رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
• يصادف اليوم الخميس الموافق 12 ربيع الاول 1447 من الهجرة النبوية مولد النبي محمد ﷺ سيد الخلق والبشرية ﷺ نبي الرحمة فقد ذكر أكثر أهل السير أنه ولد يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول.. وُلد النبي عليه الصلاة والسلام في مكة المُكرمة، بِشعب بني هاشم، وكان ذلك في يوم الاثنين، كما ورد في حديثه صلى الله عليه وسلم-: (وَسُئِلَ عن صَوْمِ يَومِ الاثْنَيْنِ؟ قالَ: ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ)، وكان مولده في النّهار عند طُلوع الفجر، بدليل ولادة النبي عليه الصلاة والسلام يوم الاثنين، وما جاء من قول أُمّه أنها رأت النجوم عند ولادته؛ وُلد في اليوم الثاني عشر من شهر ربيعٍ الأول، وذكره ابن إسحاق وابن عبّاس وغيرهم، وكان مولده في عام الفيل، لقول قيس بن مخرمة: (وُلِدْتُ أنا والنَّبيُّ عامَ الفيلِ).
• من العلامات التي ظهرت يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم: خروج نورٍ من أُمّه أضاء قُصور الشام، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إنِّي عندَ اللهِ مَكتوبٌ بخاتَمِ النَّبيِّينَ، وإنَّ آدَمَ لِمُنْجَدِلٌ في طينتِه، وسأُخبِرُكم بأوَّلِ ذلك: دعوةُ أبي إبراهيمَ، وبِشارةُ عيسى، ورؤيا أمِّي الَّتي رأَتْ حينَ وضَعَتْني أنَّه خرَج منها نورٌ أضاءَتْ لها منه قصورُ الشَّامِ).
• ولادته رافعاً بصره إلى السماء، ومن العلامات الأخرى التي أخرجها ابن حبان في صحيحه عن وصف مولد النبيّ: (ثمَّ وضَعْتُه فما وقَع كما يقَعُ الصِّبيانُ وقَع واضعًا يدَه بالأرضِ رافعًا رأسَه إلى السَّماءِ) تصف السيدة آمنة بنت وهب، والدة النبي صلى الله عليه وسلم حملها به، فورد عنها أن حمله لم يكن بمشقة، ولم تشعر بشدة عند ولادته، ولما خرج وقع على الأرض مستنداً على يديه، ومع خروجه ظهر نور منه صلى الله عليه وسلم. • فرح لمولده صلى الله عليه وسلم جد وأعمام النبي أرسلت إلى جد النبي صلى الله عليه وسلم عبد المطلب، ففرح فرحاً شديداً، وأخذه ودخل به الكعبة، وقيل إنه قال في ذلك أشعاراً، وذبح عنه كبشاً كبيراً، وسماه محمّداً. وقد فرح أعمامه أيضاً بميلاده صلى الله عليه وسلم، فقد اعتق أبولهب الجارية التي بشّرته بولادته، وهي ثويبة المرضعة الأولى للنبي، وقد صحّت الأخبار في رؤيا العباس بن عبد المطلب بتخفيف العذاب عن أبي لهب؛ لإعتاقه ثويبة.
• يتبين مما سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم صام يوم الاثنين شكرا لنعمة مولده في هذا اليوم، صامه أيضا لفضله: فقد أنزل عليه الوحي في ذلك اليوم، وفيه تعرض الأعمال على الله، فأحب صلى الله عليه وسلم أن يرفع عمله وهو صائم، فمولده الشريف في ذلك اليوم كان سببا من أسباب متعددة لصيام ذلك اليوم.
• مولد النبي صلى الله عليه وسلم، نعمة حقيقية، ورحمة عامة للبشرية، كما قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).
