رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما انهارت أسعار النفط في منتصف تسعينيات القرن الماضي، لتصل إلى أدنى مستوياتها دون سعر 20 دولارًا للبرميل بعد أن كانت قد بلغت ذروتها خلال الحرب العراقية الكويتية، شكّل ذلك الأمر تحديًا هائلاً للدول المصدّرة للنفط. فقد كشف هذا الانهيار هشاشة الاقتصادات التي كانت تعتمد بدرجة كبيرة على سعر عالمي متقلب لا يمكن التنبؤ به لسلعة واحدة. ومنذ ذلك الحين، استخلص صانعو السياسات في منطقة الخليج دروسًا مهمةً حول كيفية الحد من دورات الازدهار والركود، وإعادة التوازن إلى اقتصاداتهم.
وبعد مرور ثلاثة عقود على هذا الوضع، يجد تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي صعوبةً في رصد أوجه قصور تُذكر في مسار التقدم المحرز. وفي أحدث تقرير صادر له عن الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية (ديسمبر 2025)، أشاد الصندوق بالسياسات المتبعة في مختلف مجالات السياسة الاقتصادية، بما في ذلك السياسات النقدية والمالية، وكذلك السياسات المرتبطة بالتجارة وبيئة الأعمال. ولا تزال صادرات النفط والغاز تمثل المصدر الرئيسي للدخل من الصادرات في المنطقة. وقد حافظ سعر النفط على استقراره اللافت خلال العام الماضي، حيث تراوح عادةً بين 60 و70 دولارًا للبرميل، على الرغم من الارتفاعات الكبيرة في أسعار بعض السلع الأساسية الأخرى مثل المعادن النفيسة. ومن المرجح أن يظل السعر مستقرًا إلى حد معقول، نظرًا لتوازن العوامل التي قد تؤدي إلى حدوث تقلبات حادة في سعره. وقد شهد السوق فائضًا نسبيًا في المعروض، في الوقت الذي تباطأ فيه النمو الاقتصادي، وسط التوتر القائم بين الولايات المتحدة وفنزويلا. وقد ساهمت حكومات المنطقة في دعم مبادرات التنويع الاقتصادي عبر منح الأولوية للتحول الرقمي واستخدام الذكاء الاصطناعي. ويشير تقرير صندوق النقد الدولي إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي «تقترب من مستوى الاقتصادات المتقدمة أو تضاهيها، كما يتضح من مؤشر الوصول الرقمي المعزز»، حيث حققت أداءً جيدًا في مجالات البنية التحتية الرقمية والقدرة على تحمل التكاليف.
ويشير التقرير إلى الأصول الخارجية التي تحتفظ بها دول الخليج، على الرغم من تفاوتها بين دولة وأخرى. فقد تراوحت قيمة الأصول الاستثمارية الدولية الإجمالية بين 90% من الناتج المحلي الإجمالي في البحرين و760% من الناتج المحلي الإجمالي في الكويت حتى عام 2023. ويشير التقرير إلى سمتين سلبيتين إلى حد ما، وهما مرتبطتان ببعضهما هما: مدى استمرار هيمنة القطاع العام باعتباره الموفر الرئيسي للوظائف، والمصدر الرئيسي للاستثمار. ويرى صندوق النقد الدولي ضرورة تعزيز التنمية بقيادة القطاع الخاص. وقد كانت معدلات النمو في القطاع غير النفطي جيدة، ومن المتوقع أن يرتفع النمو بنسبة تتراوح بين 2.5% و4.5%، مدعومًا باستضافة المنطقة لفعاليات دولية كبرى، لا سيَّما الفعاليات الرياضية. وتتفاوت حصة الصادرات غير النفطية بشكل كبير، بدءًا من 5-7% من الناتج المحلي الإجمالي في الكويت وقطر والمملكة العربية السعودية، وصولًا إلى 60% في الإمارات العربية المتحدة، وهو ما يعكس تطور المراكز التجارية والصناعية. وعلى الرغم من أن مستوى التوظيف في القطاع العام في المنطقة أعلى من المستوى الأمثل لتحقيق اقتصاد متوازن، إلا أنه يعني أن ثروة النفط موزعة إلى حد ما على مختلف قطاعات الاقتصاد، وليست حكرًا على النخبة، وهو ما يدعم الطلب المحلي. ومع ذلك، يرى صندوق النقد الدولي ضرورة تقليص الفجوة في الأجور بين القطاعين العام والخاص. ولطالما رحّبت دول الخليج بالمهاجرين، كما أن لديها نظاما متطورا لتأشيرات العمل. وقد ساهم ذلك في دفع عجلة التنمية الاقتصادية في منطقة تتمتع بمعدل مرتفع لدخل الفرد ولكن عدد سكانها الأصليين منخفض. وتتمتع المنطقة بموقع استراتيجي يمكّنها من استقطاب الكفاءات من جميع أنحاء العالم، لا سيما مع تراجع ترحيب الولايات المتحدة وأوروبا بالمهاجرين. ويوصي الصندوق أيضًا بمواصلة تطوير الأسواق المالية المحلية، حيث أشار إلى وجود مجال لتوسيع نطاق أسواق الائتمان والسندات. وتتمتع الدول التي لديها نسبة أعلى من الديون بالعملة المحلية، وقواعد استثمارية متنوعة، بعوائد سندات أكثر استقرارًا وسيولة سوقية أكبر خلال فترات الضغوط المالية. وبشكل عام، وعلى الرغم من أن التوقعات الاقتصادية العامة للعالم لا تزال «تميل نحو الجانب السلبي»، حسبما يشير التقرير، فإن دول الخليج تبدو في وضع جيد يتيح لها إمكانية مواجهة التحديات بنجاح.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @Fahadbadar
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2028
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
846
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
690
| 04 فبراير 2026