رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عندما تخرج الشمس من جفن الشرق كل صباح تخرج معها تلك الأنيقة الجميلة مكتسية بحللها الملونة، جامعة رحيق فكر العقول، ونبض ومشاعر القلوب لتقدمه مع كل الحب لقارئ هو دائما معها على ميعاد، اليوم وقد احتفلت الشرق بيوبيلها الفضي أراني التفت إلى مسيرة طويلة قطعتها الشرق منذ ولدت لتنمو، وتكبر، بجهود التجويد، والتطوير، والأفكار، فكل كاتب يضع في مقاله شيئا من ذاته وقد التحم ببيته "الشرق" فصار يهديه أجمل ما فيه.
ظروف خاصة منعتني من تلبية دعوة الشرق للاحتفال بربع قرن من العطاء المثمر، فلقاء الزملاء سرور بكل تأكيد، لكن الظروف لا تمنع من إهداء أجمل مشاعر الود، وأطيب أمنيات النجاح لتلك الجميلة التي تشغلنا دوما، وتسعدنا أبداً بطلتها اليومية، لا تدري الأوراق الطالعة يوميا برائحة الخبز الطازج ممهورة باسم "الشرق" أنها بعد هذه العقود وبيوم احتفالها أعادت شريط الذاكرة إلى أكثر من ثلاثة وعشرين عاماً، حيث كتبت ألفا ومائتين وعشرين مقالاً وزيادة، ياه ركض العمر، هل كتبنا كل هذه السنوات، هل التزمنا كل هذه السنوات، هل فاض القلب بخواطره وهمساته وربما أناته كل هذا الوقت؟ نعم كل هذا الوقت! اليوم تركض الذاكرة إلى زمان إلى بعيد لأتأمل حصاد السنين، وأجد بعد قليل تأمل أنه يجب أن أسدي شكراً جزيلاً للشرق العزيزة، فأنا مدينة لها بالكثير، فهي البوابة التي دخلت منها كي يتمرس القلم، ويشتد عوده، لأصدر كتابين (شبابيك) ومجموعة قصصية (ديسمبر الدافئ) وكانت البوابة التي منها دخلت إلى عضوية اتحاد كتاب مصر، وهي البوابة التي منها دلفت إلى الكتابة بأعرق إصدارات مؤسسة الأهرام المصرية حيث (مرافئ) مجلة الشباب الشهيرة، ولها الفضل لأن أكون المراسلة الصحفية لأكثر من شباك أدبي وإصدار بالكويت، تدرب القلم وهمى بمعطيات رجفاته يوما بعد يوم في ظل رعاية (الشرق) وإدارة محترمة لم تفرق يوما بين مواطن ومقيم بين كاتب محلي وكاتب مقيم، حتى أن ذاكرتي لا يمكن أن تنسى قول أحد الرائعين القائمين على رعاية الكلمة (إن أي إبداع يولد على أرض قطر بصرف النظر عن جنسية الكاتب هو إبداع قطري).
ثلاثة وعشرون عاماً مضت تعود الآن بكل ما كان فيها لأرد الفضل لأصحابه، شكراً للإدارات المتعاقبة ولكل جهودها الطيبة، شكراً لكتيبة البدايات التي حملت أعباء التأسيس، شكراً للإدارات المختلفة، وللأقسام كلها على جهود نصب عينيها أمل مرتجى أن تكون الشرق هي الأبهى، رحم الله الذين تركوا لمساتهم وسافروا إلى ربهم تاركين فينا شيئا من أنفاسهم المخلصة لتكون الشرق هي الأجمل، شكراً لجل من أحب الشرق بيتا وتكوينا، فمنحها حبا لا يمكن المساومة عليه، ولا التخلي عنه، شكراً جزيلاً للشرق الجميلة التي عرفت من خلال الالتصاق الحميم مع أوراقها معنى الكلمة عندما تصبح ظلا، وفرحا، وريحانة، ومظلة، ووردة، كيف تكون أنة مظلوم سمعها مسؤول فانصفه، أو شكوى مكروب التقطها من يعنيه الأمر ففرج الكرب بنبله الكريم الذي لا يريد حمداً، ولا ثناءً، ولا شكوراً، شكراً للشرق باقة المشاعر المزهرة دوماً، الظليلة أبدا، المتألقة دائماً، الطارحة وداً، وتعاطفا، وتكافلاً، ورحمة، فكم فرجت كروب معوزين، ومكروبين ومرضى، شكراً للشرق رسول المشاعر الضافية، المعقود لها لواء الحب في قلوب من يلمسها فلا يرى لها نظيراً، شكراً للشرق صاحبة رسالة التنوير.
