رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سلطان الهاجري

- محاضر وباحث في الإدارة والأداء المؤسسي

مساحة إعلانية

مقالات

660

د. سلطان الهاجري

العقول قبل الألقاب

05 مارس 2026 , 02:21ص

في كل مجتمع لحظة اختبار خفية هل يُقدَم العقل أم يُقدّم اللقب؟ سؤال يبدو بسيطاً، غير أن الإجابة عنه ترسم مصير ثقافة كاملة، هناك بيئات تُنصت للفكرة، تفككها، تمحصها، ثم تمنحها مكانتها على قدر حجتها، وفي المقابل بيئات تُسارع إلى السؤال عن صاحبها؟ ما منصبه؟ ما رتبته؟ ما اسمه في السجلات؟ وعلى ضوء ذلك يُمنح القبول أو يُسحب.

بهذا المنطق يُقيد الوعي والتفكير داخل هوية، ويُستبدل ميزان البرهان بميزان المكانة، فالفكرة القوية تفقد قيمتها إن خرجت من فمٍ عادي، والرأي الضعيف يكتسب حصانة إن صدر عن صاحب سلطة، ومن هنا يبدأ الخلل ويكون واضحا، إذ يصبح العقل تابعاً، ويُرفع الإنسان فوق المعنى الذي يحمله.

الفلسفة منذ بداياتها قامت على تحرير الفكرة من سطوة الاسم، سقراط لم يكن صاحب منصب، غير أن أسئلته هزت أثينا، كان يسأل ما العدل؟ ما الفضيلة؟ ولم ينتظر ختماً رسمياً كي يُفكر، لذلك خاف منه من اعتادوا الطاعة الفكرية، لأن السؤال يُربك البنية الصلبة للسلطة غير الخاضعة للنقاش.

وسبق أن قال الإمام الشافعي «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب»، عبارة تؤسس لأخلاق معرفية راقية، اعتراف بحدود الذات، وفتح باب للمراجعة، أما تقديس الأشخاص فيغلق الباب، ويمنح الرأي صفة العصمة، فيتعطل التطوير، ويتراكم الخطأ تحت غطاء الهيبة.

كذلك في المؤسسات، يظهر هذا الخلل بوضوح، موظف يملك رؤية تطويرية عملية، فيتردد لأن صوته لا يحمل لقباً إدارياً رفيعاً، وباحث يقدم قراءة جديدة، فتُقابل بتحفظ لأن اسمه غير متداول، وهكذا تُقصى الحلول، وتُؤجل الإصلاحات، ويتضخم العجز، فالمشكلة لا تكمن في نقص الأفكار، وإنما في ثقافة تفرزها وفق التسلسل الهرمي لا وفق جودتها.

كما أن ابن خلدون أشار إلى نزوع البشر إلى تقليد الغالب، هذا الميل مفهوم من زاوية نفسية، غير أن استمراره دون وعي يُنتج تبعية فكرية طويلة الأمد، فالتبعية تمنح راحة مؤقتة، لا حاجة للبحث أو التمحيص، يكفي الاتكاء على مكانة المتكلم، غير أن ثمنها باهظ، لأن المجتمع يفقد تدريجياً قدرته على النقد الذاتي.

فالاحترام قيمة أصيلة، غير أن تحويله إلى حصانة يفضي إلى الجمود، فالحكمة تقول «الحكمة ضالة المؤمن» أي أنها تُلتقط من أي مصدر، دون تفتيش في بطاقة تعريف صاحبها، والفكرة تُختبر بنتائجها، بأثرها، بقدرتها على حل المشكلة، هذا هو المعيار العادل.

فالنهضة تبدأ من إعادة ترتيب الأولويات العقل أولًا، ثم الاسم، الحجة أولًا، ثم المكانة، عندها ينمو التفكير الحر، وتتسع مساحة الحوار، ويصبح الاختلاف ثراءً لا تهديداً، أما الإصرار على تقديم الألقاب على العقول، فيُراكم التراب فوق الأكتاف، ويُثقِل المسير، ويُربك المستقبل.

فالسؤال الذي يواجه كل مجتمع اليوم واضح، هل نبحث عن الفكرة الصحيحة، أم عن صاحب اللقب اللامع؟ الجواب يحدد شكل الغد، فالأمم التي تُعلي قيمة العقل تُشيّد حضارات، وتُنتج معرفة، وتُراجع ذاتها بشجاعة، أما الأمم التي تُقدّس الأسماء على حساب المعنى تظل تدور في حلقة مفرغة، تنتظر منقذاً يحمل لقباً جديداً، بينما الحل كان حاضراً في فكرة صادقة خرجت من عقل حر.

مساحة إعلانية