رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبد الله محمد فارح

- كاتب وباحث متخصص في شؤون القرن الأفريقي

مساحة إعلانية

مقالات

189

د. عبد الله محمد فارح

نظرية فن الاحتواء.. الواقع الجديد في الصومال

06 يناير 2026 , 12:45ص

دخلت الصومال مرحلة سياسية حساسة بعد إعلان إسرائيل الاعتراف بإقليم «صوماليالاند»، وهي خطوة لم تأتِ في فراغ سياسي، بل إنها جاءت نتيجة تراكمات طويلة على المستويين المحلي والإقليمي والدولي. وعلى الرغم من أن الاعتراف يمثل انتهاكاً واضحاً لوحدة الأراضي الصومالية، فإن التعامل معه يحتاج إلى قراءة هادئة وواعية للظروف التي جعلت «صوماليالاند» تجرؤ على اتخاذ هذا المسار، وللخيارات الواقعية المتاحة أمام الصومال والدول العربية والأفريقية في هذه اللحظة. ولا سيما أن «صوماليالاند» نالت إقليم إدارة ذاتية منذ عام 1991م، وترسخ ذلك في الدستور الوطني للصومال الفيدرالية عام 2012م، كفيدرالية سياسية لديها مؤسسات متكاملة. وهنا يبرز «فنّ الاحتواء» كإطار نظري وعملي لفهم الوضع الجديد وإدارته بعيداً عن ردود الفعل العاطفية أو المقاربات العقابية التي لا تنتج استقراراً ولا تحفظ الوحدة.

فالخطوة التي أقدمت عليها «صوماليالاند» لم تكن حدثاً مفاجئاً لمن يتابع مسار تطوّرها السياسي والإداري والقانوني التاريخي. فمنذ أكثر من ثلاثة عقود، تبني المنطقة مؤسساتها وتبحث عن اعتراف دولي لم يتحقق، لكنها خلال السنوات الأخيرة شعرت بأن تجاهل الدول العربية والأفريقية لها، وتراجع اهتمام الحكومة الصومالية بملفها، جعل الفراغ السياسي والدبلوماسي يتّسع حولها. وهذا التجاهل، سواء كان مقصوداً أو ناتجاً عن انشغال مقديشو بالتحديات الأمنية والاقتصادية والمعيشية، فتح الباب أمام أطراف دولية للعب دور مباشر في ملء هذا الفراغ، وفي مقدمتها إسرائيل التي رأت في «صوماليالاند» نقطة دخول جديدة إلى منطقة البحر الأحمر وممراته الحساسة على طرق التجارة العالمية. 

ولا يمكن تحميل «صوماليالاند» المسؤولية وحدها؛ إذ تتحمل الحكومة الصومالية نفسها جزءاً كبيراً من المسؤولية عن الوصول إلى هذه اللحظة. فسنوات من الإهمال السياسي، وضعف التواصل الدبلوماسي، وغياب البرامج التنموية المتوازنة بين المقاطعات، ساهمت في تعزيز شعور الانفصال والبحث عن بدائل خارجية. ولم تُقدّم الدولة المركزية نموذجاً جاذباً لوحدة سياسية واقتصادية، ولم تُدَر مسألة «صوماليالاند» برؤية طويلة الأمد، بل اكتفت بالرهان على الزمن وعلى الرفض الدولي للانفصال، دون معالجة الأسباب الداخلية التي تدفع المنطقة إلى الاعتقاد بأن الاعتراف الخارجي أقرب من المصالحة الوطنية.

لكن مقابل النقد، هناك مسار آخر ضروري: وهو التفكير في الخيارات الواقعية المتاحة اليوم. فالدعوات العربية والأفريقية التي ظهرت في شكل بيانات تنديد أو استنكار، لن تُغيّر في الموقف شيئاً، ولن تردع «صوماليالاند» عن مواصلة مسارها في تحقيق أي انفتاح مع تل أبيب طالما البدائل غير موجودة، لأن المشكلة ليست داخلية بنيوية. ولذلك يصبح فنّ الاحتواء ضرورياً ليس للصومال وحدها، بل للدول العربية والأفريقية جميعاً. فالاحتواء يعني الاعتراف بأن مقاربة الهجوم والضغط ليست مجدية، وأن المرحلة تحتاج إلى مبادرات في اتجاه آخر: مبادرات اقتصادية، وتنموية، واجتماعية، وتعليمية وصحية، تُعيد بناء الثقة بين المركز و«صوماليالاند» والأقاليم الأخرى، وتقدّم نموذجاً واقعياً للوحدة بدل الاكتفاء بالدفاع اللفظي عنها.

إن الصومال تعيش حالياً واحدة من أقسى أزماتها المالية منذ سنوات. فالعجز المالي، وتراجع الإنتاج المحلي، وتضرر الموارد بفعل التقلبات الأمنية، كلها تجعل من الصعب على الدولة تقديم نموذج جذاب لجميع الولايات. وهذا الواقع يجب ألا يكون لحظة إلقاء اللوم، بل نقطة انطلاق لحوار عربي وإسلامي وأفريقي حول كيفية دعم الصومال مالياً وتنموياً، بدل تركها وحيدة في مواجهة فراغ سياسي تجد فيه القوى الدولية مساحة للتدخل. فالحلول التي تحتاجها الصومال لا تقوم على الأمن فقط، بل على خلق وظائف، وبناء مدارس، وتطوير الموانئ، وتحسين القطاع الصحي، ودعم الجامعات، وتوفير بنى تحتية قادرة على دمج الولايات والمجتمعات في نموذج دولة واحدة.

وفي هذا السياق، على الدول العربية أن تدرك أن «صوماليالاند» لم تنجذب للاعتراف الإسرائيلي بسبب دوافع سياسية فقط، بل لأن المنطقة شعرت بأن العالم العربي والأفريقي لم يقدم لها بديلاً اقتصادياً وتنموياً حقيقياً. فالدعم الذي لا يتجاوز الإطار الخطابي لا يبني ولاءً سياسياً، ولا يعزز الوحدة الوطنية. وإذا أرادت الدول العربية حماية وحدة الصومال، فلا بد من انتقالها من مرحلة «الاستنكار» إلى مرحلة «الاستثمار»، ومن مرحلة «التنديد» إلى مرحلة «التنمية المشتركة». والدور نفسه ينطبق على المنظمات الأفريقية والإسلامية التي تحتاج إلى التعامل مع الملف بعمق سياسي وتنموي، وليس عبر ردود فعل مؤقتة.

ومن هذا المنطلق، يصبح فنّ الاحتواء مرادفاً سياسياً وتأطيرياً لفنّ بناء الثقة ومد جسور التواصل الدبلوماسي. فهو يدعو إلى امتصاص نتائج الاعتراف الإسرائيلي دون اندفاع وردات فعل غير مؤثرة، وإلى إطلاق مبادرات تنموية تضمن استعادة الثقة بين الصومال و«صوماليالاند»، وإلى إنتاج خطاب سياسي جديد أكثر عقلانية وواقعية؛ يعترف بالأخطاء ولا يكررها، ويُعيد رسم الأولويات على أساس ما يحتاجه الواقع لا ما تمليه الانفعالات. وهذه هي الخطوة الأولى نحو تحول الأزمة الراهنة إلى فرصة جديدة، وإلى جعل القرن الأفريقي منطقة استقرار دائم بدلاً من أن تبقى مسرحاً للنزاع الأهلي، والتدخل الإقليمي، وللتجاذبات والصراعات الدولية.

 

مساحة إعلانية