• قصة نزول القرآن على الرسول الكريم وتلقِّي الوحي من أهم الروايات التي لا نمل من روايتها أو سماعها؛ فهي ليلة البرهان والنور والحق، ليلة تحول العالم، فهي أشرف ليلة إطلاقًا، هي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، نزل فيها القرآن على نبينا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم.
• روى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الموقف الغريب الذي حدث له للسيدة خديجة رضي الله عنها وما قيل له من كلمات، ثم قال لخديجة: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي». كان موقف السيدة خديجة موقفا عاقلا وحكيما فهي لم تخف كعادة النساء، أو كطبيعة البشر، وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقص عليها أمرًا عاديًّا، بل قالت له في يقين غريب: «كَلا وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ». أدركت السيدة خديجة أن هذا الرجل صاحب الأخلاق الحميدة لن يخزيه الله أبدًا. وذهبت إلى أهل العلم والدراية؛ فذهبا إلى «ورقة». تقول السيدة عائشة رضي الله عنها:»فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ، وَكَانَ امرأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهليَّةِ، وكان ورقة يعلم أن نبيًّا سيخرج في آخر الزمان، وكان ورقة ينتظره؛ فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ (وكان يعرف أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم-وصفاته الحميدة): يَا ابْنَ أَخِي، مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الذِي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى».وقال ورقة للنبي صلى الله عليه وسلم قال: « يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا (شابًّا)، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ». فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:»أو مخرجي هم ؟». فقَالَ له ورقة بيقين وثبات: «نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلا تعرض للأذى والعداوة». ثم يقول ورقة: «وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا». ثُمَّ لَمْ يَلبث وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وقد صدّق بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى قبل التصريح بالرسالة.
• من المهم اليوم أن تخصص في المدارس والجامعات والمساجد المحاضرات والدروس والقصص التي تذكر الأجيال الحاليه بيوم مولده وسيرته صلى الله عليه وسلم وقصصه والدعوه للإسلام والهجرة إلى المدينة المنورة..، تروي القصص والسيرة النبوية لما تعرض له من مشاق ومحاربة اقاربه لدعوته، نستذكر سيرته العطرة ومواقفه مع الرجال والنساء والاطفال والحيوان.. والحروب التي كانت للدعوة للإسلام، نستذكر المعجزات التي نزلت عليه صلى الله عليه وسلم واعظمها نزول جبريل عليه السلام.. وقراءة أهم المؤلفات والكتب التي كتبت في سيرته صلى الله عليه وسلم مثل: الشمائل المحمديه للترمذي، الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض، الشمائل الشريفه للسيوطي. « وعلى تَفَنّنِ واصِفيهِ بِحُسْنِهِ. يَفنى الزّمانُ وفيه ما لم يُوصف…صلى الله على طه خير الخلق واحلاها».
• آخر جرة قلم: هناك من المشايخ من يرى ان الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم بدعة..! إن كانت بدعة فهي بدعة حسنة وبدعة ترقى بالأرواح وتستحضر الأفئدة والقلوب والحواس لسيرته صلى الله عليه وسلم.. من الواجب اتباع سنته التي هي تطبيق عملي لمحبته واتباعه، مع تخصيص البرامج التلفزيونية والإذاعية بالتركيز فيه على سيرته الطاهرة عليه افضل الصلاة والسلام ؛باستضافة الاساتذة والمشايخ والمثقفين والاطفال، وأن تخصص الاحتفالات في المدارس والجامعات لمولده كما يتم الاحتفال بعدة مناسبات وغيره من ايام. يوم مولده صلى الله عليه وسلم تخصص له الدول الاحتفال والاجازة واستحضار الانجازات والتاريخ العظيم لخير البشرية.. مولده أولى بالاحتفال والسيرة والقصص والعبر والذكر في زمن سادت فيه الفوضى وساد الرعاع من البشر ليصبحوا قدوة ونماذج للأسف وننسى تاريخنا الإسلامي ورجاله وسيرة رجال تعلم أجيالا وأجيالا وتجعلهم رجالا يعتمد عليهم في حماية دينهم وبناء دولهم...
