رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في كتابه "مختصر تاريخ الحضارة 4/196 ط 2" الإدارة الثقافية وصف آرنولد توينبي ميثاق الأمم المتحدة الشهير بأنه سخيف نظراً لأنه تضمن حق النقض "الفيتو" الذي تستعمله الدول الخمس الكبرى، حيث يمكن بموجبه إجهاض أي قرار لنصرة المظلوم.
وحقاً ما قال آرنولد إذ أنه يجعل العقل والعدل نبراسين يجب أن تهتدي بهما البشرية وليس الهوى والتسلط والحماقة والظلم أدوات الهيمنة الوحيدة من قبل من يتمسك بها لقهر الناس تعديا وعلوا، وهكذا جاء حق النقض الفيتو لتتمتع به تلك الدول الخمس التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة والصين وروسيا دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي.. لتستعمله من أجل الإجهاض والإجهاز على أي قرار لا يراد منها أو من أحدها تمريره وإن كان مقبولاً للدول الأخرى داخل المجلس مع العلم أن هؤلاء الأعضاء الخمسة الدائمين هم الذين يقدمون نصف الميزانية الإجمالية للأمم المتحدة وكأن هذا شرط من شروط التحكم بها ويدل لذلك أن أي تغييرات لميثاقها يجب أن يقرها هؤلاء الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن، كما أنه لم يعلن أي منهم التخلي عن حق الفيتو الذي يعتبرونه مصدر قوة لدولهم وإذا كان حق النقض قد اعتبر بمثابة العمود الفقري لقيام الأمم المتحدة بنشاطاتها لحفظ السلم والأمن الدوليين بشرط إجماع هذه الدول الخمس الكبرى، فإن انقسامها وتصارعها حول إقرار قرار ما يعرقل تحقيق أهدافها بل ويعرض النظام الدولي لمخاطر قيام حرب عالمية ثالثة, لذلك فإننا لا نستبعد دقة التحليلات التي تذهب إلى أن الفيتو الروسي الصيني المزدوج ضد قرار إدانة النظام السوري الفاشي لمآرب معروفة عندهما ضد الدول الأخرى في المجلس وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا قد يؤدي إلى حرب إقليمية بداية وقد لا تنتهي التوترات مع الغرب إلا بشن حرب عظمى، ومن الذي يدري فقد قامت الحربان الأولى والثانية على أسباب أقل من تلك التي نلاحظها اليوم، خاصة أن إزاحة أمريكا والغرب كقطب واحد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي قد بدأت تتصاعد مع تحرك روسيا وريثة الاتحاد والصين، كذلك التي كانت لا تفتأ تعتمد على مساندة الروس في ثوراتها وقمع الأحرار، خاصة المسلمين في أراضيها كما في الاتحاد السوفييتي نفسه، فالحقيقة تثبت أن الروس والصينيين لا يقفون إلا إلى جانب مصلحتهم التي يحققها لهم الحكام الديكتاتوريون الذين هم ألعوبة بأيدي موسكو أو بكين، كما هو الوضع تماماً في المشهد السوري وليس لدى هؤلاء الأشرار المحاربين بغيا وعدوانا أي قيمة لدم يسفك وذبح وسحل وتمثيل وجناية على كرامات الشيوخ والأطفال والنساء فهم عديمو الرحمة كما يشهد التاريخ وهم تجار حروب رخيصة كما هم زعماء المافيا بصنوف أشكالها من اللصوصية الظاهرة والباطنة في المال إلى التسلق والتسلط في السياسة والانتخابات على الشعوب وهل يستطيع بوتين الذي يواجه عشرات آلاف المتظاهرين ضده كما هي البدايات ضد بشار الأسد أن يدينه؟ لابد أن يأمر باستعمال الفيتو ضد إدانة نظامه، وكذلك قل في موقف الصين وتنينها الذي لا يعرف إلا الالتهام بعد أخذ الدب نصيبه أما فريستهما سوريا الأسد الأب والابن فلابد من تقاسم الحصة من كل جهة وأهمها غنيمة البترول والغاز الذي كشف مؤخراً كما جاء وتواتر في الإعلام أن ميزانيتهما لمدة أربعين عاما قد بلغت مائتين وتسعة وثلاثين مليارا من الدولارات لم يدخل في ميزانية الحكومة السورية فيها إلا ما كان في عام 2011 فقط وأخذ المحللون الاقتصاديون يسألون أين ذهبت هذه المليارات والجواب معروف، والروس ومن معهم لا شك أنهم كانوا ومازالوا مستفيدين من هذه البقرة الحلوب على حساب الشعب الجائع المسكين الذي يدفع ثمن الرصاصة التي يقتل بها هذه الأيام، إن هذه المافيا الثلاثية سوف تستمر في غيها ولكنها كلما ظنت أنها ستربح سيؤول ربحها إلى خسارة حتى أمام تصميم هذا الشعب البطل الذي خرج في ثورة لن يعود عنها إلا بالتحرير وسقوط هبل أمام الأشهاد مهما كلفه ذلك، فالحرية لا تنال بلا ثمن والصراع سجال والألم متبادل ولكن المؤمنين يرجون من الله ما لا يرجو هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم كالآلهة على شعوبهم،نقول ذلك لأن استعمال الفيتو سواء كان من أمريكا ضد الفلسطينيين وطالما استعملته ظلما وعدوانا أو من الروس والصينيين اليوم ضد الشعب السوري المظلوم فإنه يسهم في إضعاف بل إعدام مصداقية مجلس الأمن كمؤسسة دولية لحل النزاعات، إنه لموقف مشين حقاً ما حدث أمام المجازر التي تحرك الحجر لو كان يعقل، سيما المجزرة التي لا تكاد تصفها الكلمات بحي الخالدية في حمص ولقد كان يظن الجميع أنه بعد نشوبها سيقول مجلس الأمن ما ينصف الضحية لكن كانت المفاجأة بعدها بقليل طبعا بالاتفاق مع الأسد – استعمال الفيتو ضد إدانة قمعه الوحشي، استغفر الله ليست مفاجأة فإذا عرف السبب بطل العجب، والحمد لله حيث طال الوقت بالثورة السورية لتهتك أقنعة المراوغين التي خدع بها الناس سنين طوالا، ولتثبت الحقيقة الناصعة أن مرحلة جديدة قد دخلت على الشعب يجب أن يثابر ويتحمل فيها مسؤوليته فهو ما خرج منذ البداية طالبا معونة من أحد لا من الأمم المتحدة ومجلسها ولا حتى من الجامعة العربية وإنما هب لله وفي سبيل الوطن والتخلص من الاستبداد والاستعباد وهكذا فإن من أهم نتائج هذا الفيتو انقطاع الأمل إلا من الله والاعتماد على النفس والاعتصام بالعزيمة والصبر، فالنصر صبر ساعة ولكن لا شك أن له حقا على المؤمنين (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر)، "الأنفال: 72"، وبهذا وحده تظهر فضيحة المجتمع الدولي الذي يدعي التحضر اللهم إلا من وقف معنا من الأحرار والحمد لله قد افتضح نظام الغدر والباطنية الميكيافيللي داخليا وخارجيا، حيث لا طريقة لهؤلاء في وقاية أنفسهم إلا النفاق الذي يدعو إليه ميكيافيللي إنه بإدامة استعمال الفيتو لم ينته الاستعمار وان من استعمله هو محارب لنا تماما لأنه يجعلنا به عبيدا وما هو لنا بسيد أبدا بل لعبده المدلل، إنه به غير عاقل ونحن بشرعنا العادل عقلاء لا نقبل أبدا أن نجلس في نادي السماسرة والجبارين، وإن مجلس الخوف ولا أقول الأمن بصفته الحالية مجلس مشؤوم منذ ولادته مشوه الخلقة كما وصفه مالك بن نبي رحمه الله وإن انعكاساته وبال على الشعب السوري ما لم يصح من سكرته ويراجع ضميره وإلا فإن الجمعية العامة للأمم المتحدة لا فيتو فيها وتكفي غالبية الأصوات لصدور القرار وإننا بحماية العرب والمسلمين وبالجيش الحر والثوار سنمحو ليل الأشرار بنهار الأحرار بإذن الله.
