رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان المشهد مضحكا، رغم سخونة وتوتر جو الاحتشاد والفوران النفسي الذي سيطر على التظاهرة.
أحد المتظاهرين الذي كان يحمل على أكتافه من يقود الهتاف والحماس، يجري بسرعة واندفاع بمن على أكتافه ليدخل بين صفوف قوات الأمن ليسلم المسكين الذي وثق فيه، حدثت لحظة صمت مطبق استمرت لثوان كأنها دهر صاحبتها ابتسامة ذهول، انفرط بعدها عقد المتظاهرين. وصارت واقعة يتندر به أبناء هذا الجيل، إذ ذاك الذي قام بعملية تسليم قائد التظاهرة، كان الأشد حماسا والأشد رغبة في خروج المظاهرة من داخل أسوار الجامعة لمواجهة قوات الأمن خارجها، كما كان صبورا وحمولا إلى أقصى حد، إذ أصر على حمل من يتولى الهتاف طوال فترة دوران التظاهرة داخل أسوار الجامعة. لم يفرط في مهمة حمل قائد التظاهرة أبداً – رغم الجهد والتعب- حتى قام بتسليمه.
تلك حالة نموذجية للثوري المزيف، الذي تمكن من كسب ثقة المتظاهرين وقائد الهتاف، وهو يضمر أمرا آخر، ويوالي ذات الجهة التي خرجت التظاهرة ضدها. لكنها ليست إلا الشكل الأبسط في مثل تلك الألاعيب الخداعية، إذ حالات فتك الثوار المزيفين بالثورات صارت حالات متقنة في آلياتها وشخوصها ودورها وطريقة صناعتهم، لكي لا يكون دورهم محدودا أو مقتصرا على مجرد فض مظاهرة أو تسليم مطلوب لأجهزة الأمن، بل تقسيم وتفتيت مواقف الجمهور العام والقوى السياسية وإثارة الاضطراب العام وتشويه صورة الثورة في أعين الجمهور العام. لقد تخطى دورهم تلك الحكايات البسيطة وصاروا في موضع القدرة على تحويل العلاقات بين القوى السياسية وفي داخل المجتمع من الوحدة على موقف واحد إلى التفتت والضغينة والاشتباك والاقتتال. بعضهم يتلخص دوره في رفع أقصى الشعارات ثورية أو فوضوية وارتكاب أفعال تشوه الثورة وتدفع المواطنين إلى كره الثورة واليوم الذي اندلعت فيه، لتعود بالحنين إلى الأيام والزمن والحكم السابق. وبعضهم يتولى مهمة حشد قدر من الشباب لتشكيل مجموعات وقيادتها لتؤدي مهمة منع القوى السياسية من الوصول إلى توافقات وإظهارها بمظهر المنقسمة. وهناك من يتولى مهمة القيام بدور مخرات السيول التي تشق مسبقا وتتولى توجيه مياه السيول الجارفة من حشود الجماهير..إلخ. وكل هؤلاء أدوات تهيئة الأوضاع لنجاح الثورة المضادة.
وقد شهدت كل ثورات الربيع العربي، نماذج بالغة الوضوح من تلك الألاعيب والخدع، فبعضها شهد تشكيل وقيام جماعات وتيارات تحمل السلاح لتدفع الثورة نحو العسكرة التي تفشلها وتحولها إلى أداة تدمير، وبعض مثل تلك الجماعات تقوم بأعمال قتل مبرمجة ضد أفراد المجتمع تحت أقصى الدعاوى الثورية، بما يغير صورة الثوار وينقلهم من مدافعين عن حقوق الناس إلى قتلة مثلهم مثل النظم، وبعضها الآخر يقوم بأعمال قتل ضد الجيوش وأجهزة الأمن بغرض تصعيد عدوانيتها ضد الشعوب والمظاهرة السلمية، وتصليب وتقوية مواقف أفراد تلك الأجهزة في مواجهة الثورات، إذ يصبح كل فرد فيها في موقع الدفاع عن حياته لا عن النظام.
