رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تتشكّل أزمات المؤسسات في العمق، في مساحة لا تلتقطها المؤشرات السريعة ولا تنقذها حملات العلاقات العامة، فالتجربة العملية عبر عقود من الإدارة تؤكد أن الانشغال بالمشهد التنظيمي يسبق غالبًا تراجع المعنى، فهناك مؤسسات كثيرة امتلكت لوائح محكمة وخططًا متقنة، ومع ذلك تراجع أداؤها وتآكلت ثقة العاملين فيها، فالدليل لا يأتي من التنظير، ولكن من الواقع الذي يكرر النتيجة نفسها، فالصورة لا تصنع أثراً مستداماً. البيانات الميدانية تدعم هذا الاستنتاج. تقارير معروفة في سلوكيات العمل تشير إلى ارتباط مباشر بين جودة القيادة وارتفاع الإنتاجية والانتماء الوظيفي، مقابل تراجع واضح في البيئات التي تهيمن فيها الإدارة الإجرائية الصارمة دون تمكين أو وضوح غاية، فالمنظمات التي تركز على الامتثال وحده تسجل معدلات دوران أعلى، وتغيب فيها المبادرة، ويتسع فيها الفاصل بين القرار والتنفيذ، هذا نمط متكرر، لا استثناء عابر. فالمظهر الإداري يمنح شعورًا بالضبط، غير أن الضبط وحده لا يقود إلى إنجاز ذي قيمة، كثرة الاجتماعات، وفرة التقارير، وتعدد اللجان قد تخلق حركة كثيفة دون اتجاه، فالبرهان يظهر في مؤسسات خففت الإجراءات ورفعت مستوى التفويض فحققت نتائج أفضل بزمن أقل وتكلفة أدنى، فالتجربة اليابانية في تحسين الجودة الشاملة قدمت مثالًا واضحاً وهو التركيز على تمكين العاملين وتحسين العمليات من الداخل رفع الجودة وخفض الهدر، دون ضجيج تنظيمي. ولذلك جوهر الإدارة يبدأ من فهم الإنسان ودوافعه، والأبحاث في علم الإدارة السلوكية تؤكد أن الثقة والعدالة تسبقان الحوافز المادية في تأثيرهما على الأداء، والقيادة التي تنظر إلى العامل بوصفه شريك أثر تحصد التزاماً أعمق، فالقائد الحكيم ينجز العمل فيقول الناس أنجزناه، هذا القول يجد صدقه في مؤسسات نجحت عبر بناء ثقافة مشاركة لا ثقافة أوامر. وأما اعتماد الشكل معيارًا للنجاح يقود إلى انحراف الغاية، تُحتسب الإنجازات عبر مؤشرات سهلة القياس، بينما الأثر الحقيقي يتراجع، التاريخ الإداري يقدم شواهد عديدة على مؤسسات أبهرت الأسواق في البداية ثم انهارت مع أول اختبار، بسبب قرارات اتخذت لحماية المواقع لا الرسالة، كما قال عثمان بن عفان رضي الله عنه «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، والسلطان المقترن بعدل يخلق التزاماً واعياً، أما السلطان المجرد فيصنع خوفاً قصير العمر. فالاختبار الأخلاقي يكشف عمق القيادة، طريقة التعامل مع الخطأ، أسلوب توزيع الفضل، شجاعة المراجعة، هذه عناصر تحدد مصير المؤسسة، وكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه «من نصب نفسه للناس إمامًا فليبدأ بتعليم نفسه»، فالقيادات التي بدأت بالمحاسبة الذاتية بنت ثقة مكّنتها من قرارات صعبة حافظت على الاستدامة. فخبرة الإدارة الحديثة تؤكد أن القرارات المنفصلة عن السياق تفشل، مهما بلغت دقتها التقنية، فأخطر القرارات تلك التي تُتخذ دون فهم عميق للسياق، والسياق يشمل الثقافة، والتاريخ التنظيمي، وتوقعات الناس، وأثر القرار بعيد المدى. الخلاصة واضحة ومدعومة بالبرهان، بأن الإدارة فعل أخلاقي ومعرفي قبل أن تكون ممارسة تنظيمية، وتقديم المعنى يرفع الأداء ويصون الثقة، وتقديم الصورة يمنح نجاحاً مؤقتاً سرعان ما يتلاشى، الواقع شاهد، والتجربة حَكم، ومن أراد أثرًا باقياً فعليه أن يقود الجوهر قبل أن يزين الشكل.