Khaled-hindawi@hotmail.com
جرد لأحداث عام ودعناه بين الألم والأمل
أبرز مصائب العام الإداري الذي نودعه نجد تهديد الإنسانية بحرب عالمية ثالثة وهو التخوف الذي أصبح حديث الناس... اقرأ المزيد
90
| 02 يناير 2026
صوتي في جيب المعطف
لم أكن أعلم أن للأصوات أماكن تختبئ فيها، تمامًا كما تختبئ الأوراق تحت الكتب القديمة أو كما تنام... اقرأ المزيد
177
| 02 يناير 2026
في زمن الضجيج الرقمي: لماذا أصبح العمل العميق فعلَ مقاومة؟
أصبح التركيز في عصر الشاشات والخوارزميات من أندر الموارد التي يمتلكها الإنسان المعاصر. ففي زمن يُمجَّد فيه الانشغال... اقرأ المزيد
27
| 02 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين تُذكر قمم الكرة القطرية، يتقدّم اسم العربي والريان دون استئذان. هذا اللقاء يحمل في طيّاته أكثر من مجرد ثلاث نقاط؛ إنها مواجهة تاريخية، يرافقها جدل جماهيري ممتد لسنوات، وسؤال لم يُحسم حتى اليوم: من يملك القاعدة الجماهيرية الأكبر؟ في هذا المقال، سنبتعد عن التكتيك والخطط الفنية، لنركز على الحضور الجماهيري وتأثيره القوي على اللاعبين. هذا التأثير يتجسد في ردود الأفعال نفسها: حيث يشدد الرياني على أن "الرهيب" هو صاحب الحضور الأوسع، بينما يرد العرباوي بثقة: "جمهورنا الرقم الأصعب، وهو ما يصنع الفارق". مع كل موسم، يتجدد النقاش، ويشتعل أكثر مع كل مواجهة مباشرة، مؤكدًا أن المعركة في المدرجات لا تقل أهمية عن المعركة على أرضية الملعب. لكن هذه المرة، الحكم سيكون واضحًا: في مدرجات استاد الثمامة. هنا فقط سيظهر الوزن الحقيقي لكل قاعدة جماهيرية، من سيملأ المقاعد؟ من سيخلق الأجواء، ويحوّل الهتافات إلى دعم معنوي يحافظ على اندفاع الفريق ويزيده قوة؟ هل سيتمكن الريان من إثبات أن جماهيريته لا تُنافس؟ أم سيؤكد العربي مجددًا أن الحضور الكبير لا يُقاس بالكلام بل بالفعل؟ بين الهتافات والدعم المعنوي، يتجدد النقاش حول من يحضر أكثر في المباريات المهمة، الريان أم العربي؟ ومن يمتلك القدرة على تحويل المدرج إلى قوة إضافية تدفع فريقه للأمام؟ هذه المباراة تتجاوز التسعين دقيقة، وتتخطى حدود النتيجة. إنها مواجهة انتماء وحضور، واختبار حقيقي لقوة التأثير الجماهيري. كلمة أخيرة: يا جماهير العربي والريان، من المدرجات يبدأ النصر الحقيقي، أنتم الحكاية والصوت الذي يهز الملاعب، احضروا واملأوا المقاعد ودعوا هتافكم يصنع المستحيل، هذه المباراة تُخاض بالشغف وتُحسم بالعزيمة وتكتمل بكم.