والأمر هنا لا يستنتج من خلال قراءة شواهد الانقسام والتفتيت بين الثوار وبعضهم البعض وبين الثوار والمجتمع، بل من خلال تنقل تنظيمات وأفراد وقيادات من أقصى المواقف إلى أقصاها، ومن خلال تمتع مثل تلك المجموعات –على تنوعها- بدعم إعلامي ظاهر أو مستتر، بعض هؤلاء يجري التركيز الإعلامي عليهم لإكسابهم مشروعية جماهيرية في كل تحركاتهم وأفعالهم عبر التركيز على وصفهم أو دمغهم بالثورية (يظهرونهم ثوريين متحمسين دوما مثل ذاك الذي سلم قائد التظاهرة) لكي يذهب في الوقت المناسب بتك المشروعية المزيفة ليسلمها إلى خصوم وأعداء الثورة. وبعضهم يحتل الشاشات إذ يجري التركيز على أفعالهم الإجرامية مع لزقها بتيارات الثورة الحقيقية..إلخ.
تلك الحالات شهدناها ونشهدها على نطاق واسع خلال ثورات الربيع، وهي حالات متبدلة في شعاراتها ومواقفها لكنها قادرة على البقاء –بحكم ما تحظى به من مساندة مستترة وبسبب شيطنة الإعلام للثوار الحقيقيين - والاستمرار في أداء أدوار تؤدي إلى ذات النتيجة. والآن إذ بدأت ثورات الربيع في استعادة بعض من عافيتها وثقة الجمهور العام بها مجددا، فاللافت أن هؤلاء الثوريين المزيفين باتوا يعودون في كثير من بلدان الثورات إلى لعب أدوارهم مجددا، وقد كانوا قد اختفوا من ساحات الفعل الثوري خلال الفترة التي شهدت صعودا للثورات المضادة. وهنا لا بديل عن مواجهة وفضح أدوار تلك العناصر والمجموعات أمام الرأي العام من خلال التذكير بالماضي القريب لهم وإذا كانت عدم المعرفة والخبرة في مطلع وبداية الثورات هي التي أدت إلى هذا الخطأ المريع، في بداية الثورات، فالآن لا عذر لأحد، إذ يكفي لتحديد الموقف الصحيح كتابة الاسم أو التنظيم أو الحركة في موقع البحث وبذل قليل من الوقت لمجرد قراءة عناوين التصريحات والبيانات السابقة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين تُذكر قمم الكرة القطرية، يتقدّم اسم العربي والريان دون استئذان. هذا اللقاء يحمل في طيّاته أكثر من مجرد ثلاث نقاط؛ إنها مواجهة تاريخية، يرافقها جدل جماهيري ممتد لسنوات، وسؤال لم يُحسم حتى اليوم: من يملك القاعدة الجماهيرية الأكبر؟ في هذا المقال، سنبتعد عن التكتيك والخطط الفنية، لنركز على الحضور الجماهيري وتأثيره القوي على اللاعبين. هذا التأثير يتجسد في ردود الأفعال نفسها: حيث يشدد الرياني على أن "الرهيب" هو صاحب الحضور الأوسع، بينما يرد العرباوي بثقة: "جمهورنا الرقم الأصعب، وهو ما يصنع الفارق". مع كل موسم، يتجدد النقاش، ويشتعل أكثر مع كل مواجهة مباشرة، مؤكدًا أن المعركة في المدرجات لا تقل أهمية عن المعركة على أرضية الملعب. لكن هذه المرة، الحكم سيكون واضحًا: في مدرجات استاد الثمامة. هنا فقط سيظهر الوزن الحقيقي لكل قاعدة جماهيرية، من سيملأ المقاعد؟ من سيخلق الأجواء، ويحوّل الهتافات إلى دعم معنوي يحافظ على اندفاع الفريق ويزيده قوة؟ هل سيتمكن الريان من إثبات أن جماهيريته لا تُنافس؟ أم سيؤكد العربي مجددًا أن الحضور الكبير لا يُقاس بالكلام بل بالفعل؟ بين الهتافات والدعم المعنوي، يتجدد النقاش حول من يحضر أكثر في المباريات المهمة، الريان أم العربي؟ ومن يمتلك القدرة على تحويل المدرج إلى قوة إضافية تدفع فريقه للأمام؟ هذه المباراة تتجاوز التسعين دقيقة، وتتخطى حدود النتيجة. إنها مواجهة انتماء وحضور، واختبار حقيقي لقوة التأثير الجماهيري. كلمة أخيرة: يا جماهير العربي والريان، من المدرجات يبدأ النصر الحقيقي، أنتم الحكاية والصوت الذي يهز الملاعب، احضروا واملأوا المقاعد ودعوا هتافكم يصنع المستحيل، هذه المباراة تُخاض بالشغف وتُحسم بالعزيمة وتكتمل بكم.