345
| 26 يناير 2026
أين المسؤول؟ سؤال يتصدر المشهد الإداري ويحرج الإدارة كلما تعطلت المعاملات، أو تكررت الأخطاء، أو غابت الإجابات، هذا السؤال لم يعد همسًا داخلياً بين الموظفين وغيرهم، وإنما أصبح عنواناً لمرحلة كاملة من التساؤل حول جدوى الإدارة، وفاعلية القيادات، وقدرة المؤسسات على مواكبة الواقع المتسارع. فالمشكلة لا تتعلق بنقص أنظمة أو موارد، فالكثير من المؤسسات تمتلك لوائح متقدمة وخططاً طموحة وهياكل تنظيمية أنيقة، وانما الإشكالية الحقيقية تظهر في غياب القرار، وضعف المتابعة، وتراجع الحضور القيادي في اللحظات المفصلية، فالإدارة التي تكتفي بالمشاهدة من بعيد تترك فراغاً إدارياً سرعان ما يتحول إلى ارتباك، ثم إلى تراجع في الأداء، ثم إلى فقدان ثقة يصعب استعادته. في بيئات العمل، الموظف لا يبحث عن شعارات، بقدر ما يبحث عن اتجاه واضح، يريد أن يعرف من يقود، ومن يقرر، ومن يتحمل المسؤولية عند الخطأ قبل الإنجاز، فغموض الدور القيادي يدفع الفريق إلى الاجتهاد الفردي، ويخلق تبايناً في القرارات، ويحول العمل المؤسسي إلى جزر معزولة، فالعمل بلا قيادة واضحة استنزاف جماعي. فالمسؤول الذي يتردد في الحسم، أو يؤجل القرار، أو يكتفي بالتفويض دون متابعة، يراكم المشكلات دون أن يشعر، وكل ملف مؤجل يتحول إلى عبء، وكل توجيه غير مكتمل يفتح باب التأويل، وكل صمت إداري يُفسر على أنه غياب اهتمام، فالإدارة الحديثة لا تُدار بالمسافات، بل بالحضور الذكي والقراءة الدقيقة لما يجري على أرض الواقع. والأكثر خطورة أن بعض البيئات الإدارية تطلب الإنجاز دون توفير دعم، وتطالب بالالتزام دون وضوح، وتطبق المحاسبة دون معايير معلنة، في هذا المناخ يفقد الأداء معناه، وتضعف المبادرة، ويتحول العمل إلى روتين بلا روح، فالموظف يراقب السلوك القيادي يومياً، ويتأثر بالفعل أكثر من أي خطاب رسمي. فالمعادلة الإدارية الناجحة تبدأ بمسؤول حاضر، يسمع قبل أن يقرر، ويوجه قبل أن يحاسب، ويتابع قبل أن يلوم، فحضور المسؤول لا يعني التدخل في كل صغيرة وكبيرة، ولكن يعني ضبط الإيقاع العام، وحماية الاتجاه، وضمان العدالة، وربط الصلاحيات بالنتائج، القيادة هنا ممارسة يومية وليست صورة في الهيكل التنظيمي. لذا فالحل يتطلب شجاعة إدارية تعيد تعريف الدور القيادي، وتربط المنصب بالأثر، وتحول المسؤول من مراقب إلى قائد فعلي، كما يتطلب بيئة تسمح بالتغذية الراجعة، وتدعم التطوير، وتكافئ الجدية، وتعالج الخلل في وقته. سؤال أين المسؤول؟ سيبقى مطروحاً ما دام الأداء متعثراً، وسيتوقف فقط عندما يصبح الجواب واضحاً في القرارات، وفي الحضور، وفي النتائج، فالمؤسسات التي تفهم هذا السؤال مبكراً تحمي نفسها من التآكل الإداري، وتبني مستقبلًا أكثر اتزاناً وثقة وقدرة على الاستمرار.