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين تُذكر قمم الكرة القطرية، يتقدّم اسم العربي والريان دون استئذان. هذا اللقاء يحمل في طيّاته أكثر من مجرد ثلاث نقاط؛ إنها مواجهة تاريخية، يرافقها جدل جماهيري ممتد لسنوات، وسؤال لم يُحسم حتى اليوم: من يملك القاعدة الجماهيرية الأكبر؟ في هذا المقال، سنبتعد عن التكتيك والخطط الفنية، لنركز على الحضور الجماهيري وتأثيره القوي على اللاعبين. هذا التأثير يتجسد في ردود الأفعال نفسها: حيث يشدد الرياني على أن "الرهيب" هو صاحب الحضور الأوسع، بينما يرد العرباوي بثقة: "جمهورنا الرقم الأصعب، وهو ما يصنع الفارق". مع كل موسم، يتجدد النقاش، ويشتعل أكثر مع كل مواجهة مباشرة، مؤكدًا أن المعركة في المدرجات لا تقل أهمية عن المعركة على أرضية الملعب. لكن هذه المرة، الحكم سيكون واضحًا: في مدرجات استاد الثمامة. هنا فقط سيظهر الوزن الحقيقي لكل قاعدة جماهيرية، من سيملأ المقاعد؟ من سيخلق الأجواء، ويحوّل الهتافات إلى دعم معنوي يحافظ على اندفاع الفريق ويزيده قوة؟ هل سيتمكن الريان من إثبات أن جماهيريته لا تُنافس؟ أم سيؤكد العربي مجددًا أن الحضور الكبير لا يُقاس بالكلام بل بالفعل؟ بين الهتافات والدعم المعنوي، يتجدد النقاش حول من يحضر أكثر في المباريات المهمة، الريان أم العربي؟ ومن يمتلك القدرة على تحويل المدرج إلى قوة إضافية تدفع فريقه للأمام؟ هذه المباراة تتجاوز التسعين دقيقة، وتتخطى حدود النتيجة. إنها مواجهة انتماء وحضور، واختبار حقيقي لقوة التأثير الجماهيري. كلمة أخيرة: يا جماهير العربي والريان، من المدرجات يبدأ النصر الحقيقي، أنتم الحكاية والصوت الذي يهز الملاعب، احضروا واملأوا المقاعد ودعوا هتافكم يصنع المستحيل، هذه المباراة تُخاض بالشغف وتُحسم بالعزيمة وتكتمل بكم.
1668
| 28 ديسمبر 2025
أدت الثورات الصناعيَّة المُتلاحقة - بعد الحرب العالميَّة الثانية - إلى تطوُّر طبيٍّ هائل؛ مِمَّا أضحت معه العديد من الأعمال الطبيَّة غاية في البساطة، واكتُشِفتْ علاجاتٌ لأمراض كانت مُستعصية، وظهرت اللقاحات والمضادات الحيويَّة التي كان يُطلق عليها «المعجزة». ولمواكبة التطور الطبيِّ المُتسارع كان لزامًا على القانونيين مُسايرة هذا التطوُّر؛ إذ يُرافق التقدُّم الطبيُّ مخاطر عديدة، منها ما هو معروف ومنها المجهول الذي لا يُعرف مداه ولا خطره. ومن أهم القوانين المُقارنة التي يجدر بالمشرِّعين دراسة تبنِّيها؛ هي تجربة القضاء الفرنسي الذي تَوجَّه نحو تعزيز الحماية للمرضى، من خلال تبنِّيه لآليَّات تضمن حصولهم على تعويض جابر للضرر دون إرهاق كاهلهم بإثبات خطأ فني طبي يصعب فهمه، فكيف بإثباته؟! ففي بداية التسعينيات أقرَّ القضاء الفرنسي التزام المستشفى بضمان السلامة، وذلك بمناسبة عِدَّة قضايا؛ ففي إحدى هذه القضايا قام رجل باللجوء إلى مستشفى لإجراء عمليَّة جراحيَّة، وبعد الانتهاء منها تبيَّن إصابته بعدوى من غرفة العمليَّات، وعندما وصلت القضية إلى محكمة النقض أقرَّت بالتزام المستشفى بالسلامة الجسديَّة، وبموجب هذا الالتزام تَضمَنُ المستشفيات سلامة المريض من التعرُّض لضرر لا يتعلق بحالته المرضيَّة السابقة. فمن حق المريض الذي يلجأ إلى المستشفى لتلقِّي العلاج من عِلَّة مُعيَّنة عدم خروجه بِعِلَّةٍ أخرى غير التي كان يُعاني منها. غير أن السؤال المطروح هنا، من أين أتت المحكمة بالالتزام بالسلامة؟ تكمن الإجابة في أن المحكمة أخذت هذا الالتزام من التزام الناقل بالسلامة؛ إذ تلتزم شركة الطيران، على سبيل المثال، بنقل الركاب من نقطة إلى أخرى بسلامة دون تعرُّضهم لأذًى، كما تلتزم شركة نقل البضاعة بنقلها دون تعرُّضها لتلف أو ضرر، وهذا الالتزام يُعدُّ التزامًا بتحقيق نتيجة، قِوامها سلامة الراكب أو البضاعة المنقولة، وبمجرد تعرضها لأذى تلتزم حينها الشركة بالتعويض. وعلى نفس السياق؛ فإن التزام المستشفى بضمان السلامة الجسديَّة هو التزام بتحقيق نتيجة؛ إذ توسَّع القضاء الفرنسي في هذا الالتزام ليشمل المسؤوليَّة عن العمل الطبي؛ لتعزيز سلامة المرضى، وتسهيلًا لحصولهم على تعويض يجبر ضررهم. ولم يقتصر التطور القضائي على هذا النحو، بل أقرَّ مجلس الدولة الفرنس المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، وذلك في حكمها بمناسبة قضية (Bianchi) الشهيرة بتاريخ 09/04/1993؛ إذا دخل السيد (Bianchi) المستشفى لإجراء تصوير بالأشعة لشرايين العمود الفقري، وهو ما يُعتبر فحصًا عاديًّا، غير أنه قد نتج عنه شلل كامل، ولم يثبت من خلال الخبرة وجود خطأ طبي؛ مِمَّا أدَّى إلى رفض الدعوى من قِبل محكمة مرسيليا الإداريَّة، وعندما عُرض الأمر لأول مرة على مجلس الدولة عام 1988 رفضت منحه التعويض، وقد أُعيد عرض القضية وقضت في عام 1993 بإلزام المستشفى بالتعويض تأسيسًا على المسؤوليَّة غير القائمة على خطأ. ونتيجة لذلك تبنَّى المشرع الفرنسي نظامًا للتعويض غير قائم على الخطأ في عام 2002؛ فأنشأ صندوقًا للتعويض عن الحوادث الطبية التي تقع دون إمكانيَّة إثبات المريض لخطأ طبي؛ ليُعزِّز من سلامة المرضى ويوفِّر الحماية اللازمة في ضوء التطورات الطبيَّة المُتسارعة. وقد أقرَّت العديد من الدول المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، ومنها الولايات المتحدة الأمريكيَّة التي أقرَّت نظامًا للتعويض عن الأضرار الناجمة من لقاحات أطفال مُعيَّنة بموجب قانون صادر من قبل الكونغرس الأمريكي عام 1991، كما أقرَّت نيوزلندا نظامًا شاملا للمسؤوليَّة الطبيَّة دون الحاجة إلى إثبات خطأ طبي. ختامًا، يتعين على المشرع القطري دراسة السياسات التشريعيَّة الحديثة في المسؤوليَّة الطبيَّة، ويجب كذلك على القضاء دراسة التوجهات القضائيَّة المقارنة في المسؤوليَّة الطبيَّة وتبنِّي آليَّات تُوفِّر الحماية اللازمة للمرضى، وخاصة في ضوء الثورة الصناعيَّة الرابعة وما يُصاحبها من تطور تقني هائل، وما يُرافقها من مخاطر مجهولة لا يُعرف مداها ولا يُمكن تقدير جسامتها. والله من وراء القصد.
