رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد أكثر من عشرة أيام على انطلاق (عاصفة الحزم) كعمليةٍ عسكرية شاملة تهدف إلى إنقاذ اليمن من التفكك، ودعم الشرعية فيها، وإنقاذها من الفوضى، آن الأوان للحديث عنها بمقاربةٍ أخرى نعتقد أنها في غاية الحساسية.
فمن المؤكد أن العالم عاش في القرن الماضي، على الأقل، تجارب مشابهة لهذا الحدث لأسباب مختلفة. لسنا هنا في معرض الحديث عن الأسباب وإنما النتائج. فقد تراوحت نتائج تلك التجارب بين ثلاثة احتمالات: فإما أنها حققت الهدف المباشر المُراد منها حصراً دون زيادة أو نقصان، أو أنها طَالَت لأمدٍ غير مرغوب بشكلٍ بات يحمل شيئاً من العبء والاستنزاف، أو أنها أصبحت نواة منظومةٍ إقليمية، وأحياناً عالمية، جديدة على المستوى الاستراتيجي.
ثمة احتمالٌ قوي على أن من خطط لـ (العاصفة) أخذ هذه الاحتمالات بعين الاعتبار. والمؤشرات متوافرة على إرادة الوصول إلى تحقيق النتيجة الثالثة. لكن هذا لايلغي ضرورة شرح المسألة بدرجةٍ من التفصيل ليُدرك القارىء العربي الدلالات بعيدة المدى للموضوع، ولايسقط في فخ انتظار نتائج سحرية سريعة. والأهم، ألا يقع فريسةً لآلة الدعاية الإعلامية للحوثيين ومَن وراءهم، من خلال البحث بأي طريقة عن (انتصارات إعلامية) لها أثرها النفسي، ومن ثم العملي، على الجميع سلباً وإيجاباً.
هذا أمرٌ في غاية الأهمية لأن هناك زخماً شعبياً عربياً متزايداً، على المستويات النفسية والفكرية والعملية، ينتظر ويترقب بلهفة، في اللاوعي أغلب الأحيان، نقلةً استراتيجيةً كبرى تترتب على (العاصفة).. وخطورةُ هذا العامل تتمثل بدورها في أن الزخم المذكور سيكون هو (الحاملة) الجماهيرية الكبرى المطلوبة للترتيبات القادمة التي تهدف لـ (تصحيح) أوضاع المنطقة تدريجياً على مختلف المستويات..
إذ لم يحدث أن نالَ قرارٌ (رسمي) عربي هذا القدر من الشعبية الجماهيرية منذ أمدٍ طويل، هذا إن حصلَ مثلُ ذلك أصلاً. بمعنى أن ثمة فرصةً، استراتيجيةً أيضاً، لردم فجوةٍ في غاية الخطورة لم تفتأ تتسع بين الحكام والشعوب في عالمنا العربي منذ مرحلة الاستقلال عن (الاستعمار).
من هنا، ينبغي، أولاً، وضعُ الإنسان العربي في صورة الحدث بمراحله وأبعاده ومقتضياته المُعقدة. فضلاً عن تأكيد العناصر المطلوبة لانتقال (عاصفة الحزم) من كونها تكتيكاً عسكرياً محدد الأهداف، إلى أن تُصبح (نواة) المنظومة الإقليمية الجديدة التي تعيد تغليب المصلحة العربية، في وجهِ ماكان، ولايزالُ، يُرادُ لها من تغييبٍ وإلغاء.
فعلى الصعيد الداخلي في اليمن، تمتد دائرة العمل المطلوب لتشمل تنظيم صفوف الشرعية السياسية والعسكرية بكل أنواعها، بمختلف السبل والوسائل المعروفة في عالم السياسة.. وبحيث يتم، وفق جدولٍ زمنيٍ محدد، إضعاف قوة الحوثيين العسكرية، وكسر تحالفاتهم السياسية والقبلية، وإيقاف كل سبل إمدادهم الداخلي والخارجي، وهزيمتهم في الحرب الإعلامية النفسية، وصولاً إلى محاصرتهم شيئاً فشيئاً بحيث يدركون، دون تردد، أن خيارهم البديل للإلغاء الكامل، في حال إصرارهم على ممارساتهم المرفوضة كلياً، ينحصر في القبول النهائي والموثق للحل السياسي الذي يُبقي لهم دوراً يقتصر علي تمثيل حجمهم كجزء من اليمن الموحد، بعيداً عن أوهام السيطرة وأحلامها.