1668
| 28 ديسمبر 2025
أدت الثورات الصناعيَّة المُتلاحقة - بعد الحرب العالميَّة الثانية - إلى تطوُّر طبيٍّ هائل؛ مِمَّا أضحت معه العديد من الأعمال الطبيَّة غاية في البساطة، واكتُشِفتْ علاجاتٌ لأمراض كانت مُستعصية، وظهرت اللقاحات والمضادات الحيويَّة التي كان يُطلق عليها «المعجزة». ولمواكبة التطور الطبيِّ المُتسارع كان لزامًا على القانونيين مُسايرة هذا التطوُّر؛ إذ يُرافق التقدُّم الطبيُّ مخاطر عديدة، منها ما هو معروف ومنها المجهول الذي لا يُعرف مداه ولا خطره. ومن أهم القوانين المُقارنة التي يجدر بالمشرِّعين دراسة تبنِّيها؛ هي تجربة القضاء الفرنسي الذي تَوجَّه نحو تعزيز الحماية للمرضى، من خلال تبنِّيه لآليَّات تضمن حصولهم على تعويض جابر للضرر دون إرهاق كاهلهم بإثبات خطأ فني طبي يصعب فهمه، فكيف بإثباته؟! ففي بداية التسعينيات أقرَّ القضاء الفرنسي التزام المستشفى بضمان السلامة، وذلك بمناسبة عِدَّة قضايا؛ ففي إحدى هذه القضايا قام رجل باللجوء إلى مستشفى لإجراء عمليَّة جراحيَّة، وبعد الانتهاء منها تبيَّن إصابته بعدوى من غرفة العمليَّات، وعندما وصلت القضية إلى محكمة النقض أقرَّت بالتزام المستشفى بالسلامة الجسديَّة، وبموجب هذا الالتزام تَضمَنُ المستشفيات سلامة المريض من التعرُّض لضرر لا يتعلق بحالته المرضيَّة السابقة. فمن حق المريض الذي يلجأ إلى المستشفى لتلقِّي العلاج من عِلَّة مُعيَّنة عدم خروجه بِعِلَّةٍ أخرى غير التي كان يُعاني منها. غير أن السؤال المطروح هنا، من أين أتت المحكمة بالالتزام بالسلامة؟ تكمن الإجابة في أن المحكمة أخذت هذا الالتزام من التزام الناقل بالسلامة؛ إذ تلتزم شركة الطيران، على سبيل المثال، بنقل الركاب من نقطة إلى أخرى بسلامة دون تعرُّضهم لأذًى، كما تلتزم شركة نقل البضاعة بنقلها دون تعرُّضها لتلف أو ضرر، وهذا الالتزام يُعدُّ التزامًا بتحقيق نتيجة، قِوامها سلامة الراكب أو البضاعة المنقولة، وبمجرد تعرضها لأذى تلتزم حينها الشركة بالتعويض. وعلى نفس السياق؛ فإن التزام المستشفى بضمان السلامة الجسديَّة هو التزام بتحقيق نتيجة؛ إذ توسَّع القضاء الفرنسي في هذا الالتزام ليشمل المسؤوليَّة عن العمل الطبي؛ لتعزيز سلامة المرضى، وتسهيلًا لحصولهم على تعويض يجبر ضررهم. ولم يقتصر التطور القضائي على هذا النحو، بل أقرَّ مجلس الدولة الفرنس المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، وذلك في حكمها بمناسبة قضية (Bianchi) الشهيرة بتاريخ 09/04/1993؛ إذا دخل السيد (Bianchi) المستشفى لإجراء تصوير بالأشعة لشرايين العمود الفقري، وهو ما يُعتبر فحصًا عاديًّا، غير أنه قد نتج عنه شلل كامل، ولم يثبت من خلال الخبرة وجود خطأ طبي؛ مِمَّا أدَّى إلى رفض الدعوى من قِبل محكمة مرسيليا الإداريَّة، وعندما عُرض الأمر لأول مرة على مجلس الدولة عام 1988 رفضت منحه التعويض، وقد أُعيد عرض القضية وقضت في عام 1993 بإلزام المستشفى بالتعويض تأسيسًا على المسؤوليَّة غير القائمة على خطأ. ونتيجة لذلك تبنَّى المشرع الفرنسي نظامًا للتعويض غير قائم على الخطأ في عام 2002؛ فأنشأ صندوقًا للتعويض عن الحوادث الطبية التي تقع دون إمكانيَّة إثبات المريض لخطأ طبي؛ ليُعزِّز من سلامة المرضى ويوفِّر الحماية اللازمة في ضوء التطورات الطبيَّة المُتسارعة. وقد أقرَّت العديد من الدول المسؤوليَّة الطبيَّة غير القائمة على خطأ، ومنها الولايات المتحدة الأمريكيَّة التي أقرَّت نظامًا للتعويض عن الأضرار الناجمة من لقاحات أطفال مُعيَّنة بموجب قانون صادر من قبل الكونغرس الأمريكي عام 1991، كما أقرَّت نيوزلندا نظامًا شاملا للمسؤوليَّة الطبيَّة دون الحاجة إلى إثبات خطأ طبي. ختامًا، يتعين على المشرع القطري دراسة السياسات التشريعيَّة الحديثة في المسؤوليَّة الطبيَّة، ويجب كذلك على القضاء دراسة التوجهات القضائيَّة المقارنة في المسؤوليَّة الطبيَّة وتبنِّي آليَّات تُوفِّر الحماية اللازمة للمرضى، وخاصة في ضوء الثورة الصناعيَّة الرابعة وما يُصاحبها من تطور تقني هائل، وما يُرافقها من مخاطر مجهولة لا يُعرف مداها ولا يُمكن تقدير جسامتها. والله من وراء القصد.
