رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سلطان الهاجري

- محاضر وباحث في الإدارة والأداء المؤسسي

مساحة إعلانية

مقالات

369

د. سلطان الهاجري

في الأزمات يسقط القناع ويتكلم الفراغ

29 مارس 2026 , 03:27ص

عندما نعيش واقعنا اليوم تجد أنه في لحظة واحدة، يهتز كل شيء، ولا يظهر ما حدث فقط، بل يظهر من نحن، فالأزمة لا تفتح ملفات الواقع وحده، تفتح ملفات العقول، وتكشف ما كان مخفياً خلف هدوء الأيام.

فجأة، تمتلئ الساحة بأصوات لا تُحصى، كل شخص يتحدث، كل شخص يفسر، كل شخص يدين، كل شخص يبرر، ومعظم هؤلاء ليسوا أصحاب اختصاص ولا هم من يقود الأزمة مع التقدير والاحترام للجميع وتجدهم لا انتظار، لا تحقق، لا عمق فقط اندفاع نحو الكلام، وكأن الصمت خسارة، وكأن التريث هزيمة.

المشهد يتكرر عبر الزمن بصورة لافتة، ويتحول الحدث إلى مساحة مفتوحة، ويتحول الناس إلى أطراف في نقاش متوتر، ويثار الرعب في المجتمع ويتحول الألم إلى مادة قابلة للتداول، وتتراجع الصورة الواضحة، وتتقدم تفسيرات سريعة تحمل انفعالاً أكثر مما تحمل فهماً.

في تلك اللحظة، يظهر جانب خفي في النفس، رغبة الحضور، والبعض لا يرى في الأزمة موقفاً يستدعي التأمل، يرى فيها فرصة للظهور، كلمة حادة تجذب الانتباه، حكم سريع يصنع تفاعلاً، نبرة مرتفعة تضمن الانتشار، وهكذا، يتحول المشهد من محاولة للفهم إلى سباق نحو الضوء.

يقال: إذا ظهر السبب بطل العجب، لكن العجب يزداد حين يغيب البحث الحقيقي عن السبب، وتتصدر ردود الفعل المشهد.

الأصوات ترتفع والعقول تنخفض، والكلمات تتكاثر والمعاني تتلاشى، وكلما زاد الضجيج، ابتعدت الحقيقة أكثر.

في عمق هذا المشهد، تتشكل حالة لافتة، الناس تسمع لترد، وتقرأ لتواجه، وتتحدث لتثبت حضورها، وهنا يفقد الحوار توازنه، وتتحول الكلمات إلى أدوات شد وجذب.

الأزمة بطبيعتها لحظة تحتاج إلى وعي عالٍ، لكن ما يحدث أن الاندفاع يسبق التفكير، والعاطفة تتقدم على الحسابات الدقيقة، ويتراجع الاتزان، ويُترك المجال لردود فعل سريعة لا تُدرك أثرها الكامل، ولهذا، قالوا الهدوء حكمة، والحكمة في مثل هذه اللحظات قيمة نادرة.

الكلمة في الأزمات ليست عابرة، الكلمة موقف، والكلمة أثر، والكلمة قد تغيّر مسار فهم كامل، قد تبني مساحة من الطمأنينة، وقد تزيد التوتر، وقد تترك أثراً عميقاً يصعب تجاوزه.

ومع ذلك، هناك من يتعامل مع الكلمة بخفة، ويطلقها دون تقدير كافٍ، ثم يمضي وكأنها لم تترك شيئاً، لكن الأثر يبقى ويتراكم ويتحول مع الوقت إلى وعي مشوش.

الأزمات لا تختبر الواقع فقط، ولكنها أيضاً تختبر الإنسان، هناك من يرتقي في لحظة التوتر، يضبط نفسه، يختار كلماته، يضيف وضوحاً وسط الضباب، وهناك من يندفع، يبالغ، يهاجم، ويثير الرعب في المجتمع ثم ينسحب تاركاً خلفه أثراً معنوياً لا يُرى بسهولة، لكنه يُشعر في كل تفاصيل المشهد.

وفي النهاية، يهدأ كل شيء، تخف حدة الأصوات، وتتراجع التفسيرات، ويعود الهدوء تدريجياً، لكن ما يبقى أعمق من الحدث نفسه طريقة التفكير حين وقع الحدث.

والسؤال الذي يفرض نفسه: عندما ارتفعت الأصوات واشتد التوتر هل كان حضورك إضافة للفهم، أم امتداداً للضجيج؟

مساحة إعلانية