رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سلطان الهاجري

- محاضر وباحث في الإدارة والأداء المؤسسي

مساحة إعلانية

مقالات

849

د. سلطان الهاجري

الموظف المنطفئ

16 فبراير 2026 , 03:19ص

أخطر ما يهدد المؤسسات اليوم لا يظهر في التقارير المالية، ولا يعلن نفسه في عناوين الخسائر الكبرى، فالخطر الحقيقي يسير في الممرات بهدوء، يجلس خلف المكاتب، يرد على الرسائل، ينجز ما يُطلب منه بدقة باردة، ثم يغادر دون أن يترك أثراً، إنه الموظف المنطفئ، ذلك الذي فقد شعلته الداخلية وبقي يؤدي دوره كواجب ثقيل لا كرسالة.

فالانطفاء لا يبدأ بيوم عابر، ولا ينشأ من تعب مؤقت، هو نتيجة تآكل بطيء في المعنى، فكل مرة يُهمش فيها رأي صادق، كل مرة تُقدم المجاملة على الكفاءة، كل مرة يُكافأ الصوت المرتفع ويُتجاهل الجهد الصامت، تتسع فجوة صغيرة في داخل الإنسان، ومع تراكمها، يفقد العمل قيمته الوجدانية، ويصبح الحضور شكلياً، والإبداع مغامرة غير آمنة.

الموظف لا يطلب امتيازاً خارقاً، يطلب عدالة واضحة، ومعياراً ثابتاً، وبيئة تُشعره بأن جهده يُرى، فالحكمة تقول العدل أساس الملك، والعدل أساس الاستقرار المهني كذلك، فغياب العدالة يزرع الشك، والشك يطفئ الحماسة، والحماسة هي روح الإنتاج، وفي بيئة يغيب فيها الإنصاف، ينسحب الإنسان داخلياً قبل أن ينسحب رسميًا.

هناك إدارة تُدير المهام، وهناك قيادة تُدير المعنى، الأولى تنشغل بالأرقام، والثانية تنشغل بالإنسان الذي يصنع الأرقام، فالمؤسسة التي تكتفي باللوائح تفقد القدرة على الإلهام، ومع الوقت يصبح النظام شبكة تُقيّد بدل أن تنظم، فالقائد الواعي يدرك أن الرقابة لا تصنع ولاء، وأن الثقة تولد مسؤولية أعمق من أي تعليمات مكتوبة.

فمن أخطر أسباب الانطفاء ثقافة الخوف، الخوف من الخطأ، من السؤال، من المبادرة، في مثل هذه البيئة، يختار الموظف السلامة، ويقلص طموحه إلى حدود الأمان، الإبداع يحتاج شجاعة، والشجاعة تحتاج أماناً نفسياً، من دون هذا الأمان، تتحول المؤسسة إلى مساحة أداء صامت، خالٍ من الروح، وسبق ان قيل ابن الظلم مؤذن بخراب العمران، والظلم الإداري مؤذن بخراب الطاقات.

فالانطفاء لا يضر الفرد وحده، يمتد أثره كعدوى صامتة، فريق كامل يتعلم الصمت، ويتبنى عقلية الحد الأدنى، ويستبدل الطموح بالحذر، ومع مرور الوقت، تتراجع جودة القرارات، وتتقلص المبادرات، ويصبح التطوير شعاراً يُرفع في الاجتماعات ويغيب في الواقع، فالمؤسسة التي لا تسمع نبض موظفيها تفقد بوصلتها تدريجياً.

لذلك فإن استعادة الشغف لا تحتاج حملات دعائية، تحتاج مراجعة صادقة ومعيار واضح للترقي، وتقدير علني للإنجاز، ومساحة حوار حقيقية، وتدريب يرفع الكفاءة، وقائد يرى الإنسان قبل المنصب، فالموظف يشتعل من جديد عبر معنى يشعر به، وعدالة يلمسها، وثقة تُمنح له دون منّة.

فالقضية اليوم أعمق من رضا وظيفي، إنها مسألة بقاء مؤسسي، مؤسسة تضم موظفين منطفئين تحمل داخلها هشاشة كامنة، مهما بدا هيكلها متماسكاً، وفي زمن تتسارع فيه المنافسة، تبقى الطاقة الإنسانية أعظم رأس مال ومن يحسن رعايتها يحصد الولاء والإبداع، ومن يهملها يواجه خسارة تبدأ بصمت وتنتهي بندم.

 

اقرأ المزيد

alsharq فرائس الاتصال المرئي

منذ سنوات، ومنصات التواصل الاجتماعي تدفع المحتوى المرئي إلى الواجهة على حساب المكتوب، ظهرت منصات كاملة مبنية على... اقرأ المزيد

135

| 21 أبريل 2026

alsharq قطر والأردن.. علاقات لا ترسم بالكيلومترات

لعلك تظن أنني حين أقول إن الأمة الإسلامية والعربية عامة والأردني في طليعتهم يحمل من الود والقرب والألفة... اقرأ المزيد

132

| 21 أبريل 2026

alsharq ترنيمة الإنكسار والنهوض

إن من مقتضيات النبل، ومن شواهد استنارة البصيرة، أن يُسلّم المرء لعوارض البشرية وما يعتريها من وهن فطري،... اقرأ المزيد

129

| 21 أبريل 2026

مساحة إعلانية