* نعم أجمل ما في العمر ورقة تستقطر كل ما في أعصاب الروح من دفقات، وقلم طيع ينقل بيسر كل ما في النبض من كلمات.
* من جفن الشرق يتضوع كل يوم ما يكتب من القلب ليصل إلى القلب.
* * *
رجاءً عاتبوهم!
* في مقال الإثنين الفائت نوهت بضياع تسعة أطفال من ذويهم خلال الزحام الشديد في (دريم بارك) نتيجة للإهمال وعدم المتابعة، يوم الجمعة الفائت تكرر الأمر على الكورنيش الذي هو أصعب حالا من الحديقة المغلقة التي يمكن بعد جهد العثور على الأطفال بها هنا أو هناك، على الكورنيش وجدت طفلة ضائعة عمرها سنتان، لا تستطيع الكلام، ولا الإجابة على أي سؤال، من الوشم الموجود على معصمها عرفت أن اسمها (هايا) وأنها قد تكون باكستانية، لحظات وظهرت (مريم) طفلة ضائعة عمرها فوق العام بقليل، لم أجد بُداً من الاتصال بالشرطة، وصلت (الفزعة) ثم تلاها السيد منصور علي العجيدي من المباحث الفيدرالية، أخذ بيانات بطاقتي وسلمته الطفلة التي أسلمها بكاء ثلاث ساعات متتالية للنوم، قبل أن تتحرك سيارة الشرطة ظهر والد (مريم) سألته (إنت أبوها) قال نعم، قلت له أقسم بالله لو أني مسؤول بالشرطة ما سلمتك البنت إلا بعد القصاص منك ومعاقبتك بمحضر وغرامة نظير ألم هذه الطفلة المسكينة، قدر الرجل انفعالي ولم يرد بكلمة، ترك بياناته وانصرف، تحركت السيارة بالطفلة الثانية وأنا أتخيل حال ذويها بعد مرور ثلاث ساعات من فقدها تخيلت الهلع، والخوف، والبكاء، تخيلت الطفلة وقد استيقظت فلم تجد وجها تعرفه لتبكي بكاءها الذي فتتني، عدت إلى بيتي حزينة موجوعة، لم أنتظر حتى اليوم التالي لأطمئن عليها، في الحادية عشرة اتصلت بشرطة العاصمة فأفادني الملازم عبدالله الخاطر بأن الفتاة سُلمت لأهلها، ثم طمأنني الأخ منصور العجيدي بتسليم الطفلة لأهلها، زال كابوس وضيق عكر عليَّ جدا، ولأن الأمر متكرر أرفع رجائي للسادة المسؤولين بالشرطة بضرورة توقيع عقوبة رادعة على من يضيع طفله وإلزامه بغرامة مالية، وإقرار يتعهد فيه بعدم تكرار إهماله، وألا يترك أطفاله في رعاية خدم ينسون أطفالنا إذا ما اجتمعوا بجنسياتهم على الكورنيش ليلقى الأطفال آلاما مبرحة وقد ضاعوا في الزحام، الردع مهم جدا حتى لا تتكرر تلك الصور المؤلمة، ولا أنسى الشكر الجزيل لرجال (الفزعة) والبحث الجنائي لتعاونهم وجهودهم المقدرة لكي يعيدوا الأطفال التائهين إلى ذويهم.
