رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تتألّه القوى الكبرى، فإن أي نظام تُسهم في صياغته لا يسري عليها، هي من صنعته، وهي أول من يخرقه، ولا يُسمح باختراقه إلا من قِبلها، أما القوى “الكارتونية” المتناثرة حول العالم، فتُطالَب بالصبر الاستراتيجي، وهو الشعار الذي تتغنى به دول كبرى كالصين وروسيا، قبل أن تتلقفه الدول الأصغر الواقعة بين فكي النظام العالمي.
غير أن هذا الصبر – حين ينفصل عن التخطيط – يتحول إلى انتظار طويل بلا أفق، فالصعلوك لا يجاري الملوك، لكن الملوك أنفسهم يسقطون حين يظنون أن الزمن يعمل لصالحهم دون فعل.
غياب الاستراتيجية لدى الدول الغنية بالمواد الأولية – وليس النفط وحده – هو ما أطال عمر هذا الوحش وأدام شراسته، ولو أن تلك الدول بادرت إلى إنشاء منتدى حقيقي، بنظام داخلي وثقافة مشتركة، واعتزت بهويتها، وتخلّت عن مناكفتها البينية، واعتمدت استراتيجية التكامل لا الاستحواذ، لما تُركت وحيدة تحت مطرقة “السيد” لكن تراخت الأقوام بالأوهام.
الوهم كان أسبق:
وهم العلو والمشاركة في الغنيمة، وكأن هذه الدول شريكة في الوليمة، لا مجرد طرف منها، فريستها ليست سوى يد أو قدم من جسد مكبّل بسلاسل قهر غير مرئية، لا يراها إلا من قرر أن يفكر، لا من اعتبر الخضوع تمام الحكمة.
ومع ذلك، ما زال هناك من يرى أن الولايات المتحدة “اخترقت” النظام العالمي بما تفعله – وستفعله – في فنزويلا، والحقيقة أنها لم تخترق شيئًا؛ هي تتصرف داخل منطق النظام ذاته.
لماذا فنزويلا؟
لأن فنزويلا تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط والثروات الطبيعية في العالم، ولأن لحظة إعادة إدارة الموارد قد حانت، من قِبل القوة الكبرى، حتى لا تتعطل أدواتها وهي تنشغل بالشرق، حيث يلوح أفق غياب النفط لفترة ليست قصيرة، نتيجة مخاض عسير صنعته قيادات مستهترة، أجهلت شعوبها، وأفقرتها، وأسرفت في السلطة لا في بناء الدولة أو فضاءات تعاون وتكامل فكانت سببا للاستقرار بدل استغلالها في خطة النار القادمة.
الفساد هنا ليس عرضًا جانبيًا؛ هو سرطان يعمل بصمت داخل الخلايا، حتى تحين لحظة الانقضاض، والانتصار في هذا العصر لا يُقاس بإسقاط الدول، بل بالقضاء على الأمل، وضرب أي قوة تحاول ترميم البنية الداخلية.
الصبر هو الصمود… أم هكذا يُقال الصبر ليس استسلامًا، ولا خمولًا، ولا انتظارًا لوعود لا تأتي؛ ذلك ليس صبرًا، بل صبر الحملان في سور القصب، تشاهد الخروف تلو الخروف يُسحب إلى مائدة القطب الواحد.
الاستسلام لوهم التفوق غير المختبَر، أو المباهاة بقوة لا تُستخدم إلا ضد الشعوب نفسها، هو ما انكشف بوضوح، كما كشفت حرب أوكرانيا.
لقد اقترب “العرس الكبير” الذي يقيمه الطاغية الأكبر في شرق فقير، يبتلع الأسمر والأصفر والأبيض، ليصوغ منهم طيفه، ثم يكتب التاريخ أن “الصبر الاستراتيجي” لم يكن إلا عنوانًا آخر لسوء الإدارة، وتبديد السياسة والثروة معًا.
انشغلت هذه الأمم بالمناكفة بدل التكامل، فلم تنتج إلا قناعة واحدة: الاجتماع في الزريبة، بانتظار المصيبة.
هل ستنجح الولايات المتحدة؟
الولايات المتحدة نفسها كيان مركّب: مستعمرة سابقة، وشركة مساهمة، وشبكة مصالح؛ لم تنجح تاريخيًا في استعمار دولة بالمعنى الكلاسيكي، لكنها نجحت في تدمير دول كثيرة.
