رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

محمد صالح البدراني

مساحة إعلانية

مقالات

240

محمد صالح البدراني

بركان الشرق.. ودخانه المتصاعد من فنزويلا

06 يناير 2026 , 12:41ص

حين تتألّه القوى الكبرى، فإن أي نظام تُسهم في صياغته لا يسري عليها، هي من صنعته، وهي أول من يخرقه، ولا يُسمح باختراقه إلا من قِبلها، أما القوى “الكارتونية” المتناثرة حول العالم، فتُطالَب بالصبر الاستراتيجي، وهو الشعار الذي تتغنى به دول كبرى كالصين وروسيا، قبل أن تتلقفه الدول الأصغر الواقعة بين فكي النظام العالمي.

غير أن هذا الصبر – حين ينفصل عن التخطيط – يتحول إلى انتظار طويل بلا أفق، فالصعلوك لا يجاري الملوك، لكن الملوك أنفسهم يسقطون حين يظنون أن الزمن يعمل لصالحهم دون فعل.

غياب الاستراتيجية لدى الدول الغنية بالمواد الأولية – وليس النفط وحده – هو ما أطال عمر هذا الوحش وأدام شراسته، ولو أن تلك الدول بادرت إلى إنشاء منتدى حقيقي، بنظام داخلي وثقافة مشتركة، واعتزت بهويتها، وتخلّت عن مناكفتها البينية، واعتمدت استراتيجية التكامل لا الاستحواذ، لما تُركت وحيدة تحت مطرقة “السيد” لكن تراخت الأقوام بالأوهام.

الوهم كان أسبق:

 وهم العلو والمشاركة في الغنيمة، وكأن هذه الدول شريكة في الوليمة، لا مجرد طرف منها، فريستها ليست سوى يد أو قدم من جسد مكبّل بسلاسل قهر غير مرئية، لا يراها إلا من قرر أن يفكر، لا من اعتبر الخضوع تمام الحكمة.

ومع ذلك، ما زال هناك من يرى أن الولايات المتحدة “اخترقت” النظام العالمي بما تفعله – وستفعله – في فنزويلا، والحقيقة أنها لم تخترق شيئًا؛ هي تتصرف داخل منطق النظام ذاته.

لماذا فنزويلا؟

لأن فنزويلا تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط والثروات الطبيعية في العالم، ولأن لحظة إعادة إدارة الموارد قد حانت، من قِبل القوة الكبرى، حتى لا تتعطل أدواتها وهي تنشغل بالشرق، حيث يلوح أفق غياب النفط لفترة ليست قصيرة، نتيجة مخاض عسير صنعته قيادات مستهترة، أجهلت شعوبها، وأفقرتها، وأسرفت في السلطة لا في بناء الدولة أو فضاءات تعاون وتكامل فكانت سببا للاستقرار بدل استغلالها في خطة النار القادمة.

الفساد هنا ليس عرضًا جانبيًا؛ هو سرطان يعمل بصمت داخل الخلايا، حتى تحين لحظة الانقضاض، والانتصار في هذا العصر لا يُقاس بإسقاط الدول، بل بالقضاء على الأمل، وضرب أي قوة تحاول ترميم البنية الداخلية.

الصبر هو الصمود… أم هكذا يُقال الصبر ليس استسلامًا، ولا خمولًا، ولا انتظارًا لوعود لا تأتي؛ ذلك ليس صبرًا، بل صبر الحملان في سور القصب، تشاهد الخروف تلو الخروف يُسحب إلى مائدة القطب الواحد.

الاستسلام لوهم التفوق غير المختبَر، أو المباهاة بقوة لا تُستخدم إلا ضد الشعوب نفسها، هو ما انكشف بوضوح، كما كشفت حرب أوكرانيا.

 لقد اقترب “العرس الكبير” الذي يقيمه الطاغية الأكبر في شرق فقير، يبتلع الأسمر والأصفر والأبيض، ليصوغ منهم طيفه، ثم يكتب التاريخ أن “الصبر الاستراتيجي” لم يكن إلا عنوانًا آخر لسوء الإدارة، وتبديد السياسة والثروة معًا.

انشغلت هذه الأمم بالمناكفة بدل التكامل، فلم تنتج إلا قناعة واحدة: الاجتماع في الزريبة، بانتظار المصيبة.

هل ستنجح الولايات المتحدة؟

 الولايات المتحدة نفسها كيان مركّب: مستعمرة سابقة، وشركة مساهمة، وشبكة مصالح؛ لم تنجح تاريخيًا في استعمار دولة بالمعنى الكلاسيكي، لكنها نجحت في تدمير دول كثيرة.

اليوم، تتقدم إلى العالم بوجه الوحش الذي يمتص طاقة الكواكب ويتركها سديمًا، هي تبحث عن المزيد من الطاقة الخارجية، لأن نظامها الاقتصادي لا يعيش دون تدفق دائم للثروات، إنه نظام يجامل رأس المال، ولا يحقق توازنًا حقيقيًا بين الضرائب، والمضاربات، والطبقة المنتجة، والاستهلاك العام.

أما الدولار، فإن انهياره يعني انهيار الدولة ذاتها، لذا يُضَخَّم دعمه حتى إشعار آخر، رغم أنه يتآكل فعلًا: ببطء أحيانًا، وبوتيرة أسرع أحيانًا أخرى، ارتفاع أسعار الذهب ليس تفصيلًا؛ إنه سؤال ثقة مفتوح.

الطريق الآخر

بقي على الصين – ومع ما تبقى من روسيا، وحتى أوروبا العجوز المتهالكة – أن تبحث عن مخرج: نظام دولي جديد، أقرب إلى روح وستفاليا، لكن عالميا، بعيدًا عن صدام الأيديولوجيات الوهمية، من هرمجدون إلى غيرها، نظام يقوم على التكامل الاقتصادي، ومواجهة التضخم السكاني عبر إدارة الموارد والطاقات، لا عبر الحروب وتدمير المدنيات.

مساحة إعلانية