أما على الصعيد الإقليمي، فمن الواضح تماماً، باستقراء الأحداث والمعطيات الدقيقة.. أن القيادة السعودية تُمارس درجةً عالية من الحكمة وضبط النفس تجاه قرارات وتصرفات غير مدروسة قصيرة المدى في حساباتها من قبل بعض الأطراف. رغم هذا، يبدو أن أهمية الموضوع تدفع المعنيين في تلك القيادة لإرسال رسائل، غير مباشرة، تتعلق بأهمية وحساسية (ضبط) الصف الإقليمي وانسجام مواقفه.. أولاً وقبل كل شيء، لأن هذا يحقق مصالح الجميع استراتيجياً على المدى المتوسط والبعيد، وهي مصالح ستتأثر سلباً حالَ الإصرار على الحسابات القصيرة. هذا أمرٌ بات يجب أن يُفهم، وأن تأتي القرارات والممارسات بجميع مستوياتها وأنواعها مستجيبةً لمقتضياته.
هناك، بعد هذا، عنصرٌ هام لتأمين النقلة التي نتحدث عنها، تتمثل في العمل الحثيث، سياسياً، وثقافياً وإعلامياً واقتصادياً واجتماعياً، لاستغلال فرصة (الالتحام) الرسمي / الشعبي الراهنة، عبر رسم سياسات مُبتكرة ومُبدِعة جديدة، تتمحور حول توسيع فرص المشاركة الشعبية في صناعة القرار السياسي، وإشاعة معاني الشفافية والمسؤولية، والتوزيع العادل للثروة، وتأكيد العمل الفعال والحقيقي في مجال التنمية الشاملة للأوطان. فالواضحُ بالاستقراء السياسي، أن ثمة (نافذة فرصة) أخرى فَتَحتَها التطورات في هذا المجال. وأصبح ممكناً جداً، في حال وجود الإرادة السياسية والإبداع في الفكر السياسي، تجاوزُ مأزق المفارقة النهائية بين الحاكم والمحكوم وحتمية الصراع بينهما. وتلك فرصةٌ قد يُثبت التاريخ أن تضييعها، فيما لو حدث، يمكن أن يكون أكبر خطيئةٍ في تاريخ العرب المعاصر المعقد، والذي لاتوجد كثير احتمالات لنوافذَ فرص استراتيجية فيه.
أخيراً، وعلى الصعيد الدولي، تبدو لحظة (عاصفة الحزم) تاريخيةً بكل المعاني. إذ تتزامن مع الحديث المتصاعد عن اتفاقٍ، بغض النظر عن تفاصيله، مع إيران. إلا أن من الواضح أنه يبقى استمراراً لـ (قرارٍ) من بعض القوى الدولية باعتمادها (الشريك) الأساسي في المنطقة، بما يبدو أنها قدمتهُ من ضمانات لمقومات شراكتها، من تدفق النفط إلى حفظ أمن إسرائيل. مروراً، وهذا الأهمﱡ حضارياً، بضمان المساهمة في تمزيق المنطقة سياسياً واجتماعياً وثقافياً، وبالتالي، إضعافها بشكلٍ مُقدﱠر وطويل المدى. وذلك بناءً على ماذكرنا سابقاً أنه قناعةٌ من تلك القوى بأن (الاختراقات) الإيرانية الأخيرة هي دليلُ قوةٍ إقليمية حقيقية لها، وبأن (إنجازاتها) علامةٌ نهائية على خروج العرب من اللعبة، على أساس فقدانهم الكامل للقدرة على المبادرة.