1650
| 28 ديسمبر 2025
تستضيف المملكة المغربية نهائيات كأس الأمم الإفريقية في نسخة تحمل دلالات عديدة على المستويين التنظيمي والفني، حيث يؤكد المغرب مرة أخرى مدى قدرته على احتضان كبرى التظاهرات القارية، مستفيدًا من بنية تحتية متطورة وملاعب حديثة وجماهير شغوفة بكرة القدم الإفريقية. مع انطلاق الجولة الأولى للبطولة، حققت المنتخبات العربية حضورًا قويًا، إذ سجلت مصر والمغرب والجزائر وتونس انتصارات مهمة، مما يعكس طموحاتها الكبيرة ورغبتها الواضحة في المنافسة على اللقب منذ البداية. دخل منتخب المغرب، صاحب الأرض والجمهور، البطولة بثقة واضحة، معتمدًا على الاستقرار الفني وتجانس اللاعبين ذوي الخبرة. كان الفوز في المباراة الافتتاحية أكثر من مجرد ثلاث نقاط، بل رسالة قوية لبقية المنافسين بأن «أسود الأطلس» عازمون على استغلال عاملي الأرض والجمهور بأفضل صورة ممكنة. أما منتخب الفراعنة، صاحب الرقم القياسي في عدد الألقاب، فقد أظهر شخصية البطل المعتاد على البطولات الكبرى، وقد منح الانتصار الأول للفريق دفعة معنوية كبيرة، خاصة أن بدايات البطولات غالبًا ما تحدد الطريق نحو الأدوار المتقدمة. من جهته، أكد المنتخب الجزائري عودته القوية إلى الواجهة الإفريقية، بعد أداء اتسم بالانضباط التكتيكي والفعالية الهجومية. أعاد الفوز الأول الثقة للجماهير الجزائرية، وأثبت أن «محاربي الصحراء» يملكون الأدوات اللازمة للمنافسة بقوة على اللقب. ولم تكن تونس بعيدة عن هذا المشهد الإيجابي، حيث حقق «نسور قرطاج» فوزًا مهمًا يعكس تطور الأداء الجماعي والقدرة على التعامل مع ضغط المباريات الافتتاحية، مما يعزز حظوظهم في مواصلة المشوار بنجاح. كلمة أخيرة: شهدت الجولة الأولى من البطولة مواجهات كروية مثيرة بين كبار المنتخبات العربية والأفريقية على حد سواء. الأداء المتميز للفرق العربية يعكس طموحاتها الكبيرة، في حين أن تحديات المراحل القادمة ستكشف عن قدرة كل منتخب على الحفاظ على مستواه، واستغلال نقاط قوته لمواصلة المنافسة على اللقب، وسط أجواء جماهيرية مغربية حماسية تضيف مزيدًا من الإثارة لكل مباراة.
1113
| 26 ديسمبر 2025
أدت الثورات الصناعيَّة المُتلاحقة - بعد الحرب العالميَّة الثانية - إلى تطوُّر طبيٍّ هائل؛ مِمَّا أضحت معه العديد من الأعمال الطبيَّة غاية في البساطة، واكتُشِفتْ علاجاتٌ لأمراض كانت مُستعصية، وظهرت اللقاحات والمضادات الحيويَّة التي كان يُطلق عليها «المعجزة». ولمواكبة التطور الطبيِّ المُتسارع كان لزامًا على القانونيين مُسايرة هذا التطوُّر؛ إذ يُرافق التقدُّم الطبيُّ مخاطر عديدة، منها ما هو معروف ومنها المجهول الذي لا يُعرف مداه ولا خطره. ومن أهم القوانين المُقارنة التي يجدر بالمشرِّعين دراسة تبنِّيها؛ هي تجربة القضاء الفرنسي الذي تَوجَّه نحو تعزيز الحماية للمرضى، من خلال تبنِّيه لآليَّات تضمن حصولهم على تعويض جابر للضرر دون إرهاق كاهلهم بإثبات خطأ فني طبي يصعب فهمه، فكيف بإثباته؟! ففي بداية التسعينيات أقرَّ القضاء الفرنسي التزام المستشفى بضمان السلامة، وذلك بمناسبة عِدَّة قضايا؛ ففي إحدى هذه القضايا قام رجل باللجوء إلى مستشفى