831
| 29 ديسمبر 2025
كنت أقف عند إشارة المرور حين فُتح شباك سيارة مجاورة، وامتدت يد على عجل، ثم طارت ورقة منديل بيضاء واستقرت على الإسفلت، أُغلق الشباك، تحركت السيارة، وبقيت الورقة في مكانها، كأنها تنتظر من يلتفت إليها، مشهد مألوف، يتكرر كثيرًا، لكنه في تلك اللحظة بدا أوسع من حجمه، وأعمق من كونه تصرفًا عابرًا. ورقة المنديل ليست فعلًا منفصلًا عن غيره من السلوكيات، إنه جزءٌ من منظومة كاملة، إن الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع الطريق العام تعكس نظرته إلى كل ما هو مشترك، وتكشف مستوى الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والآخرين، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما ترسم ملامح الثقافة العامة أكثر مما تفعل الشعارات. إن الطريق الذي نمر به إنما هو مرفق شُيّد من مواردنا، وصُرفت عليه أموال عامة، وسُخّرت له إمكانات كان يمكن أن تُوجَّه للتعليم، أو للصحة، أو لتحسين جودة الحياة، وكل جهد يُبذل لمعالجة سلوكيات عشوائية هو جهد يُعاد توجيهه من البناء إلى التصحيح، ومن التطوير إلى التنظيف، بسبب إهمال بسيط كان يمكن تفاديه. ويمتد هذا السلوك في صور متعددة نراها كل يوم؛ من إتلاف الأرصفة، وترك المخلفات في الأماكن العامة، إلى الصخب غير المبرر في الأحياء السكنية، والتعامل مع المرافق المشتركة بلا عناية، أفعال تبدو متفرقة، لكنها تنتمي إلى منظومة واحدة، وتكشف مستوى الإحساس بالمكان المشترك وبحق الآخرين فيه. أما في التربية، فتتحول هذه التفاصيل إلى دروس صامتة، الأطفال لا يتعلمون القيم من العبارات المجردة، إنهم يتعلمونها من المشاهد اليومية، ما يرونه من الآخرين يتحول إلى عادة، وما يُمارَس يتحول إلى ثقافة، حين ينشأ الطفل على أن الممتلكات العامة جزء من حياته، وأن احترامها احترام لنفسه ولغيره، تتكوّن لديه منظومة سلوكية متماسكة تبدأ من الطريق ولا تنتهي عنده. في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة كريمة للمشاركة في مسيرة النظافة العامة تحت رعاية سعادة وزير البلدية، مبادرة تحمل دلالة إيجابية وتعكس اهتمامًا مؤسسيًا يستحق التقدير، غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المبادرات لا تُقاس بحجم المشاركة ولا بعدد الصور، إنما تقاس بقدرتها على التحول إلى سلوك فردي دائم، فالمسيرة تنتهي، واللافتات تُطوى، لكن الطريق يبقى، والاختبار يبدأ حين يعود كل منا إلى سيارته، وإلى عاداته اليومية. حب الوطن والولاء له لا يقف عند قصيدة تُلقى، ولا عند مشاركة في فعالية وطنية، تلك لحظات جميلة ومهمة، لكنها تكتمل حين تُترجم إلى سلوك يومي هادئ ومستمر، يظهر في احترام المكان، وفي مراعاة النظام، وفي الحرص على ألا نترك خلفنا أثرًا سلبيًا مهما كان صغيرًا. عندما نهم بإلقاء منديل من السيارة في الطريق العام، لنستحضر الحديث النبوي الشريف: "إماطة الأذى عن الطريق صدقة"، ونتذكر بأن ذلك مما أوصى به الدين، وأن النظافة مسيرة تبدأ من سلوك فردي بسيط، يعكس حس المسؤولية الاجتماعية لدى الفرد حتى لو كان ورقة منديل.
588
| 31 ديسمبر 2025