اليوم، تتقدم إلى العالم بوجه الوحش الذي يمتص طاقة الكواكب ويتركها سديمًا، هي تبحث عن المزيد من الطاقة الخارجية، لأن نظامها الاقتصادي لا يعيش دون تدفق دائم للثروات، إنه نظام يجامل رأس المال، ولا يحقق توازنًا حقيقيًا بين الضرائب، والمضاربات، والطبقة المنتجة، والاستهلاك العام.
أما الدولار، فإن انهياره يعني انهيار الدولة ذاتها، لذا يُضَخَّم دعمه حتى إشعار آخر، رغم أنه يتآكل فعلًا: ببطء أحيانًا، وبوتيرة أسرع أحيانًا أخرى، ارتفاع أسعار الذهب ليس تفصيلًا؛ إنه سؤال ثقة مفتوح.
الطريق الآخر
بقي على الصين – ومع ما تبقى من روسيا، وحتى أوروبا العجوز المتهالكة – أن تبحث عن مخرج: نظام دولي جديد، أقرب إلى روح وستفاليا، لكن عالميا، بعيدًا عن صدام الأيديولوجيات الوهمية، من هرمجدون إلى غيرها، نظام يقوم على التكامل الاقتصادي، ومواجهة التضخم السكاني عبر إدارة الموارد والطاقات، لا عبر الحروب وتدمير المدنيات.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1650
| 04 يناير 2026
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل بيضاء واستقرت على الإسفلت، أُغلق الشباك، تحركت السيارة، وبقيت الورقة في مكانها، كأنها تنتظر من يلتفت إليها، مشهد مألوف، يتكرر كثيرًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أوسع من حجمه، وأعمق من كونه تصرفًا عابرًا. ورقة المنديل ليست فعلًا منفصلًا عن غيره من السلوكيات، إنه جزءٌ من منظومة كاملة، إن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الطريق العام تعكس نظرته إلى كل ما هو مشترك، وتكشف مستوى الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والآخرين، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما ترسم ملامح الثقافة العامة أكثر مما تفعل الشعارات. إن الطريق الذي نمر به إنما هو مرفق شُيّد من مواردنا، وصُرفت عليه أموال عامة، وسُخّرت له إمكانات كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم، أو للصحة، أو لتحسين جودة الحياة، وكل جهد يُبذل لمعالجة سلوكيات عشوائية هو جهد يُعاد توجيهه من البناء إلى التصحيح، ومن التطوير إلى التنظيف، بسبب إهمال بسيط كان يمكن تفاديه. ويمتد هذا السلوك في صور متعددة نراها كل يوم؛ من إتلاف الأرصفة، وترك المخلفات في الأماكن العامة، إلى الصخب غير المبرر في الأحياء السكنية، والتعامل مع المرافق المشتركة بلا عناية، أفعال تبدو متفرقة، لكنها تنتمي إلى منظومة واحدة، وتكشف مستوى الإحساس بالمكان المشترك وبحق الآخرين فيه. أما في التربية، فتتحول هذه التفاصيل إلى دروس صامتة، الأطفال لا يتعلمون القيم من العبارات المجردة، إنهم يتعلمونها من المشاهد اليومية، ما يرونه من الآخرين يتحول إلى عادة، وما يُمارَس يتحول إلى ثقافة، حين ينشأ الطفل على أن الممتلكات العامة جزء من حياته، وأن احترامها احترام لنفسه ولغيره، تتكوّن لديه منظومة سلوكية متماسكة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عنده. في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في مسيرة النظافة العامة تحت رعاية سعادة وزير البلدية، مبادرة تحمل دلالة إيجابية وتعكس اهتمامًا مؤسسيًا يستحق التقدير، غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بحجم المشاركة ولا بعدد الصور، إنما تقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك فردي دائم، فالمسيرة تنتهي، واللافتات تُطوى، لكن الطريق يبقى، والاختبار يبدأ حين يعود كل منا إلى سيارته، وإلى عاداته اليومية. حب الوطن والولاء له لا يقف عند قصيدة تُلقى، ولا عند مشاركة في فعالية وطنية، تلك لحظات جميلة ومهمة، لكنها تكتمل حين تُترجم إلى سلوك يومي هادئ ومستمر، يظهر في احترام المكان، وفي مراعاة النظام، وفي الحرص على ألا نترك خلفنا أثرًا سلبيًا مهما كان صغيرًا. عندما نهم بإلقاء منديل من السيارة في الطريق العام، لنستحضر الحديث النبوي الشريف: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ونتذكر بأن ذلك مما أوصى به الدين، وأن النظافة مسيرة تبدأ من سلوك فردي بسيط، يعكس حس المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد حتى لو كان ورقة منديل.
831
| 31 ديسمبر 2025
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
762
| 07 يناير 2026