609
| 29 ديسمبر 2025
عندما نرى واقع الإدارة سوف نجد انها تبدأ من الإنسان، والتي يفهمها الإنسان قبل النظام من خلال فهم مشاعره واحتياجاته، قبل أي أنظمة أو تقارير، فالموظف يمثل جوهر العمل، والقرار الإداري الذي يُراعي ظروفه يعكس مدى احترام المؤسسة له ويخلق بيئة خصبة للإبداع والالتزام، وحين يشعر الفرد بأن جهده مقدَّر، وأن صوته مسموع، يتحول العمل من مهمة يُنجز إلى مشاركة حقيقية في صنع النجاح، وسبق ان قيل، «عامل الناس كما تحب أن يُعاملوك»، وهذه قاعدة لكل إدارة تسعى لتوليد حافز داخلي مستمر. فالفرق يظهر في تفاصيل الحياة اليومية، المدير الذي يركز على الأرقام فقط، ويتجاهل الجهد المبذول، يُولد ضغطًا نفسيًا يضعف الروح المعنوية، أما القائد الذي يقرأ المشاعر ويقدّر ظروف الفريق، فإنه يحفز الانتماء، ويحول الالتزام إلى طاقة طبيعية، فالإدارة الذكية تدرك أن الموظف يحتاج تقديرًا مستمرًا، ووضوحًا في التوجيه، وتقدير الجهد قبل مراجعة النتائج. اما الجانب النفسي للموظفين يمثل أداة استراتيجية، فالضغوط المفرطة تؤدي إلى الإرهاق الوظيفي، والتجاهل يولد الاحتقان وفقدان الحافز، والتواصل المستمر والاستماع الفعّال وتقديم التغذية الراجعة الإيجابية تخلق بيئة آمنة ومحفزة، وكما جاء في الحكمة، «الكلمة الطيبة تفتح الأبواب المغلقة»، فتقدير الجهد اليومي يبني مؤسسات قوية ومستقرة. كذلك العدالة والشفافية عنصران أساسيان في الإدارة الإنسانية، الموظف الذي يرى تطبيق المعايير بوضوح يشعر بالطمأنينة، وتصبح الأنظمة أدوات داعمة لتحقيق الهدف، فالمؤسسات التي تراعي الإنسان قبل النظام تتمكن من تحقيق نتائج مستدامة، وتقلل الاحتكاكات الداخلية، وتزيد الالتزام. كما ان الإدارة الإنسانية أداة استراتيجية لمواجهة تحديات العصر، فالمؤسسات الحديثة تحتاج إلى ابتكار مستمر وتعاون فعّال، وكل هذه العناصر تنشأ من بيئة تراعي احتياجات العاملين، وتستمع إليهم قبل إصدار القرارات. القائد يصبح مرشدًا وداعمًا، يصنع الفرق الحقيقي بين النجاح الدائم والنتائج المؤقتة. في الختام، الإدارة التي يفهمها الإنسان قبل النظام تزرع الثقة والانتماء، وتزيد الإنتاجية، وتخلق بيئة محفزة للإبداع. الأنظمة وحدها لا تصنع النجاح، لكنها تكتسب قيمتها حين تُوظف في سياق احترام الإنسان وتقدير جهده، فالنجاح الحقيقي يبدأ حين تُدار القلوب قبل الملفات، فالإدارة بهذا المستوى تحول المؤسسات إلى فضاءات تنمو فيها الإنسانية والإبداع، وتترك أثرًا يدوم.
