رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

ialsada63@gmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

144

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

ما بين الدابة والعصا

21 أكتوبر 2026 , 12:00ص

إن من أعظم العِبَر في قصة نهاية مُلك سليمان عليه السلام، ذلك الملك العظيم الذي خصّه الله بملكٍ لم يؤته أحدًا من بعده، أن العبرة ليست في موته؛ فالموت نهاية كل حي، ولا في انقضاء ملكه؛ فمهما بلغ الملك من العظمة، فلا بد أن يزول، وإنما العبرة في المفارقة التي اختُتم بها المشهد: مَلِكٌ سخّر الله له الطير والجن، وأخضع له الشياطين، ومع ذلك عجزت الجن، ومعها من حوله، عن إدراك حقيقة موته، حتى كشفها مخلوق صغير لا يُلتفت إليه.

يقول الله تعالى في سورة سبأ: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.

تأمّل المشهد: يموت سليمان عليه السلام وهو متكئ على عصاه، وتظل الجن تواصل عملها، لا تعلم بموته، حتى تأكل دابة الأرض عصاه، فيخرّ جسده، وعندها تنكشف الحقيقة، وهكذا جاءت النهاية لتبين حدود القوة مهما عظمت، وتُظهر أن ما قد تعجز عنه القوى الهائلة، قد يكشفه مخلوق صغير؛ وأن امتلاك أسباب القوة لا يعني امتلاك المعرفة، كما أن تسخير المخلوقات لا يعني الإحاطة بما غاب عنها.

لم تكن الدابة في صراع مع الملك، ولم تقصد أن تكشف موته، ولم تكن تدرك أن فعلها الصغير سيُنهي وهماً استمر زمناً، كانت تأكل العصا فحسب، لكن فعلها كان كافياً لكشف حقيقة عجزت قوى أكبر منها عن إدراكها، هنا تكمن المفارقة الكبرى: حقيقة عجزت الجن عن معرفتها، فكشفتها دابة الأرض، وليست العبرة أن الصغير أقوى من الكبير، بل أن حجم السبب لا يُقاس دائماً بحجم النتيجة، وأن ما نستهين به قد يكون مفتاحاً لكشف ما نعجز عن إدراكه، ولعل المشهد يذكّرنا بأن مظاهر القوة لا تكشف دائماً حقيقة ما وراءها، فقد تستمر الأمور في ظاهرها بينما تكون حقيقتها قد تغيّرت، وقد يظل البناء قائماً لأن ما يسنده لم يسقط بعد، وهذا ما يجعل العصا أكثر من مجرد تفصيل في القصة؛ فقد بقيت تسند جسداً فارقته الحياة، حتى أكلتها الدابة، فسقط الجسد وانكشف الموت.

وإذا تأملنا المشهد من حولنا، وجدنا أن الحياة لا تخلو من هذه المفارقات، فنحن نميل إلى تقدير الأشياء بأحجامها، والقوى بقدراتها الظاهرة، ونفترض أن الأحداث الكبرى لا بد أن تقف وراءها أسباب كبرى، لكن القصة تفتح أعيننا على احتمال آخر، وهو أن يكون مفتاح التحول العظيم في شيء صغير، وأن تأتي لحظة انكشاف الحقيقة من جهة لم تخطر على البال، فيالها من نهاية تختصر المسافة بين عظمة الملك وضآلة السبب الذي كشف نهايته.

وهنا يبقى السؤال الأعمق: أَنحن نُحسن تقدير ما يستحق أن نخشاه ونحسب حسابه، أم تخدعنا أحجام الأشياء ومظاهر القوة، فنغفل عما قد يغيّر كل شيء؟ فقد لا يكون أخطر ما في الحياة أن تسقط العصا، بل أن نظل مطمئنين إلى ما تسنده، حتى اللحظة التي تكشف لنا فيها دابة من دواب الأرض أن كل شيء قد انتهى.

اقرأ المزيد

كل شيء سيمر كل شيء سيمر

كل شيء سيمر، قد تبدو هذه العبارة بسيطة، لكنها من أكثر الحقائق التي ننساها ونحن في قلب الأحداث،... اقرأ المزيد

1104

| 30 سبتمبر 2026

شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب شرائح دماغية.. كي نلحق بالركب

كان ظهور جهاز جديد في الماضي يعني أن علينا أن نتعلم كيف نستخدمه، يأتي جهاز أكثر تطورًا من... اقرأ المزيد

813

| 23 سبتمبر 2026

لم نعد نمر بالأحساء لم نعد نمر بالأحساء

لم نعد نمر بالأشياء كما كنا، تلك الطرق التي كانت تأخذنا إلى مكان ما، كانت تمنحنا شيئًا أيضًا؛... اقرأ المزيد

2571

| 16 سبتمبر 2026

مساحة إعلانية