة التفكير في اللغة التي نصف بها هذه المنصات، ليس رفضًا لها، بل سعيًا إلى فهمها بصورة أكثر دقة ووعيًا.
717
| 18 مايو 2026
مساحة إعلانية
في رحيل الرجال العظام لا تُطوى صفحة من...
5715
| 14 يوليو 2026
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية...
1812
| 12 يوليو 2026
لم نستيقظ فجر اليوم (أمس) على وقع الضربات...
1188
| 13 يوليو 2026
أتيحت لي الفرصة من خلال صحبتي- بحكم العمل-...
1005
| 16 يوليو 2026
غاب عن دنيانا والد الجميع، صاحب السمو الأمير...
990
| 14 يوليو 2026
الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني…...
954
| 14 يوليو 2026
هناك لحظات في تاريخ الأوطان تتجاوز حدود الزمن،...
924
| 18 يوليو 2026
- دمــوع فـــي وداع الأمـير الوالـد - «أبو...
903
| 15 يوليو 2026
- أسس نظامًا راسخًا ومهّد طريق الأجيال ولمستقبلهم...
897
| 13 يوليو 2026
يرتبط اسم المغفور له بإذن الله صاحب السمو...
768
| 14 يوليو 2026
في مسيرة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة...
756
| 17 يوليو 2026
هناك رجال لا يرحلون حين تغيب أجسادهم، لأنهم...
717
| 14 يوليو 2026
مساحة إعلانية