رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لعلنا نجمع أن العمر كله بين أفراح وأتراح وهكذا يجب أن نفهم الحياة في حالتي السلم والحرب.. ففي الأسبوع الماضي تمكن الثوار من الجيش الحر وجبهة النصرة وأحرار الشام وجيش الفتح وغيرهم في الثورة السورية من تحرير مدينة "إدلب" كاملا من نير الاحتلال الأسدي بعد تحرير معظم ريفها، وذلك في خلال 36 ساعة أو أربعة أيام بعد أن جهدوا كثيرا منذ أكثر من 4 سنوات ولم يستطيعوا. ولكن يبدو – والله أعلم- أن تحرير وادي الضيف قبل أشهر قليلة والسيطرة على معسكر الحامدية الشهير التابع للا نظام كاملا مهد لهم ذلك.. ولكنه يجدر بالذكر أن أهم العوامل في هذا النصر الذي ارتسمت بسمته على وجوه الناس في إدلب وسورية والخارج هو أن الثوار عملوا تنسيقا عاليا فيما بينهم كما أفاد المقاتل عمار ضمن الثورة إضافة إلى أن عامل المفاجأة من قبلهم ضد جنود اللا نظام والشبيحة والمساعدين الإيرانيين والشيعة العراقيين وغيرهم كان له أثر واضح. فمثل هؤلاء لا يعرفون طبيعة البلد كما يعرفها الأدالبة والسوريون البررة بينما الفجار انهارت معنوياتهم كثيرا وأصبحوا كما قال الخبير العسكري الأمريكي (جورج تالن) لإحدى القنوات المحلية ونقله عن مصطفى حامد بتاريخ 29-3-2015 إنه لا يجب إغفال دور الإنهاك الذي تعانيه قوات النظام السوري وخصوصا الوهن الجسدي والنفسي ولم يستغرب أن تسقط مدن أخرى بعد إدلب التي تقع شمال غرب سورية والرقة التي تقع في الشمال. وأقول: لعل أهم سبب في إسقاط إدلب هو الإيمان المتين بعدل القضية السورية بعد الله تعالى. وبالإصرار والإرادة الحديدية التي تزيد لدى الثوار بدل أن تنقص - كما هو الحال في المعسكر المتآمر مع اليهود وجميع العالم لإخماد هذه الثورة المجيدة.. ويدلنا على ذلك كيف أن الثوار بعد تحرير إدلب ذهبوا إلى قرية المسطومة التي يخزن اللانظام فيها كثيرا من الأعتدة والبشر – وسيطروا على معظم أجزائها بما فيها مخازن الذخيرة حتى لا يكون أي طريق لعودة اللا نظام إليها رغم أنه يرمي البراميل المتفجرة وغاز الكلور، حيث قتل وجرح المئات ولكن نزح منها على الأقل مائة ألف إنسان إلى الريف المجاور والأماكن التي هي أكثر أمنا. ونفت الحكومتان الأردنية والتركية أي علاقة لهما بإسقاطهما كما يتهمهما اللا نظام السوري الذي لا يعرف إلا هذه اللغة أن عليه مؤامرة كونية لأنه من جبهة المقاومة والممانعة مع أنه لم يعد يخفى على أحد فضيحته بالتدخل الإيراني الشعوبي في سورية والعراق واليمن خصوصا وانهزامهم أمام جحافل الثوار الأبطال، وكل هذا إنما يأتي من التكبر... بينما لو نظرنا في الحوار الذي دار بين هرقل وأبي سفيان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال هرقل: هل تقاتلونه قال نعم. قال فما يكون. قال: مرة ننال منه ومرة ينال منا والحرب بيننا وبينه سجال. كما في صحيح البخاري وهكذا الأمناء الصادقون، وليس الخونة الكذبة الذين لم يستطيعوا منذ أربعة أعوام أن يلينوا قناة الثورة السورية رغم مدد الغرب والشرق والأذناب المعروفة من المليشيات التابعة لهم والذين يُقتلون وخصوصا الجنرالات الكبار في أداء واجبهم المقدس في سورية على ما يعبر عنه ما يسمى بحزب الله جزاء وفاقا!! هذا في أفراح الثورة وأما في الأتراح فإن الهجوم الذي تم هذا الأسبوع وإلى يومنا على مخيم اليرموك من قبل اللا نظام بالجو حيث ضرورة التغطية وبالبر من قبل داعش على جنود أكناف بيت المقدس الثوار الذين لم يألوا جهدا في الحراك للمحافظة على إخوانهم الفلسطينيين جنوب دمشق وحمايتهم من السفاحين الباطنيين وخصوصا بعد اتهامهم أنهم يؤيدون (حماس) فحماس لدى السفاح الأسد غير مرغوب فيها ولا في زعيمها السياسي السيد خالد مشعل وهي كما يقول الداعشيون أيضا مرتدة وقتال المرتد