لامفر من أن تصبح (عاصفة الحزم) نواة منظومةٍ إقليمية جديدة. وإذا كان ثمة مؤشرات تدل على أن أصحاب العلاقة يعملون لتحقيق ذلك، فإن من واجب كل من يهمه الأمر المساهمة، بكل طريقة ممكنة، لترسيخ مقومات النقلة المطلوبة، وفرضِها لتصبح أمراً واقعاً على جميع المستويات، وفي أسرع وقتٍ ممكن.
توازن التهدئة وفرص السلام
برغم التحذيرات المبكرة التي صدرت عن دول مجلس التعاون الخليجي إلى أمريكا من مخاطر الانخراط العسكري المباشر إلى... اقرأ المزيد
117
| 24 مارس 2026
أنت لها يا سمو الأمير
يحق لي أن أكتب عنك اليوم بعد تردد، ليس لشيء سوى أن الحديث عن الأمراء والقادة عبر وسائل... اقرأ المزيد
378
| 24 مارس 2026
اللهم أخرجنا منها سالمين
أحدثكم اليوم من مكتبي وقد عدنا إلى مقار أعمالنا بعد أن أصدرت الأمانة العامة لمجلس الوزراء عودة العمل... اقرأ المزيد
120
| 24 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
2913
| 22 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.
1254
| 18 مارس 2026
ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال كل من حمل في قلبه خيراً فأضاءه، فهي تأنس بمن يأنس إليها، وتلين لمن يطرقُ بابها بعزمٍ صادقٍ، فتفتح مسالكها لمن جاء زارعاً مُعمراً لا عابراً مجتازاً فحسب، وتستقبله هاشةً باشة، وكأنما تُكافئه جزيلاً على سلامة النية، وصفاء المقصد. ثم لا تلبث أن تلاعبه قليلاً لتمتحن شدّة صبره، وتختبر حقيقة جَلده، فيقف عند مفارقها لحظاتٍ يتبيّن فيها مقدار ما في صدره من احتمالٍ وثبات. وفي تلك المداورة الخفيّة تتجلّى معادن النفوس، وتنكشف سرائر الصدور، فمن وثق عزمه ازداد رسوخاً، ومن لانَ ساعده تعلّم من العثرة ما يقوّي خطوه في المرة القادمة. وكأن الحياة في هذا الامتحان لا تريد إلا أن تُظهر خبيئة المرء لنفسه، ليعرف موضع قدمه في دروبها، ومقدار ما يملك من صبرٍ على مسالكها الوعرة. فإن اجتاز.. تباهت به، وكأنها ترفع ذكره بين تجاربها، وتشهد له بأنه ممن صدقوا المسير ولم يهن لهم عزم. وإن علق في بعض منعطفاتها أعطته كرّات أخرى، تُمهله ليعيد المحاولة، ويستنهض الخطوة، ويستأنف السير بعزمٍ أشد وبصيرةٍ أوسع. وهكذا تبادله ودًّا بود، وإقداما بإحجام، في علاقةٍ خفيّة تتوازن فيها الخطوات بين الدفع والتريّث، وبين الجرأة والحكمة. ويمضي الإنسان في هذه المداولة الطويلة، تكرّ به الأيام وتفرّ، وهو يقطع فيافيها وقفارها، عابراً مسالكها البعيدة، متجاوزاً مفازاتها المترامية، حتى يبلغ واحاتٍ يهدأ عندها، ومستراحاتٍ يستردّ فيها أنفاسه. فلا يلبث أن يُدرك أن كل ما قطعه من مسافات كان جزءاً من الطريق إلى تلك السكينة، وأن كل اختبار مرّ به كان درجةً في سلّم النضج والاتساع. لحظة إدراك: هكذا تتبدّى الحياة في وجهها الأصدق: ميدانٌ رحب لمن أحسن قصدها، ورفيقُ مسيرٍ لمن أقبل عليها بنيّة الإعمار والسعي، فليست هذه سوى بتلك !
927
| 17 مارس 2026