576
| 22 ديسمبر 2025
دعونا نتحدث اليوم عن الإدارة كما ينبغي أن تُفهم، لا كما يتخيلها البعض خاصة من يحصرها في إصدار القرارات العشوائية، والأوامر والتوجيهات، وحب الظهور والتصوير والشاشات، فحين يفقد القرار روحه، وتتحول الإدارة إلى صمت متضخم يبتلع الحقيقة، يبدأ الانحدار الخفي الذي لا يراه أحد في بدايته، فالمؤسسات لا تسقط دفعة واحدة، إنما تنحدر قطرة بعد أخرى، عندما يتقدم الشكل على المضمون، ويتحول المكتب إلى جدران مزخرفة تخفي خلفها عقلاً جامداً لا يلتقط أي إشارة تحذير، ولا يفقه المعنى الحقيقي للإدارة، فكل خبرته ومفهومه لها هو كرسي مزخرف، عندها تتآكل الفكرة، ويتراجع الإبداع، وينطفئ الحماس، ويظهر أول شرخ في جدار العمل.. فالمأساة الحقيقية تبدأ من عقل إداري يعيش خارج الزمن، لا يسمع نبض الواقع، ولا يفهم حركة التغيير، ولا يدرك طبيعة الإنسان، عقل يتعامل مع الموظفين كأدوار صامتة، ومع القرارات كخطوط نهائية، ومع المستقبل كنسخة مكررة من الأمس، ومع كل خطوة خاطئة ينهار جزء من المؤسسة، فتتحول إلى جسد كبير يتحرك بدافع العادة فقط، دون روح أو نبض أو بصمة.. .. وتبدأ المؤسسة بالترنّح حين تغيب العدالة وتظهر المحاباة، وحين تضيع الجهود ولا تجد من يلتقطها، فالقرار غير النزيه لا يجرح فرداً واحداً، إنه يفتح باباً للضعف، ويمنح الرداءة مساحة لا تستحقها، والظلم الإداري خنجر يطعن يومياً، يدفع الأكفأ للرحيل، ويفتح الباب لغير المؤهلين، ويقلب موازين الكفاءة رأساً على عقب .. المدير الذي يتشبث بالأضواء يُطفئ أضواء فريقه، والذي يحتكر مساحة الإنجاز يخلق فراغاً قاتلاً في مؤسسته، وقد قال العرب،» من احتكر المجد، عاش وحيداً «.. ومع كل خطوة خاطئة تتسع الفجوة بين الواقع والطموح، ويتحول العمل إلى حمل يومي ثقيل، حتى تصل المؤسسة إلى مرحلة العجز، هنا يبدأ الانهيار الحقيقي. أما الإدارة التي تُنقذ المؤسسات، فهي الإدارة التي تفهم قبل أن تحكم، وتستمع قبل أن تتكلم، وتُشرك قبل أن تُقرر، إدارة تُقدّس قيمة الإنسان، وتتعامل مع العدالة كشرط أساسي، وتعرف أن الفريق هو رأس المال الأول، وقد جاء في الأثر،»ما ارتفع قوم إلا برجل فهم قيمة الناس» .. وحين تعود الإدارة إلى هذا الفهم، تعود الحياة إلى المؤسسة، ويشرق القرار، ويشتعل الحماس في القلوب، فالمستقبل يُبنى بعقل يرى، وضمير ينصف، وقائد يحيي المؤسسة من داخلها قبل خارجها.. وما بين السقوط والنهضة خيط واحد، يلخصه القول الحكيم،“من أصلح رأسه، صلح الجسد كله»
567
| 24 نوفمبر 2025
مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب...
15147
| 08 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة،...
1623
| 10 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع...
825
| 10 فبراير 2026
لقد طال الحديث عن التأمين الصحي للمواطنين، ومضت...
624
| 11 فبراير 2026
يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة حالة مزمنة...
561
| 09 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة...
534
| 12 فبراير 2026
منذ إسدال الستار على كأس العالم FIFA قطر...
516
| 11 فبراير 2026
لم يعد هذا الجهاز الذي نحمله، والمسمى سابقاً...
504
| 09 فبراير 2026
لم يكن البناء الحضاري في الإسلام مشروعا سياسيا...
483
| 08 فبراير 2026
يستيقظ الجسد في العصر الرقمي داخل شبكة دائمة...
444
| 10 فبراير 2026
الثاني من فبراير 2026م، ليلة النصف من شعبان...
423
| 09 فبراير 2026
تشهد ساحات المحاكم في الآونة الأخيرة تزايدا ملحوظا...
390
| 09 فبراير 2026
مساحة إعلانية