831
| 29 ديسمبر 2025
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل بيضاء واستقرت على الإسفلت، أُغلق الشباك، تحركت السيارة، وبقيت الورقة في مكانها، كأنها تنتظر من يلتفت إليها، مشهد مألوف، يتكرر كثيرًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أوسع من حجمه، وأعمق من كونه تصرفًا عابرًا. ورقة المنديل ليست فعلًا منفصلًا عن غيره من السلوكيات، إنه جزءٌ من منظومة كاملة، إن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الطريق العام تعكس نظرته إلى كل ما هو مشترك، وتكشف مستوى الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والآخرين، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما ترسم ملامح الثقافة العامة أكثر مما تفعل الشعارات. إن الطريق الذي نمر به إنما هو مرفق شُيّد من مواردنا، وصُرفت عليه أموال عامة، وسُخّرت له إمكانات كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم، أو للصحة، أو لتحسين جودة الحياة، وكل جهد يُبذل لمعالجة سلوكيات عشوائية هو جهد يُعاد توجيهه من البناء إلى التصحيح، ومن التطوير إلى التنظيف، بسبب إهمال بسيط كان يمكن تفاديه. ويمتد هذا السلوك في صور متعددة نراها كل يوم؛ من إتلاف الأرصفة، وترك المخلفات في الأماكن العامة، إلى الصخب غير المبرر في الأحياء السكنية، والتعامل مع المرافق المشتركة بلا عناية، أفعال تبدو متفرقة، لكنها تنتمي إلى منظومة واحدة، وتكشف مستوى الإحساس بالمكان المشترك وبحق الآخرين فيه. أما في التربية، فتتحول هذه التفاصيل إلى دروس صامتة، الأطفال لا يتعلمون القيم من العبارات المجردة، إنهم يتعلمونها من المشاهد اليومية، ما يرونه من الآخرين يتحول إلى عادة، وما يُمارَس يتحول إلى ثقافة، حين ينشأ الطفل على أن الممتلكات العامة جزء من حياته، وأن احترامها احترام لنفسه ولغيره، تتكوّن لديه منظومة سلوكية متماسكة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عنده. في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في مسيرة النظافة العامة تحت رعاية سعادة وزير البلدية، مبادرة تحمل دلالة إيجابية وتعكس اهتمامًا مؤسسيًا يستحق التقدير، غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بحجم المشاركة ولا بعدد الصور، إنما تقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك فردي دائم، فالمسيرة تنتهي، واللافتات تُطوى، لكن الطريق يبقى، والاختبار يبدأ حين يعود كل منا إلى سيارته، وإلى عاداته اليومية. حب الوطن والولاء له لا يقف عند قصيدة تُلقى، ولا عند مشاركة في فعالية وطنية، تلك لحظات جميلة ومهمة، لكنها تكتمل حين تُترجم إلى سلوك يومي هادئ ومستمر، يظهر في احترام المكان، وفي مراعاة النظام، وفي الحرص على ألا نترك خلفنا أثرًا سلبيًا مهما كان صغيرًا. عندما نهم بإلقاء منديل من السيارة في الطريق العام، لنستحضر الحديث النبوي الشريف: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ونتذكر بأن ذلك مما أوصى به الدين، وأن النظافة مسيرة تبدأ من سلوك فردي بسيط، يعكس حس المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد حتى لو كان ورقة منديل.
585
| 31 ديسمبر 2025