* * *
طبقات فوق الهمس
* رسالة للسادة المسؤولين في (سباير)
لمحت مسنة ترفع أقدامها عن الأرض بصعوبة، تئن مع كل خطوة وهي تجاهد للوصول إلى مبتغاها بالحديقة، سمعتها تستأذن سائق عربة الخدمات المتنقلة أن يوصلها إلى حيث توجد أسرتها رفض، رجته، اعتذر، هنا أقترح على السادة المسؤولين أن يوفروا عربات لمثل هؤلاء المسنين بأجر يوضع في صندوق لخدمات الحديقة، بهذا يمكن أن نسعد فئة ولى منها الشباب، وأصبح المشي بالنسبة لها عذاباً مضاعفاً، أليس جميلاً أن نسعد إنساناً؟
* دق الهاتف بعد أذان الفجر بدقائق ضغطت على قلبي بيدي اسكت فوضى اضطرابه، أتحسب مع كل خطوة ناحية الهاتف البعيد لسماع خبر موجع يأتي من الوطن الحزين ليقول إن أحمد (أخاك) هو أول من سيلحق بأبويك، ألف خاطر يهزي، يركض، ألف لقطة لأحمد الذي لم يكن ليستقر في مكان، فهو دائما إما في عربة أو في قطار، دائماً مسافر، الآن حط الطير وقال طبيبه إن حالته سيئة جدا، إذن على الهاتف رسالة ستبلغني أن الطير حط وإلى الأبد، لكن تقدرون فتضحك الأقدار لم يكن على الهاتف ذلك الخبر الفاجع بل كانت صديقتي آمال تقول (إيه رأيك نطلع على الكورنيش نمشي) صرخت فيها (أي كورنيش وقعتي قلبي) لم تعقب أكملت (مش حتندمي أنا جايه) في الطريق لم يكن الظلام قد انقشع تماماً، رحت أتأمل معجزة ولادة النهار، والصبح يتنفس في آية من آيات الله، الشمس غارقة لم تزل في حمرة شروقها، والبحر يهدي الناس فتنة وجمالاً فوق القدرة على الوصف، شيئاً فشيئاً رحت استبين ملامح المكان، فوجئت بناس العيد يملأون الكورنيش، كل الأعمار، كل الجنسيات، عجوز يتوكأ على ذراع زوجته، (ويله حسن الختام) شباب يركضون في همة، سيدات وشابات يشددن الخطوة في تمارين صباحية، نمشي على مهل واتفرس في الوجوه التي أمر عليها، عجوز يتابع تسبيحه في سكينة وهدوء كأن ليس بالمكان كل ذلك الصخب، رفوف حمام تغدو وتروح يرمي لها الصغار حبات تملأ أكفهم الصغيرة فيلتم الحمام ليلتقط الحب فيصرخ الصغار ابتهاجاً، فرادى يتناثرون على طول خط الماء، أحدهم يرمي بخيط سنارته، آملاً في كرم البحر، آخر سرحان لا ترمش عيناه، فيما يفكر؟ في العيون كلام ساكت، ربما يفكر في أطفاله الذين كان يود أن يحتضنهم ليقبلهم واحدا واحدا، من أعوام لم يرهم، أي حنين يجلده وهو يتذكر آخر مرة رآهم فيها؟ وهذا ما له واجما، ربما تعصف به شجون، وعواطف، وأشواق لكل ما تركه خلفه من أزمنة، وأمكنة، ووجوه، ربما يفكر في لمة البيت الكبير وتفاصيل كثيرة ما فرت من الذاكرة؟ وكيف تفر، ولمن تتركه وهي زاد الاغتراب الطويل، وسلوى الحنين!
وتلك الخادمة التي تركض خلف الصغار ما بالها لا تبتهج بالعيد، ربما لديها أطفال في عمر من تعتني بهم، سنتان لم ترهم، كم تشتاق لهم؟ أترى قد فطنت مخدومتها لتوفير كارت اتصال لتطمئن على أولادها وأسرتها أم أنساها انشغال العيد وضيوفه؟
نمشي على مهل، واتفرج كيف استيقظت الحياة بكل نضارتها وعنفوانها في صباح عيد ليملأ الناس المساحة الخضراء، بسلامات، ومباركات، وحلوى، وضحكات، ودعوات، وفوقهم نخل مغندر يتمايل، وأزهار إلى جانبهم تشاركهم لحظات الابتهاج.
خط الماء، الكورنيش، حكايات، حكايات كثيرة لخليط من البشر، لهم أفراحهم، وأتراحهم، أشواقهم، ودموعهم، قد لا يبوح من اغترب عن أهله ووطنه بحنين يوجعه لعيون الأحبة، والأولاد، والأهل، لكن بسهولة يمكنك تخيل ما لا يقال وقد مررت بشبابيك العيون المفتوحة في صمت وقد عز عليها الابتهاج أو حتى الابتسام.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
6813
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2601
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2361
| 15 أكتوبر 2026