مقدم على قتال الكافر!! مع أن ابن تيمية يعتبر الباطنيين في سورية من أشنع المرتدين. ولكنها الهدنة التي أجريت بينهما من أجل تحرير المحرر والبعد كل البعد عن مهاجمة اللا نظام الذي بدوره لم يسقط برميلا واحدا عليهم وهم في الرقة ولم يرمهم بل حمى بطائراته تحركاتهم وللأسف الشديد. نعم هذا ترح وقع على مخيم اليرموك ليكون محفزا أقوى لحماس ولغيرها من الأحرار أن يتجنبوا أي مغازلة مع الفرس الباطنيين في إيران وسيجدون لهم سندا بإذن الله تعالى. وإن قتل إخوانهم من الخواص والعوام بالبراميل المتفجرة لأهم مانع أيضا أن تؤيد هذه الدولة المارقة ولو ببنت شفة. وإن كسرى لن يعود أبداً كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي/ باب الفتن برقم 296 (إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال الشافعي: بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ملكهما للعراق والشام سيزول عن الإقليمين ولاسيما كل من تبع كسرى فإنه مزق كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أتى به إليه، بينما قيصر كاد أن يسلم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا أن يمزق الله ملك كسرى كل ممزق فكان ذلك وسيكون. وكذلك زال ملك قيصر عن بيت المقدس ولم يخلفه أحد من القياصرة ولا يجب أن هذه النبوءة ستبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولعل حنين الشيعة الغلاة لتحقيق حلمهم بتغيير الخريطة المذهبية في العالمين العربي والإسلامي لن يتم بإذن الله. فهذه هي مصر عندما انقضى عمر الدولة الفاطمية وعادت إلى السنية بقيادة صلاح الدين الأيوبي 532هـ - 589هـ. ولذلك يكرهون ولا يسمون باسمه أبداً لاهم ولا الباطنيون الآخرون. ولكن مصر هي هي لم تشهد بعد ذلك لهم نصيرا إلا ببقية عملاء – مازالوا – مع الصليبيين – ضد الدولة السنية. فهل ينجح السيسي أو غيره إن أرادوا أن يعيدوا مصر إلى حضن اليهود والصليبية والباطنية لكن قد يزعجون ويؤذون بسبب اختلاف القوم شيعا وأحزابا فإن هذا ما يؤخر النصر المنشود.
أما الاتفاق النووي الأخير فهو في ظاهرة ترح ولكن سيحمل إن شاء الله فرحا. حيث فضحت به إيران تماما وظهر للعلن اتفاق أمربكا وروسيا واليهود وإيران على دعم الشيعة والأقليات لأنها وحدها التي تحقق المصالح لهم. ومن سيدري أن السحر سينقلب على الساحر – بعون الله – حين يخسر هؤلاء جميعا ويربح ولو بعد حين – من استعان بالله لا بالشياطين الذين راهنوا على الوتر الطائفي في سورية والعراق واليمن خصوصا سيما – كما قيل: إن الأزهار إنما تنبت في أرض المجازر رغم فرق الموت التي دربهم وسلحهم التشيع الصفوي تواطؤا مع الصليبية الصهيونية والباطنية الذين تعاونوا مع الأسد الأب والابن في سورية ومع بول بريمر في العراق. ومع الحوثيين في اليمن. وستنتصر العروبة بإذنه تعالى وننشد مع الشاعر محمود غنيم:
هي العروبة لفظ إن نطقت به فالشرق والضاد والإسلام معناه
البيروقراطية وإصلاحات "فلوتون"
لم تصل الدول المتقدمة إلى مرونتها الإدارية الحالية من فراغ، ولم تولد أنظمتها الحديثة كاملة منذ البداية، بل... اقرأ المزيد
90
| 02 يونيو 2026
الحج بين النسك والتجربة الفاخرة
في كل عام يعود الحج ليوقظ في القلب معاني التجرّد والمساواة والخضوع لله. لباسٌ واحد، ونداءٌ واحد، ووجهةٌ... اقرأ المزيد
72
| 02 يونيو 2026
كيف تبدد ظلام حزنك؟
﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ﴾، كلما مررت بهذه الآية، شعرت بأنها تنساب إلى القلب سكينة خفية، كأنها... اقرأ المزيد
69
| 02 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
4494
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2664
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1644
| 29 مايو 2026