رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فاطمة العتوم

كاتبة قطرية - مستشار الصحة البيئية / تميز مؤسسي
falotoum@hotmail.com
@faalotoum

مساحة إعلانية

مقالات

183

فاطمة العتوم

حين يصبح الانتظار مرضًا آخر...

04 سبتمبر 2026 , 02:00ص

حين يصبح الانتظار مرضًا آخر...

المتقاعد بين قوائم الانتظار وتكاليف العلاج

التقاعد ليس نهاية للعطاء، بل بداية مرحلة يفترض أن يحظى فيها الإنسان بالاستقرار والطمأنينة بعد سنوات طويلة قضاها في خدمة وطنه. ومن أبسط صور هذا الاستقرار أن يشعر المتقاعد بأن حصوله على الرعاية الصحية لن يكون معركة جديدة يخوضها في وقت أصبح فيه أكثر حاجة للعلاج.

لكن الواقع الذي يعيشه عدد من المتقاعدين يطرح تساؤلًا مهمًا: ماذا يفعل المريض عندما يكون موعده في العيادة التخصصية أو العلاج الطبيعي بعد أشهر، بينما مرضه لا يعرف معنى الانتظار؟

فالكثير من المتقاعدين يعانون أمراضًا مزمنة أو حالات صحية تتطلب متابعة مستمرة، وتأخير العلاج في بعض الحالات لا يعني فقط استمرار الألم، بل قد يؤدي إلى تدهور الحالة الصحية، وانخفاض فرص التعافي، وزيادة الحاجة إلى تدخلات علاجية أكثر تعقيدًا وتكلفة. وهنا يجد المتقاعد نفسه أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما انتظار موعد قد يأتي بعد فوات الأوان، أو اللجوء إلى المستشفيات والعيادات الخاصة وتحمل تكاليف قد تفوق قدرته المالية.

وما يزيد هذه المعاناة أن كثيرًا من المتقاعدين لا يزالون يواجهون التزامات مالية وقروضًا تستقطع جزءًا من دخلهم التقاعدي، لتصبح فاتورة العلاج الخاص عبئًا إضافيًا يثقل حياتهم في مرحلة كان يفترض أن تكون أكثر استقرارًا وكرامة.

لقد لاقت المبادرة التي أطلقتها مؤسسة حمد الطبية لتحويل المواطنين الذين تطول مواعيدهم إلى عدد من المستشفيات الخاصة ترحيبًا واسعًا، لأنها قدمت نموذجًا عمليًا للتعامل مع قوائم الانتظار، وأثبتت أن الشراكة مع القطاع الخاص يمكن أن تسهم في تسريع حصول المرضى على العلاج في الوقت المناسب. وإذا كانت هذه الآلية لم تعد متاحة لبعض الفئات أو لم تعد تحقق الهدف الذي أنشئت من أجله، فإن إعادة تقييمها أصبحت ضرورة، خصوصًا بالنسبة للمتقاعدين الذين يشكل عامل الوقت عنصرًا حاسمًا في الحفاظ على صحتهم.

القضية هنا ليست مطالبة بامتيازات إضافية، بل دعوة إلى تعزيز كفاءة المنظومة الصحية. فالعلاج المبكر أقل تكلفة من علاج المضاعفات، وتسريع الوصول إلى الخدمة الصحية يخفف الأعباء عن المريض وعن النظام الصحي في الوقت نفسه.

ومن هنا، فإن من المناسب دراسة حلول عملية، مثل إعادة تفعيل برنامج تحويل الحالات التي تتجاوز مدة انتظارها الحدود الطبية المقبولة إلى المستشفيات الخاصة، أو توفير مظلة تأمين صحي للمتقاعدين تتيح لهم الاستفادة من خدمات القطاع الخاص وفق ضوابط واضحة، بما يضمن استمرارية الرعاية الصحية وجودتها.

إن المجتمع الذي يكرّم أبناءه بعد سنوات خدمتهم لا يكتفي بشهادات التقدير، بل يترجم هذا التقدير إلى سياسات تحفظ كرامتهم وجودة حياتهم. فالمتقاعد الذي أفنى عمره في خدمة وطنه يستحق أن يطمئن إلى أن حقه في العلاج لن يكون رهين قائمة انتظار، وأن صحته لن تتأثر بقدرته على تحمل تكاليف القطاع الخاص.

فالوفاء الحقيقي لمن خدم وطنه لا يكون عند نهاية الخدمة فقط، بل يستمر عندما يحتاج إلى من يقف إلى جانبه، ويحفظ له حقه في العلاج الكريم، في الوقت الذي يحتاجه، لا بعد أن يصبح الانتظار مرضًا آخر.

مساحة إعلانية