لإجراء عمليَّة جراحيَّة، وبعد الانتهاء منها تبيَّن إصابته بعدوى من غرفة العمليَّات، وعندما وصلت القضية إلى محكمة النقض أقرَّت بالتزام المستشفى بالسلامة الجسديَّة، وبموجب هذا الالتزام تَضمَنُ المستشفيات سلامة المريض من التعرُّض لضرر لا يتعلق بحالته المرضيَّة السابقة. فمن حق المريض الذي يلجأ إلى المستشفى لتلقِّي العلاج من عِلَّة مُعيَّنة عدم خروجه بِعِلَّةٍ أخرى غير التي كان يُعاني منها. غير أن السؤال المطروح هنا، من أين أتت المحكمة بالالتزام بالسلامة؟ تكمن الإجابة في أن المحكمة أخذت هذا الالتزام من التزام الناقل بالسلامة؛ إذ تلتزم شركة الطيران، على سبيل المثال، بنقل الركاب من نقطة إلى أخرى بسلامة دون تعرُّضهم لأذًى، كما تلتزم شركة نقل البضاعة بنقلها دون تعرُّضها لتلف أو ضرر، وهذا الالتزام يُعدُّ التزامًا بتحقيق نتيجة، قِوامها سلامة الراكب أو البضاعة المنقولة، وبمجرد تعرضها لأذى تلتزم حينها الشركة بالتعويض. وعلى نفس السياق؛ فإن التزام المستشفى بضمان السلامة الجسديَّة هو التزام بتحقيق نتيجة؛ إذ توسَّع القضاء الفرنسي في هذا الالتزام ليشمل المسؤوليَّة عن العمل الطبي؛ لتعزيز سلامة المرضى، وتسهيلًا لحصولهم على تعويض يجبر ضررهم. ولم يقتصر التطور القضائي على هذا النحو، بل أقرَّ مجلس الدولة الفرنس المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، وذلك في حكمها بمناسبة قضية (Bianchi) الشهيرة بتاريخ 09/04/1993؛ إذا دخل السيد (Bianchi) المستشفى لإجراء تصوير بالأشعة لشرايين العمود الفقري، وهو ما يُعتبر فحصًا عاديًّا، غير أنه قد نتج عنه شلل كامل، ولم يثبت من خلال الخبرة وجود خطأ طبي؛ مِمَّا أدَّى إلى رفض الدعوى من قِبل محكمة مرسيليا الإداريَّة، وعندما عُرض الأمر لأول مرة على مجلس الدولة عام 1988 رفضت منحه التعويض، وقد أُعيد عرض القضية وقضت في عام 1993 بإلزام المستشفى بالتعويض تأسيسًا على المسؤوليَّة غير القائمة على خطأ. ونتيجة لذلك تبنَّى المشرع الفرنسي نظامًا للتعويض غير قائم على الخطأ في عام 2002؛ فأنشأ صندوقًا للتعويض عن الحوادث الطبية التي تقع دون إمكانيَّة إثبات المريض لخطأ طبي؛ ليُعزِّز من سلامة المرضى ويوفِّر الحماية اللازمة في ضوء التطورات الطبيَّة المُتسارعة. وقد أقرَّت العديد من الدول المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، ومنها الولايات المتحدة الأمريكيَّة التي أقرَّت نظامًا للتعويض عن الأضرار الناجمة من لقاحات أطفال مُعيَّنة بموجب قانون صادر من قبل الكونغرس الأمريكي عام 1991، كما أقرَّت نيوزلندا نظامًا شاملا للمسؤوليَّة الطبيَّة دون الحاجة إلى إثبات خطأ طبي. ختامًا، يتعين على المشرع القطري دراسة السياسات التشريعيَّة الحديثة في المسؤوليَّة الطبيَّة، ويجب كذلك على القضاء دراسة التوجهات القضائيَّة المقارنة في المسؤوليَّة الطبيَّة وتبنِّي آليَّات تُوفِّر الحماية اللازمة للمرضى، وخاصة في ضوء الثورة الصناعيَّة الرابعة وما يُصاحبها من تطور تقني هائل، وما يُرافقها من مخاطر مجهولة لا يُعرف مداها ولا يُمكن تقدير جسامتها. والله من وراء القصد.
810
| 29 ديسمبر 2025